مغامرة الحوار "صاحب الجلالة : هل تتحدث كرجل عاقل أم كملك؟"





بقلم الفيلسوف البوذي الياباني دايساكو إيكيد
رئيس منظمة "سوكا جاكاي الدولية" الداعية للسلام


الحوار مغامرة، ونتائجه أحيانا ما تغير التاريخ، فمنذ أكثر من ألفى عاما، أُشير علي البوذي الهندي "ناجاسينا" بالتحاور مع الملك "ميليندا" الأغريقي، الحاكم في مملكة في شمال غرب الهند، فسأل "ناجاسينا" الملك : "يا صاحب الجلالة: عندما تتحاور، هل تتحدث كرجل عاقل أم كملك؟"
إخترق السؤال قلب العاهل وجرح كبريائه، فكان من الواضح أنه قد اتخذ هذا السبيل كوسيلة للإلحاح علي أن يستكشفا الحقيقة معا، علي قدم المساواة، ككائنين بشريين يتعلم كل منهما من الآخر عبر حوار بين عقلاء حكماء.

فتروي الملك ثم ترك كبريائه جانبا، مركزا علي العقل والحكمة، فأدي تبادل الأفكار الصريح إلي نوع من اللقاء بين الشرق والغرب، في خليط بين الفكر الإغريقي الكلاسيكي والفلسفة الهندية، بكل ما يحمله ذلك من تأثيرات.

ويحتوي هذا النوع من الحوار علي دروس ربما يجدر بزعماء العالم حذوها في يومنا هذا، فالدنيا الآن وأكثر من أي وقت مضي، في أشد الحاجة إلي أن يتعلم الجميع من الفوارق والخلافات، وإقامة حوارا خلاقا، حوار العقلاء الحكماء.

لقد سجلت قمة زعماء الدول الثمان الصناعية الكبري الأخيرة في اليابان في يوليو، رقما قياسيا بمشاركة 22 دولة في أعمالها، فقد إنضمت بلدان أخري إلي قادة الدول الثمان، علي مائدة المفاوضات للتشاور حول التغيير المناخي وقضايا التنمية، وينبغي التشجيع علي توسيع نطاق مثل هذا النوع من الإجتماعات، بغض النظر عن شكلها، مراعاة لأهميتها كعامل حاسم في خلق حضارة مبنية علي الحوار.

فسر الحكمة، أكثر من إي إعتبار آخر، هو القدرة علي الإنصات، لاسيما عندما يتعلق الأمر بمثل هذا الكم من القضايا العالمية، ولابد إذن من بذل كافة الجهود الممكنة من أجل الإنصات إلي أراء الناس الذين تختلف مواقفهم عن مواقفنا، وخاصة أكثرهم تأثرا، أولئك المحرومين من صوت يعبر عنهم، وبإيجاز لابد من الإنصات إلي الجميع.

وسر الحكمة، في الوقت نفسه، يكمن أيضا في المثابرة، فإذا كان التقدم في الحوار ليس بالسهولة المنشودة، فسوف يكون لازما الإستعانة بالحكمة سعيا وراء التوافق علي أرضية واقعية مشتركة، والإتفاق علي إستمرار الحوار، بغض النظر عن الإعتبارات الأخري.

لنتذكر إجتماع القمة في "رييكافيك" بين "ميخائيل جورباتشوف" و"رونالد ريجان" في 1986م، إنتهت المفاوضات بينهما ببيانات، لكن "جورباتشوف" رفض في ندوة صحفية بعد الإجتماع، القول بأن المفاوضات قد إنهارت، مؤكدا أنها كانت خطوة أولي تجاه مفاوضات لاحقة، فأثر ذلك علي الأمريكيين، فإتخذوا موقفا مشابها، ومهدوا للإستئناف في مناخ أكثر إيجابية، أبعد نظرا.

وبرهن التاريخ علي أن العزم الجاد علي التحاور قد ساهم إسهاما كبيرا في المسار الذي أدي إلي إنتهاء الحرب الباردة في نهاية المطاف، وعندما إلتقيت بـ"جورباتشوف" بعد ذلك ببضعة سنوات، تساءل الكثيرون عما إذا كان لقاء بين بوذي وزعيم قوة عظمي يأتي بنتيجة ذات مغزي، فخلال اللقاء تناقشنا حول ذكرياتنا ومشاطرتنا بؤس الحروب وقسوتها في شبابنا، وإتفقنا علي أن جيلنا يمكن تعريفه بأطفال الحرب.

وإنطلاقا من هذه الأرضية المشتركة، تحدثنا عن عزمنا المشترك علي التعلم من دروس الماضي، من أجل المستقبل، فأيا كانت أخلاقياتنا أو ديانتنا، كلنا لدينا عائلات ومستقبل نريد حمايته، فدورة الحياة لا مفر منها : الولادة، النمو، المرض، الموت، فإذا إتفقنا علي هذا المنظور الأساسي في حياتنا، سوف يكون من الممكن إذن الإرتقاء فوق الخلافات والنجاح في التحاور.

الحوار ليس وسيلة مبسطة لتثبيت كل طرف لموقفه، ومن غير الضروري أن يخدم الحوار في إقناع الآخرين بوجهة النظر الخاصة، الحوار ينجح إذا ما انبني علي إحترام حياة الغير، وإذا ما إنطلق من عزيمة التعلم ممن تختلف شخصيته ونظرته، لقد كان المؤرخ البريطاني "أرنولد تونبي" علي قناعة ثابتة بأن الحوار هو مفتاح الحصول علي ردود إنسانية لتحديات التاريخ، ثم هناك قول بوذي رائع، يقول: "إذا ما إنحيت أماما لمرآة، فإن من يطل منها سينحني أمامك بوقار" .