«فيروز : الصوت الشامل» الذي فتن الشعراء


هالة نهرا

بانوراما الشرق الأوسط

«هي التي تجعل الصحراء أصغر، وتجعل القمر أكبر». هكذا صوّر محمود درويش سطوة صوتها. فيروز والأخوان رحباني عشّشوا في الذاكرة، وشيّدوا عمارة فنّية وطنية وقومية عملاقة من نغم وشعر وحكايات شعبية ورمزية مستوحاة من الواقع المحلّي، ومنسوجة على نول اليوتوبيا. لكن «مثالية» عاصي ومنصور كانت مدفوعةً بمحرّك الحلم والثورة. أمّا فيروز، فهي «اللقية» التي عثر عليها الأخوان، وأحسنا صون صوتها وتوظيفه. معظم ما أدّته يظهر أنّ صوتها يتوسّط الصوت الأعلى عند النساء (النديّ) والأكثر انخفاضاً (الرنّان)، وهو إذاً من فئة الميتزو سوبرانو. حتّى الناقد الراحل نزار مروّة، لم يمل إلى تفسير تلك «الظاهرة الصوتية». وصف نزار قبّاني صوت فيروز بالمائيّ، وأصاب الشعراء في محاولة اكتناه صوتها أكثر من الأكاديميين، ربّما لأنّ فيروز «شاعرة الصوت» كما كتب مرّةً أنسي الحاج، و«ما تغنّيه (…) هو الشعر الذي يدخل على الحياة العادية أو الحياة العادية التي تتحوّل شعراً»، بحسب عباس بيضون. رغم أنّها لم تعد تتمتّع «بإمكانات صوتية خارقة»، فما أدّته منذ عقد ونيّف يمثّل ذروة تعبيرية واضحة، ويظهر أنّ العمر أسبغ هيبة إضافية على صوتها.
فيروز أكثر من مطربة.
إنّها مغنّية «شاملة» تتنقّل بسلاسة بين «الغناء الليريكي» lyrique، والفولكلور اللبناني المعدَّل، والتراث التقليدي العربي (الموشّحات)، والطرب الشعبي والحديث، والأغنية الوطنية (إسوارة العروس) والملتزمة (وحدُن)، والجاز ممزوجاً بالموسيقى العربية (يا ليلي ليلي ليلي)، والتراتيل السريانية والبيزنطية… إنّها «نجمة الغناء الحديث» في العالم العربي، وأكثر من مطربة؛ لأنّ الطرب حالة انفعالية. أمّا ما تؤدّيه فيروز، فيرقى إلى مستوى التأمّل، حتّى لو كان طربياً. هنا تكمن أهمّية الأخوين رحباني اللذين كيَّفا صوتها. بدورها، عرفت فيروز كيف تخدم مشروعهما، وتصبّ «أناها» (ذاتها) في صوتها. وهذا ما يمكن تسميته «صناعة الصوت».
تجربتها مع زياد مثّلت نقطة تحوّل في مسيرة زاخرة. منذ أن تعاونت معه، لاحظنا إقبال الشباب على حفلاتها وأسطواناتها، وجنوح فيروز نحو استثمار صوتها، لا درامياً فحسب، بل أيضاً كوميدياً أو حتّى تراجيكوميدياً («مش فارقة معاي»، و«كيفك إنتَ»…). بحرفية، أدّت أغنيات يتجاور فيها الشعبي المعاصر والطربيّ الإيقاعي الذي يحمل نفَساً كردياً («عودك رنّان») والرومانسي والجاز… وواصلت رهانها على الجرأة والتجديد (أسطوانة «…ولا كيف»، و«إيه في أمل»). الفنّانة التي غنّت بيروت والقدس ومكّة والإسكندرية والشام، أدّت أيضاً أغنيات لزياد تعكس موقفاً «طبقياً» واضحاً (رفيقي صبحي الجيز)، وأصبحت أكثر تحرّراً وتهكّماً وواقعية في مخاطبة الحبيب (عندي ثقة فيك). حفلاتها الأربع في ساحل علما، ستكون تاريخية حتماً. يكفي أن تغنّي لنوقظ قوّة الأشياء فينا؛ لنشعر بأنّ ظلاً يكسونا.