حسام فخر.. موهبة «جاهينية» جديدة





بقلم د.جلال أمين
المصري اليوم - ٢٩/ ٥/ ٢٠٠٧
Hossam Fakhr




أنا مدين لتلك الصدفة السعيدة التي جعلتني عضوا في لجنة تحكيم العام الماضي لجائزة ساويرس السنوية التي تمنح لأحسن رواية مصرية وأحسن مجموعة قصص قصيرة صدرت خلال الأعوام الثلاثة السابقة، فمن بين ما قرأته من مجموعات القصص القصيرة لفتت نظري مجموعة بعنوان «وجوه نيويورك» «دار ميريت ٢٠٠٤» لكاتب لم أكن قرأت له شيئاً من قبل، ولا حتي سمعت باسمه هو «حسام فخر».

وجدت قصص هذه المجموعة بديعة، ومختلفة جداً عن معظم ما يقع تحت أنظارنا هذه الأيام «طازجة»، «كما يقال أحيانا» وصادقة للغاية «كما يجب أن يكون الأدب» وخفيفة الظل، «كما يجب أن يكون المؤلف المصري»، وخالية من أي لغو، ومكتوبة بلغة عربية راقية «المختلطة بالعامية عندما يكون هذا ملائماً تماماً»، وتنطوي دائماً علي مشاعر إنسانية نبيلة سواء تعلق الموضوع بالحب أو الصداقة أو الشيخوخة أو الموت أو الشعور بالغربة أو الحنين إلي الوطن.. إلخ.

عندما أرجعت الكتب المطروحة للتحكيم لمؤسسة ساويرس «وكان عددها يزيد علي السبعين» احتفظت لنفسي بهذا الكتاب «من بين ثلاثة كتب» علي عزم بإعادة قراءته ومحاولة تقصي أمر هذا الكاتب المجهول لدي، ومرت شهور قبل أن أسمع اسم حسام فخر مرة أخري من صديق شاب وموهوب، تعرفت عليه أيضاً مؤخراً، فإذا به يذكر حسام فخر كصديق عزيز لديه، يقيم إقامة شبه دائمة في نيويورك، قلت في نفسي: «لا عجب أن يكون هذا الصديق الجديد الموهوب صديقا لحسام فخر الموهوب».

ثم حدث ما بدا وكأنه سقوط سد منيع تدفقت بعده المياه التي طال احتجازها وراءه، فإذا بي أطالع مقالا بعد آخر، ويذكر فيه اسم حسام فخر ومجموعة قصصية جديدة له باسم «حكايات أمينة» «ميريت ٢٠٠٧»، والجميع يمتدحون الكتاب وبعضهم يضيف: «ولا عجب، أليس هو ابن أخت صلاح جاهين؟».

اقتنيت «حكايات أمينة» وقرأتها وطرت بها فرحاً ووجدتها لا تقل جمالاً عن «وجوه نيويورك»، رغم اختلاف الموضوعات التي تتناولها المجموعتان، عندما سألت عما إذا كان لحسام فخر إنتاج آخر اكتشفت أن له مجموعتين أخريين من القصص القصيرة، أولاهما بعنوان «البساط ليس أحمديا» «طبعت في 1985»، والثانية «أم الشعور» «مختارات فصول ـ بدون تاريخ، ولكن تاريخ آخر قصة ١٩٩٠» ورواية قصيرة بعنوان «يا عزيز عيني» «ميريت ٢٠٠٦»، قرأت الكتب الثلاثة واقتنعت بأننا أمام «عبقرية جاهينية جديدة» نسبة إلي أسرة جاهين المجيدة.

لا يمكن أن أذهب إلي حد الزعم بأنك إذا قرأت قصص حسام فخر سوف تخمن فورا أن خاله لابد أن يكون صلاح جاهين، ولكن أستطيع أن أزعم، وأنا مطمئن، أن هناك دماء جرت في عروق صلاح جاهين من نفس نوع الدماء التي تجري في عروق حسام فخر، بل إن قراءة كتاب «حكايات أمينة» ترجح بشدة الظن فإن نفس الدماء قد جرت أيضاً من قبل في عروق سيدة رائعة اسمها «أمينة حسن»، التي تدور حولها كل قصص المجموعة الأخيرة، والتي هي جدة حسام فخر ووالدة صلاح جاهين، فما هي يا تري مكونات هذا الدم الفاخر؟

***

أما صلاح جاهين فيجب أن نلاحظ أولاً أن هناك ما يشبه الإجماع بين المصريين علي حبه وتقديره، فتن المصريون بكلمات أغانيه، كما فتنوا بأشعاره العامية التي لم تُغن ولا يتصور أن تغني لتناولها موضوعات غاية في الجدية والعمق، كما فتنهم برسوم كاريكاتورية كانت تصيب الهدف دائماً بخطوطها وكلامها علي السواء، والمصريون لا يمنحون عادة هذه الدرجة من الحب إلا لمن تتوفر فيه ثلاث خصال «علي الأقل»، هي أيضاً من خصال المصريين بصفة عامة: خفة الدم، والحكمة، والفصاحة.

المصريون في جملتهم، يتمتعون بهذه الخصال، ومن ثم فهم يعلقون أهمية كبيرة عليها في تقييم الناس، فالمصري ينفر بوجه خاص من ثقيل الظل، ومن الأحمق الذي «لا يتصدر إلا للهايف» من الأمور، ويحب المتكلم الفصيح بل قد يغفر له خطأه إذا أحسن الدفاع عنه.

لا عجب إذن أن هام المصريون حبا بصلاح جاهين، الذي بزّ الجميع في خفة ظله، وبفصاحته في استخدام العامية المصرية، وأيضاً بما ظهر في شعره وأغانيه ورسومه من تقدير سليم للأولويات «أي من الحكمة»، أو علي الأقل ما يعتبره المصري تقديرا سليما للأولويات.

مما دعم مكانة صلاح جاهين عند المصريين تعاطفه الشديد مع عامة الناس فهو من أبعد الفنانين المصريين عن صفات «البورجوازي» المتعالي عمن هم أقل منه أو الطامع في اللحاق بالأعلي منه، إنه في هذا أقرب بالطبع إلي بيرم التونسي منه إلي أحمد رامي، وإلي نجيب الريحاني منه إلي يوسف وهبي، وإلي زكريا أحمد أو بليغ حمدي منه إلي السنباطي أو عبدالوهاب، من الواضح أن صلاح جاهين كان يعشق ثقافة شعبه عشقا،

ويطرب أيما طرب للبلاغة التي يجدها في العامية المصرية، وكأنه كان يسير في الشوارع متنبهاً لأي كلمة أو جملة فصيحة تصدر من فم أي صنايعي أو بائع متجول، فيضمها إلي مخزونه الذي لا ينفد من التعبيرات العامية الجميلة، والتي تعبر عن أدق خلجات النفس، لا يمكن لشخص كهذا، إلا أن يعشق أيضاً عادات شعبه وتقاليده التي ولدت كل هذه الفصاحة وارتبطت ارتباطاً وثيقا بهذه اللغة الجميلة.

***

حسام فخر يصغر صلاح جاهين بنحو ٢٨ عاماً، فهو من جيل أبنائه، وهو بعكس صلاح جاهين، قضي ما يقرب من نصف عمره في بلد غربي «نيويورك»، ومن ثم فلابد أن يكون قد تشرب عادات الغرب وثقافته بأكثر بكثير مما تشربه صلاح جاهين، بل هو يعشق نيويورك عشقا، مما يتكرر التعبير عنه في مجموعة «وجوه نيويورك» إلي درجة أن يهدي إليها كتابه عنها، وحسام فخر مولود في أواخر الخمسينيات، فلم يعش فترة الخمسينيات والستينيات إلا طفلا صغيرا، وهي الفترة التي قويت فيها بشدة مشاعر القومية وترددت فيها بكثرة الشعارات والأغاني والخطب الوطنية التي ساهم فيها صلاح جاهين نفسه بنصيب لا يستهان به، والتي تتغني بانتصارات الشعب ونظامه الثوري، لم يكن حسام فخر قد بلغ العاشرة بعد عند وقوع هزيمة ١٩٦٧، التي أطاحت بآمال كثير من المصريين في أن يشهدوا في حياتهم نهضة حقيقية.

ولكن يبدو أن الجرح العميق الذي أصاب قلوب معظم المصريين ومنهم صلاح جاهين نفسه، لم يصب أفراد هذا الجيل الجديد من المصريين، فقد كانوا لحسن الحظ أصغر من أن تصيبهم الطعنة، فإذا بحسام فخر يعطينا مجموعة قصصية بعد أخري تزخر بحب الوطن والحنين إليه،

ولكن الأهم من ذلك ما تمتلئ به هذه المجموعات من أمثلة بالغة الدلالة علي فصاحة العامية المصرية وقدرتها المدهشة علي التعبير عن أدق الفوارق بين المعاني، اتخذ حسام فخر قرارا حكيما في رأيي بأن يكون سرده للأحداث دائماً بالعربية الفصحي «وهي في يده دائماً لغة صحيحة وراقية»،

وأن يكون الحديث دائماً بالعامية المصرية «حتي عندما يكون المتحدث أمريكيا»، اعتقادا منه «فيما أظن» بأنه مادام الناس لا يتحدثون أبدا بالعربية الفصحي، مهما كانت درجة تعليمهم وثقافتهم، فلا يمكن أن يأتي نقل الحديث صادقا إذا كان بالعربية الفصحي، وبأن العامية المصرية يمكن أن تؤدي مهمة نقل ما يريد المتحدث التعبير عنه «حتي إذا كان أجنبيا» بدرجة أعلي من الدقة والصدق.

ولكن المدهش أيضاً أن كل هذه السنوات الطويلة في نيويورك لم تنسه قط أدق تفاصيل الحياة في مصر، وردود أفعال المصريين لما يواجهونه من أحداث، ليس من المدهش بالطبع أن يحتفظ المصري بخفة الدم حتي لو عاش في نيويورك عشرات السنين، ولا يخشي من أن يفقد فطنته أو كلمته من طول معاشرته للأمريكيين،

ولكن أن يحتفظ في ذهنه بكل هذه الذخيرة من التعبيرات والعادات والطقوس المصرية بعد عشرات السنين من الإقامة بأمريكا، وأن يحتفظ في قلبه بكل هذا الولاء لعامة المصريين، فهذا هو الذي يدل بلا شك علي أن الدم الذي يجري في عروق الكاتب ليس ماء، بل هو من نفس فصيلة الدم الذي كان يجري في عروق صلاح جاهين.

***

نأتي الآن إلي السبب في هذا كله، وهو السيدة أمينة حسن، جدة المؤلف ووالدة صلاح جاهين، والتي يخصص الكاتب مجموعة قصصية كاملة لها.

إن القارئ لا يحتاج إلي قراءة أكثر من قصة أو قصتين من مجموعة «حكايات أمينة» ليكتشف أن المنبع الذي يستقي منه الثلاثة واحد، فشخصية السيدة أمينة تبهرك بقوتها وخفة ظلها وفصاحتها وحكمتها، لا عجب أن يهيم بها الكاتب ويهديها أولي مجموعاته القصصية بقوله: «إلي صديقتي الأولي، أمينة حسن، جدتي».

من أبدع قصص الكتاب قصة من صفحتين فقط اسمها «حكاية الحب من أول نظرة» (وهو الحب بينه وبين جدته). يحكي فيها حسام فخر قصة أول لقاء بينه وبين جدته، وكان هذا يوم مولده، فلا عجب أنه قابلها وهو «عاري المؤخرة ويزعق بأعلي صوته»، ويقول إن جدته عندما رأت اصفرار وجهه مع بعض الحمرة قالت بصوت حازم لا يقبل المناقشة:

«الولد له مالوش لبن، سيبوهولي وأنا حاتصرف..».

وأصدرت أمرها بما يجب أن يكون عليه طعامه:

«مية بسكر، ونقطة ماورد، وبوسة علي الجبين، وسورة يوسف وياسين، وبخور جاوي فوق راسه، وفي ودنه الأدان وكلمتين حلوين..».

ثم يقول الكاتب إن جدته أقسمت له عندما كبر أنها:

«أرضعتني هذا المزيج من السوائل والحب والكلمات، وأخذتني في حضنها الدافئ، وأنني في تلك اللحظة نظرت ملياً في عينيها وابتسمت ابتسامة مضيئة، ومددت يدي الصغيرة لأداعب شعرها الأبيض الخفيف، وتقول والدموع في عينيها إنها «قبّلت يدي وهمست في أذني: (نورت الدنيا يانور عيني)».

وكانت تكرر له حكاية أنه أحبها من أول نظرة، المرة بعد الأخري، علي مر السنين، ولكنه عندما أعادت علي أسماعه نفس الحكاية وهو في سن المراهقة قال لها بصبر نافد:

«.. أما عن النظر في عينيك بعد الماورد وباقي الخزعبلات إياها، فمن الثابت علمياً أن الرضع حديثي الولادة لا يرون شيئاً لمدة سبعة إلي عشرة أيام، ويؤسفني أن أخبرك أن الرضع لا يعرفون الابتسام، وإنما تنفرج أساريرهم لحظة إخراج الريح الذي يوجع بطونهم..».

وكان رد جدته أن ضحكت بوداعتها المعهودة وقالت:

«أما إنك ولد دون صحيح.. باقول لك ياكلب كان حب من أول نظرة.. تقوم تقول لي كنت أعمي وعندي غازات؟!! الله يقرفك.. وياخسارة تربيتي فيك.. بكرة تفهم..».

هناك أكثر من قصة في كتاب «حكايات أمينة» غير هذه القصة الجميلة، تدل علي أن أمينة كانت تعلق أهمية علي الخيال الجميل، خاصة إذا كان قائماً علي الحب، أكبر مما تعلقه علي الواقع القبيح، خاصة إذا كان شريراً. وكانت لا تكف عن محاولة تصحيح أي موقف من جانب حفيدها يتضمن العكس: أي تفضيل الواقع، لمجرد أنه حقيقة، علي الخيال، مهما كان جميلاً. فالمهم في نظرها هو ما يعتقده المرء ويملأ حياته بالبهجة، حتي لو خالف المنطق أو العلم. ففي هذه الحالة يجب ترويض المنطق والعلم لكي يصبحا علي وفاق مع الخيال الجميل والخير.

من الشيق أن نلاحظ في قصص حسام فخر ما يدل علي أنه يشارك جدته اعتقادها.

ففي مجموعة «أم الشعور» مثلاً قصة جميلة بعنوان «عام الكارثة الوشيكة» تحكي قصة قرية يعتقد أهلها أن نخلة معينة في قريتهم تجلب البركة وتشفي الأمراض، فأصبحوا يأتون إليها ليمسحوا بأيديهم علي جذعها، ويصرون في احتفالات الزفاف أن تدور زفة العروس حول النخلة سبع مرات، وتقوم الأمهات بدس بلحة من ثمارها في زوادة أبنائهم الذاهبين بحثاً عن الرزق...إلخ، إلي أن جاء إلي القرية من قال لأهلها إن هذا الذي يفعلونه هو الكفر بعينه، وأن من الواجب قطع النخلة.

أصاب أهل القرية الذعر وقال إمام المسجد «أي كفر يابني؟ أسمعتنا يوماً نصلي للنخلة؟ إننا نقف هنا وننادي الله وحده لا شريك له.. أسمعنا أحد نقول يا نخلة يا ذات المن؟ لا.. إننا ندعو جبار السموات.

سكب الثائرون الجاز علي النخلة وأشعلوا فيها النار وكانت النتيجة أن ساد الاعتقاد في القرية بأن كارثة لابد أن تحل علي البلد وما فيها قبل أن يحول الحول، وأن «الكارثة تخيم وتحدق وتتخفي وراء كل حائط، وفي كل ركن وزاوية متربصة مستعدة للوثوب والانقضاض عليهم.. وقديماً قالوا في الأمثال: وقوع البلا ولا انتظاره».

* * *

كثيراً ما يثور في نفسي السؤال «لماذا أكتب؟» أو السؤال «لماذا يكتب أي كاتب علي الإطلاق؟»، ويعتريني هذا الشعور علي الأخص بالشك في جدوي الكتابة عندما أقرأ شيئاً رديئاً، مقالاً لا يقول شيئاً علي الإطلاق، أو تعليقاً سياسياً المقصود به تملق السلطة...إلخ، هنا يعود إلي الشعور بأن التوقف عن الكتابة قد لا يكون فيه أي ضرر علي الإطلاق. ولكن يحدث لي العكس بالضبط عندما أقرأ كتاباً جيداً أو رواية أو قصة بديعة.

هنا أقول لنفسي إن وقت الكاتب لم يضع هباء، وكم يكون جميلاً لو استطاع المرء أن يكتب مثل هذا الكلام، وتعود إلي ثقتي بجدوي الاستمرار في الكتابة. كان هذا الشعور الأخير هو بالضبط ما انتابني عندما قرأت مجموعات حسام فخر القصصية، وعلي الأخص «وجوه نيويورك»، ثم «حكايات أمينة».