ماذا أصابك .. ياوطن ؟






الشاعر فاروق جويدة

أنا من سنين لم أره



لكن شيئا ظل فى قلبى زمانا يذكره..
( عمى فرج)
رجل بسيط الحال لم يعرف من الايام
شيئا غير صمت المتعبين
كنا اذا اشتدت رياح الشك
بين يديه نلتمس اليقين
كنا اذا غابت خيوط الشمس عن عينيه
شيىء فى جوانحنا يضل .. ويستكين
كنا اذا حامت على الايام أسراب
من اليأس الجسور
نراه كنز الحالمين
عيناه غارقتان فى سأم السنين
وذقنه البيضاء تحمل الف حلم
للحيارى الضائعين
كم كان يمسك ذقنه البيضاء فى ألم
وينظر فى حقول القمح
والفئران تسكر من دماء الكادحين
لم يبق فى الحقل الجميل
سوى الثعابين العتيقه
تنفث السم الدفين
لم يبق غير قطائع الغربان
تنعى الموت فى الزمن اللعين
لم يبق فوق شواطىء النهر الحزين
سوى العناكب والطحالب والأنين
كم كان يبكى كلما أكلت
جيوش الملح قوت الجائعين
*************
( عمى فرج)
قد كنت أعرف وجهه المعجون
من شوق الليالى
والمواويل القديمة والحنين
دمه بلون النيل
حين يجىء مختالا يشق الارض
تصرخ فى رباها الخضر اصوات الجنين
بيديه مسبحة وفى قدميه خف
علم الدنيا طقوس الصبر فى الزمن الضنين
من ألف عام
كان يمشى فوق نهر النيل
يسمع عن حكايا السارقين
سرقوه جسما .. ثم روحا
ثم أصبح غنوة خرساء
تحكى عم مآسى الراحلين
كم عاش يشرب دمعه
المخلوط من ماء وطين
قد كان آخر عهده بالحلم
حين يجيىء شهر الصوم
بالتمر الملوث بالتراب
يسد جوع الصائمين
*************
( عمى فرج)
يوما تقلب فوق ظهر الحزن
أخرج صفحة صفراء
اعلانا بطول الارض
يطلب فى ( بلاد النفط ) بعض العاملين
همس الحزين وقال فى ألم
أسافر .. كيف يا الله
أحتمل البعاد عن البنية .. والبنين
لم لا أحج .. فهل أموت ولا أرى
خير البرية أجمعين
لم لا أسافر كلها أوطاننا
ولأننا فى الهم شرق
بيننا نسب ودين
لكنه وطنى الذى أدمى فؤادى من سنين
ماعاد يذكرنى .. نسانى
كل شيىء فيك يامصر الحبيبه
سوف ينسى بعد حين
أنا لست أول عاشق نسيته هذى الارض
كم نسيت ألوف العاشقين
وطنى سينسانى
قد كان يذكرنى
اذا لاحت وجوه المعتدين
قد كان يذكرنى
اذا حلت مواسم زرعنا
فيجيىء يسرقها
ويتركنا حيارى .. جائعين
حاربت يوما فى صباى
فعاش مرفوع الجبين
حاربت كى يبقى عزيزا
رغم أنف الظالمين
قد مات ابنى فى سبيلك ياوطن
كفنته فى مهجتى
ورسمته وشما على صدرى
أبا الهول العتيق
يرد كيد الغاصبين
أنا لم اسافر فى حياتى مرة
كانت حقول القمح فى عينى
نهاية كل هذى الارض
كانت ظلة الصفصاف أوسع
من سماء الكون
كانت مصر فى قلبى بلاد العالمين
************
ومضيت يوما كى أرى وجه النبى
سافرت من أجل النبى
كم طفت حول الكعبة الغراء
أدعو الله أن يشفى فؤادى
من حنينى للوطن
قد كنت ألمحه على الاستار مسجونا
كوجه العدل فى هذا الزمان
كان الحنين يفيض فى نومى
فألمح أهل بيتى .. كل جيرانى
وزرعى .... والسكن
طيف الحنين يثور فى قلبى
فيجرى فى عيونى ألف نهر من دموع
كانت حقول القمح تصرخ فى ضلوعى
أن أطلال المزارع تشتهيك
وحضنها الخالى يسائلك الرجوع
*************
(عمى فرج)
قد حان ميعاد الرجوع الى الوطن
وطن وطن
عدنا الى حضن الوطن
الكل يصرخ فوق أضواء السفينه
كلما اقتربت خيوط الضوء عاودنا الشجن
وجه الوطن
فى كل جزء فى الحنايا ظل يسكننى
ويورق كلما عصفت بأيامى المحن
أهواك ياوطنى
فلا الاحزان أنستنى هواك ولا الزمن
( عمى فرج)
وضع القميص على يديه
وصاح يا أحباب لا تتعجبوا
انى أشم عبير ماء النيل
فوق الباخره
هيا احملوا عينى على كفى
أكاد الآن ألمح كل مئذنه
تطوف على رحاب القاهره
هيا أحملونى كى أرى وجه الوطن
**************
دوت وراء الافق فرقعه
أطاحت بالقلوب المستكينه
والماء يفتح ألف باب
والظلام يدق أرجاء السفينه
غاصت جموع العائدين تناثرت
فى الليل صيحات حزينه
وتسمرت عيناه فوق الشاطىء الموعود
راوده حنينه
كانت تلال الموج تحمل صرخة
مكتومة الانفاس يخفيها أنينه
( عمى فرج)
قد قام يصرخ تحت أشلاء السفينه
رجل عجوز فى خريف العمر - ياأبناء-
من منكم يعينه
رجل عجوز آه ياوطنى
امد يدى نحوك ثم يقطعها الظلام
وأظل أصرخ فيك انقذنا .. حرام
بالله أنقذنا حرام
بالله أنقذنا حرام
************
وتسابق الموج الجبان
مابين أمواج وحيتان وأعشاب
توارى العمر .. وانتحر الأمان
واسودت الدنيا وقام الموت
يروى قصة البسطاء
فى زمن التخاذل والتنطع والهوان
وسحابة الموت الكئيب تلف أرجاء المكان
( عمى فرج)
بين الضحايا كان يغمض عينه
والموج يحفر قبره بين الشعاب
وعلى يديه تطل مسبحة ويهمس فى عتاب
الآن ياوطنى أعود اليك
توصد فى عيونى كل باب
لم ضقت ياوطنى بنا ؟
لم ضقت ياوطنى بنا ؟
قد كان حلمى
أن يزول الهم عنى .. عند بابك
قد كان حلمى
أن أرى قبرى على أعتابك
الملح كفننى
وكان الموج أرحم من عذابك
ورجعت كى أرتاح يوما فى رحابك
وبخلت ياوطنى بقبر يحتوينى فى ترابك
فبخلت يوما بالسكن
والآن تبخل بالكفن
ماذا أصابك ياوطن ؟
ماذا أصابك ياوطن ؟
ديسمبر 1991