أحمد الشيتي: انتهى عصر البطل الستيني عصر الحكايات الكبرى وبتنا في الحضيض




عناية جابر
السفير - 6-1-2011


ســيظل مصطلــح قصــة قصيــرة قلقــاً لا ننطقــه أبــداً بارتيــاح


القاص والروائي المصري أحمد الشيتي لا يميل في كتابته الى القوالب ذات المعالم المحدّدة. ثمة حرية في الأسلوب تجعل من تصنيف كتابته عملاً محيّراً للنقاد الأكاديميين ذوي الأحكام «السلفية» إذا صحّ التعبير، المتصالحة نسبياً مع نظائرها الأوروبية في القرن التاسع عشر، فيرى هؤلاء في قصصه القصيرة اختلافاً عمّا اصطلح عليه، حتى أنها تكاد تكون أقرب الى قصيدة نثر، أو رواية مضغوطة. للشيتي مجموعة قصصية صدرت عن «ميريت» تحت عنوان: ضوء خفيف ينتشر بسرعة، ورواية ـ لها قصة ـ تحت عنوان: ورود سّامة لصقر. عن كتابته وعن أمور ثقافية أخرى كان هذا الحوار.
في مجموعتك القصصية عن «دار ميريت» تحت عنوان: «ضوء شفاف ينتشر بخفة» نرى الى القصة بالغة القصر عندك، مع ذلك موحية وتتضمن حياة كاملة، والحلم فيها يتخطى الحدود الزمانية والمكانية. أودّ سؤالك هنا، وبشكل جدّي، لماذا لا تُسمى قصتك هذه بما تتوفر عليها من امكانيات فنية، قصيدة، على غرار قصيدة النثر التي تكتب راهناً. ما هو الفرق برأيك؟
غالبا ما تتمزق كتاباتي يميناً ويساراً لمشكلات يتعلق أغلبها بالتجنيس فهناك من رأى أن نصوص ضوء شفاف ينتشر بخفة هي رواية وانني كان ينبغي أن أضع كلمة رواية على الغلاف، ورأى آخرون أنها عبارة عن روايات مضغوطة سأعمل عليها لاحقا، وطبعا كان هناك اتجاه قوي يتكلم عن قصيدة النثر، لكن اللافت حقا هو ان الكتاب انقسم الى قسمين، بين جمهورين كبيرين، هناك من رأى أن الكتاب ينتهي الى هنا، وهناك من رأى أن الكتاب يبدأ من حيث انتهى الأخر.. يميل النقاد الى القوالب ذات المعالم المحددة المتصالحة نسبياً مع نظائرها الأوروبية في القرن التاسع عشر، فعندما نذكر كلمة «رواية» مثلا نتذكر فلوبير، تشارلز ديكنز، نجيب محفوظ، نتذكر مدام بوفاري ولا نتذكر العجوز والبحر، وفي القصة القصيرة سنذهب مباشرة الى جي دي موباسان وتشيكوف ويوسف إدريس، ولن نتذكر ربما مونتيرسوولا بوريخيس ـ الذي هو وفقا للتجنيس الذي اعتمده هو أو الناشر على أغلفة كتبه: كاتب قصة قصيرة، في حالة بورخيس سيظل اصطلاح كاتب قصة قصيرة اصطلاحاً قلقاً لن ننطقه أبدا بارتياح - يذهب لا وعينا مباشرة إلى الهيكل المعماري واضح القسمات كما ولد سابقاً ولا يذهب إلى النصوص التي تضرب هذه الأجناس أو توسع منها أو تنشئ أجناسا جديدة غير مسماة بالبناء على عناصر من الأجناس القديمة، لم يكن الكاتب العربي يعاني من مشكلات التجنيس، ما هو جنس مواقف ومخاطبات النفري على سبيل المثال، وهل ألف ليلة كتاب قصصي أم قصص قصيرة أم رواية أم مجموعة روايات؟ وفقا للمفاهيم النقدية السائدة لن يوجد قالب ينطبق بضمير على هذا النص أو ذاك، التراث حافل بالنصوص السردية المتخاصمة مع القوالب المعتمدة، وسيظل إطلاق وصف قصة على نوع معين من النصوص هو أمر مرهون برغبة الكاتب أو الناشر أو كلاهما، كذلك حين نذكر كلمة بيت لا نتذكر سكان العشش الصفيحية ولا من يسكنون تحت سلالم العمارات أو فوق الأسطح أو على حواف السكك الحديدية، ولا مخيمات الغجر على أطراف المدن. تصوراتنا حاكمة في هذا المجال، وحدها الكتابة قادرة على اختراق هذه التصورات وخلق تصورات جديدة بمفاهيم مستمدة من كل تجربة إبداعية على حدة.
في قصة «ثلاثة نمور حزينة» مثلاً، يُظهر سردك ميله الى السوريالية، ويتضمن أيضاً فكرة فلسفية تتطور بشكل مجرد دون شخصيات أومواقف. ما هو مفهومك للقصة القصيرة المعاصرة؟
النمور الثلاثة أضفت طابعاً سوريالياً على السرد، أوافقك على ذلك، أنت تعرفين أن مصر ليس بها نمور إلا فى حديقة الحيوان، ربما عدة نمور، سبق أن رأيت نمراً اسود في قفص حديدي داخل حجرة مظلمة، أدخلني الحارس الحجرة نظير مبلغ زهيد، أخبرني انه النمر الأشد شراسة في العالم، كان يذرع القفص دون هوادة بغضب مكتوم، ربما داخل عضلاته، وكان ينظر الى نقطة مجهولة، اعتقدت وقتها انه لا يرى أحداً، ربما لازال بصره معلقا بالغابة التي جاء منها رغماً عنه، وانه سيفتك بمن سيعترض طريقه اي كان، كانت النمور الأشد شراسة هي من ذهب للرجل الأشد هشاشة، حتى انه كان عاجزاً عن سرد حكايته، ربما لا يمتلك حكاية، ربما كانت حكايته غائرة في تلافيف لحمه وعظامه، في الكدمات التي أصابته لسبب مجهول، أعتقد أن القصة القصيرة المعاصرة هي على النقيض من عصر المديا، تعتمد على الحذف، أقصى درجات الحذف، تضع تفصيلة واحدة أو عدة تفاصيل محل اعتبار، هى لا ترغب في أن تحكي حكاية، ربما ترغب في سرد حكاية بطريقتها المعتمدة على الحذف والانتقاء النافذ لمجمل عناصرها لإحداث أقصى توتر ممكن في أقل مساحة، بما يخرجها بحدة عن أن تكون جزءا من نص سردي آخر، رواية مثلا، ترغب القصة القصيرة في إحداث ندبة في الشعور، قطع لهاجس ملء الفراغ الإعلامي، مدببة وجارحة، تستدعي قارئاً مشاركاً في إنتاج المعنى.
في سردك نوع من الإقتصاد الأنيق والشح. هل طبيعة سردك المجرد بشكل مبالغ أحياناً يشكل خطراً على شخصيات قصتك، ويجعلها أقل شبهاً بالحياة؟
ـ بمناسبة «الشح» هناك حكاية طريفة، نزلت ضيفاً على صديق ناقد واكاديمي معروف، وكان قد كتب عن كتاباتي في مناسبات عديدة، وقد انفردت بمكتبته للحظات، وقع بصري على كتابي الصادر حديثاً وقتها بعنوان «شتاء داخلي»، وكان صديقي قد كتب عنه، تناولت الكتاب ورحت أتصفحه دون هدف، فوجئت بملاحظات مكتوبة أسفل كل نص من نصوص الكتاب، استوقفتني ملاحظة أدهشتني بشدة كانت كالتالي «لاحظ الاقتصاد الشديد في استخدام اللغة وعلاقة ذلك بالبخل الدمياطي» كنت أنا الدمياطي، ودمياط هي مسقط رأسي، وهي مشهورة في التراث الشفاهي بالبخل الشديد حتى أنها تقارن فى النكات الشعبوية باليهود، طويت الكتاب وارجعته إلى المكتبة ولم أتكلم، فقد اعتبرت انني اطلعت على أوراق خاصة. هل كان صديقي يبحث عن أساس مادي للاقتصاد في استخدام اللغة، كما لو كنت بخيلاً وفقا للأرومة التي انحدر منها، وان البخل قد تمكن مني حتى انني أضن بالكلام؟ ألا يستتبع ذلك بالضرورة بخل المعنى وشحه أم أن المعنى مجاني كالهواء، أظن أن الاقتصاد مزاج شخصي واختيار واع.. إن الفتاة في قصة «محاورة» حين دفعت المقعد فأوقعته أمام صديقها المستغرق في شرح كارل ماركس وفرويد والنبي محمد وكل ما بين السماء والأرض دون أن ينظر كم هي مترعة بالحب والأنوثة، قالت الكثير عن نفسها وطبقتها وثقافتها وعن صديقها وعن الحياة. منذ أيام كنت أشاهد بالقاهرة معرض المصورة الفوتوغرافية «رندا شعث» المعنون «خارج الألبوم»، كان المعرض مهتماً باللحظات التي لا يصورها الناس عادة، لحظات الاستعداد للخروج من المنزل، أو الغذاء، أو الاستعداد للحفل، قليلة كانت اللوحات التي لا يضيئها الوجه الانساني، ربما لوحة أو لوحتين إحداهما لنافذة ذات باب زجاجي تنسدل عليه ستارة بيضاء شفافة يطير أطرافها الهواء، حالة الضوء ولون الجدران وبلاط الأرضيات وقلة الأثاث تخبرنا أن الستارة في منزل في مصيف، ربما الإسكندرية، وأننا في الصيف، وان النسمة بحرية هينة، وان الضوء محمل برائحة البحر، وان الروح تهفو للحظة كتلك، كان الإنسان موجودا في كل التفاصيل رغم الاقتصاد الشديد في استخدام العناصر، بالمناسبة رندا شعث فلسطينية.
أسطورة مفلسة
روايتك الصادرة حديثاً أيضاً: «ورود سامة لصقر» والتي لفتت إليها الأنظار بشدة، لها حكايتها الخاصة، إذ صدرت على دفعات وفي فترات متباعدة. احك لنا خلفيات هذا العمل الهّام، وسرّ صدوره كاملاً الآن؟
لا أرغب في اجتراح ريادة ما لأن الرواد دائماً أباء وأنا في معضلة وجودية مع الأب منذ رحيل أبي وأنا في سن الخامسة، حتى انني لا استطيع تكرار تجربته بأن أكون أبا بدوري، ولكن هذا هو واقع الحال، فقد اجترح هذا النص الصادر لأول مرة في فبراير 1990 مهمة نقل الرواية المصرية إلى عصر ما بعد نجيب محفوظ والستينيات دفعة واحدة، هناك الكثير من الدراسات وشهادات الروائيين حول هذه النقطة «صبرى حافظ - سيد البحراوي- خليل الخليل وغيرهم» فقد انتهى عصر البطل الستيني ابن الأحلام القومية، وإحباطها الكبير في نكسة العام 1967 انتهت الحكايات الكبرى وبتنا في مواجهة الحضيض.
كان العام 1990 عاما مفصلياً انهيار الاتحاد السوفياتي وبداية الاعلان عن نهاية التاريخ، قبل
ذلك بقليل كان العمل يقرأ كمخطوطة باهتمام حتى أن إبراهيم أصلان صرح في إحدى الصحف أن أفضل عملين قرأهما مؤخرا هما الحب فى زمن الكوليرا لماركيز ومخطوطة لشاب بعنوان ورود سامة لصقر، اقترح علي أصلان أن أقدم الرواية للنشر في سلسلة مختارات فصول التي يرأس تحريرها سامي خشبة. وبالفعل أدرجت الرواية ضمن خطة النشر في السلسلة الشهيرة آن ذاك، وأعلن عن ذلك شهرياً في أعداد السلسلة، وحين جاء الدور على الرواية لتنشر فوجئت بإبراهيم أصلان يعيد اليّ العمل، وقد وضعت تحت بعض عباراته خطوط حمراء، طلب الناقد سامي خشبه حذف هذه العبارات حتى يمكن نشر العمل، رفضتُ، عرضت مجلة أدب ونقد التي يصدرها حزب التجمع التقدمي نشر العمل كاملاً دون حذف، وبالفعل نشر كمادة من مواد المجلة في فبراير1990 الى آخر الحكاية المعروفة والتي فصلتها في مقدمة الطبعة الثالثة الصادرة هذا العام، لقد نفدت المجلة في فترة وجيزة، عرفت من أصدقاء عديدين أن الطلبة في الجامعات كانوا يضطرون لتصوير صفحات الرواية من النسخ المتاحة، كانت أحداثا ثقيلة الوطأة عليّ أدخلتني في معمعة لم أتوقعها فقد كنت لازلت في العشرينيات، هامشي، انتمي لأسرة فقيرة في إقليم ناء، وهم لا يقرأون الروايات، ويرون انني أهدر وقتي عبثاً، وكان عملي يصل لآماد بعيدة لم أتوقعها، ويعرضني لأسئلة لا استطيع الإجابة عنها، كانت درايتي بالحياة الثقافية محدودة، قال لي صديقي سيد البحراوي آنذاك انني وعملي صرنا أسطورة، وقد كنت وقتها أقف أمام باعة الجرائد لأقرأ المكتوب عني، لم يكن معي نقود لاشترى الجرائد، كنت أسطورة مفلسة وبلا مأوى، كان هم العديدين معرفة من اكون، وما هي هويتي السياسية، وهل أنا صقر أم يحيى، وكنت أنا نفسي لا امتلك أي يقين، تركت كل شيء وغادرت القاهرة والحياة الثقافية ووسائل الإعلام، تركت النص يعيش حياته وعدت الى مسقط رأسي دمياط، لم يكن عندي شيء آخر لأقوله، تخلصت من كل النسخ وعكفت على اكتساب مهنة لآكل منها عيشاً، لم أكن ادري وقتها انني والنص قد وقعنا في بؤرة لحظة تحول عنيفة، لحظة تحول لن تترك اي شىء ما بين السماء والأرض، وكنت أنا أضعف من أن أجيب على كل الأسئلة، كانت اخباري تواتيني من آن لآخر، كسبت الرواية أرضا جديدة كل يوم، وبسبب غيابي الطويل عن الحياة الثقافية التي تعتمد على التواجد الجسدي والعلاقات خسرت الترجمة والجوائز والسفر الى الخارج وخسرت التواجد في عصر وسائل الإعلام الذي انفجر أواسط التسعينيات، كنت تماما كمن عمل وقبض غيره.
متى بدأت علاقتك بالكتابة ؟ وما سرّ ندرة إصداراتك ؟ ولمن تقرأ من الكتّاب العرب والأجانب؟ وأخيرا كيف ترى إلى المشهد الثقافي في العالم العربي اليوم؟
بدأت علاقتي بأحلام اليقظة أولاً، ولاحقاً في حكي هذه الأحلام لأطفال آخرين يحبون سماعها، كانوا زملاء في المدرسة وزملاء في الورشة حيث أعمل بعد المدرسة، ثم تطور الأمر وفقا لمجرى شديد التعقيد حتى انني في صباحات عديدة يفاجئني واقع أن هناك من يظن انني كاتب، وتفاجئني كتبي ككائنات غريبة عني، لذا لا احتفظ بها أبدا ًولا اهديها لأهلي، فالإنسان لم يولد ليكون كاتبا، يمكن جمع كتبي الى الان في دفتر صغير، آمل أن أزيد حجمها في السنوات القادمة، أعاني حقا من أن كتبي بلا كعب حتى أن كتابي يختفى بســهولة بين عدة كتب، احسد كثيراً من ينشئون كعوباً ضخمة. استمتع حالياً بقراءة احتمال جزيرة لميشيل ويلبك ورشيد الضعيف ونجوى بركات، وحسن داود، وأرى أن الإنتاج الروائي العربي متعدد ومتنوع وأن عليه التحرر من الاستقطاب الشديد الذي تمارسه الجوائز وإغراءات البست سيلرز، ورغم جودة الروايات التي تنتج في الأقطار العربية على اختلافها يمكن القول أنها لم تشكل تياراً واضح القسمات مثل التجــارب الكــبرى «الرواية الروسية» «الرواية في أميــركا اللاتيــنية» وهكذا.
ماذا عن تاريخ القصة القصيرة في مصر، بداياتها وروّادها، ولماذا هي برأيك صنف أدبي يندر كتّابه؟
حتى أوائل الثمانينات، كانت القصة القصيرة في مصر هي ميدان المبارزة الحقيقي، وكان جيل الستينيات يتصدر المشهد الثقافي المصري ـ ربما ـ إلى أواخر الثمانينات، لا أقصد كجيل إنما كرؤية وموقف من العالم والفن، كان من الطبيعي وقتها أن يولد الكاتب الشاب ككاتب قصة قصيرة وكان من أهم التعاليم التي يتلقاها الأدباء الشبان هي قراءة كتاب «الصوت المنفرد» لأكنور وهو كتاب في جماليات القصة القصيرة، وقراءة القصص القصيرة لتشيكوف في ترجمة الراحل محمد القصاص، وقراءة نبي القصة القصيرة المصري يوسف إدريس، فضلاً عن السوريين زكريا تامر ووليد اخلاصي، وكان معظم كتاب جيل الستينيات كتاب قصة قصيرة، إبراهيم أصلان، بهاء طاهر، يحيى الطاهر عبدالله، جمال الغيطاني، محمد البساطي، محمد حافظ رجب، محمد إبراهيم مبروك، ومحمد روميش، ربما كان الوحيد الذي كتب الرواية مباشرة منذ أواسط الستينيات هو صنع الله إبراهيم بروايته «تلك الرائحة» كان يبدو نسيج وحده، وانه يغرد على مبعدة من السرب، وكان ادوار الخراط يحفر منذ الخمسينيات طريقاً خاصاً به في مجال القصة القصيرة بمجموعتيه «حيطان عالية» و«ساعات الكبرياء». كانت مهمة جيل الستينيات هي تطوير هذا الفن الموروث عن جيل الآباء يحي حقي، ومحمود طاهر لاشين، ومحمود بدوي، وتيمور وغيرهم، وتقديم طرح مواز ومغاير من حيث الحساسية لانجازات يوسف إدريس الذي احتل المشهد طوال الخمسينيات وحتى نهايات الستينيات بمجموعاته الشهيرة «بيت من لحم»، «ارخص ليالي»، «لغة الآي آي» وغيرها. كان انجاز الستينيات الرئيسي تخليص القصة القصيرة من الترهل والاسترسال، وإعلاء قيمة التكثيف والغموض. عند أواخر السبعينيات انتقل الجيل الستيني إلى كتابة الرواية إلى جوار القصة القصيرة واستمر الوافدون إلى الساحة الأدبية في السبعينيات والثمانينيات في تعميق انجاز الستينيات في القصة القصيرة فظهرت مجموعات قصصية لمحمد مستجاب، إبراهيم عبد المجيد، محمد المنسي قنديل، جار النبي الحلو، محسن يونس، محمود الورداني، ويوسف ابورية، وآخرين ثم تزايد إيقاع إصدار الروايات نسبياً حتى أواخر الثمانينيات، ومع بداية التسعينيات حدث الانفجار الروائي الكبير في مصر، وأصبح من المعتاد أن يولد الكاتب الشاب إما شاعراً أو كاتب رواية، وقلت المجموعات القصصية بحدة خلال حقبة التسعينيات، وراجت مقولات حول موت هذا الفن الجميل، اليوم عاد أعداد من الروائيين الذين ظهروا في التسعينيات إلى ممارسة القصة القصيرة منهم حمدي ابوجليل، طارق إمام، إيهاب عبد الحميد وغيــرهم على الرغم من وجود كتاب بــدأوا في التســعينيات بكتابة القصة القصيرة مثل منصــورة عــزالدين، التي انتقلت إلى الرواية، وكتاب اقتصر إنتاجهم الســردي حتى الان على القصة القصيرة مثل محمد خيــر، ومحــمد عبــد النبي، وشريف عبد المجيد. تظل الغلبة من حــيث الكم للإنتاج الروائي، وعلى ما يبدو انه النوع المفضل للناشرين والجــوائز الكــبرى ولجمــهور القراء. وفي ظني أن القصة القصيرة إذا ما أرادت البــقاء، عليــها أن تطــور مجمــوعة من الخصائص النوعية التي يمكن أن تنفرد بها دون باقي الأنواع، وان تجلب لساحتها كتاباً مجــيــدين قادرين على وضع توقيع شديد الخصوصــية والفرادة في رحاب هذا الفن، وأنوه بالتجــربة الفريــدة لزكريا تامر الذي أخلص لهذا الفن وحــده دون غيره حتى اليوم.