فصول مختارة من رواية عزازيل



عزازيل

إهداء
مقدمة المترجم
الرق الثالث
الرق التاسع
الرق الثلاثون




إهـداءٌ خاصٌ جداً :

إلى آية ..
تلك يا ابنتى ، آيتى ، التى لم تُجعل للعالمين !




لِكُلِّ امرئٍ شَيْطَانُهُ ، حَتَّى أَنَا ، غَيْرَ أَنَّ الله أَعَانَنى عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ ..

(حديثٌ شريف ، رواه الإمام البخارى بلفظٍ قريب)

مُقدمة المترجمِ

يضمُّ هذا الكتابُ الذى أَوْصيتُ أن يُنشر بعد وفاتى، ترجمةً أمينةً قَدْرَ المستطاع لمجموعة اللفائف (الرقوق) التى اكتُشفتْ قبل عشر سنوات بالخرائب الأثرية الحافلة ، الواقعة إلى جهة الشمال الغربى من مدينة حلب السورية، وهى الخرائب الممتدة لثلاثة كيلومترات ، على مقربةٍ من حوافِّ الطريق القديم الواصل بين مدينتىْ حلب و أنطاكية العتيقتين اللتين بدأتا تاريخهما قبل التاريخ المعروف. وهو الطريق المرصوف، الذى يُعتقد أنه المرحلة الأخيرة من طريق الحرير الشهير، الذى كان فى الأزمنة السحيقة يبدأ من أقاصى آسيا، وينتهى مُنهَكاً عند ساحل البحر المتوسط. وقد وصلتنا هذه الرقوق بما عليها من كتابات سُريانية قديمة (آرامية) فى حالةٍ جيدةٍ، نادراً ما نجد مثيلاً لها، مع أنها كُتبت فى النصف الأول من القرن الخامس الميلادى، وتحديداً : قبل خمسٍ وخمسين وخمسمائة وألف ، من سنين هذا الزمان .

وكان المأسوفُ عليه ، الأبُ الجليلُ وليم كازارى الذى أشرف بنفسه على التنقيبات الأثرية هناك، وهناك لقى مصيره المفجع المفاجئ (منتصف شهر مايو سنة 1997 الميلادية) يرجِّح أن السِّرَّ فى سلامة هذه اللفائف، هو جودة الجلود (الرقوق) التى كُتبت عليها الكلماتُ، بحبرٍ فاحمٍ من أجود الأحبار التى استُعملت فى ذاك الزمان البعيد . علاوةً على حِفْظها فى ذلك الصندوق الخشبى، محكم الإغلاق، الذى أودع فيه الراهبُ المصرىُّ الأصل هيبا مادوَّنه من سيرةٍ عجيبة وتأريخٍ غير مقصود لوقائع حياته القَلِقة ، وتقلُّبات زمانه المضطرب .

وكان الأبُ كازارى يظن أن الصندوق الخشبى المحلَّى بالزخارف النحاسية الدقيقة، لم يُفتح قطُّ طيلة القرون الماضية . وهو ما يدلُّ على أنه، عفا الله عنه، لم يتفحَّص محتويات الصندوق بشكل جيد. أو لعله خشى أن يفرد اللفائف قبل معالجتها كيميائياً ، فتتقصَّف بين يديه . ومن ثَمَّ ، فهو لم يلحظ الحواشى والتعليقات المكتوبة على أطراف الرقوق، باللغة العربية بقلمٍ نسخىٍّ دقيق ، فى حدود القرن الخامس الهجرى تقديراً. كتبها فيما يبدو لى، راهبٌ عربى من أتباع الكنيسة الكلدانية (الأشورية) التى اتخذت النسطورية مذهباً لها، ولا يزال أتباعها يُعرفون إلى اليوم بالنساطرة! ولم يشأ هذا الراهب المجهول أن يصرِّح باسمه. وقد أوردتُ فى هوامش ترجمتى، بعضاً من حواشيه وتعليقاته الخطيرة، ولم أورد بعضها الآخر لخطورته البالغة .. وكان آخر ما كتبه هذا الراهب المجهول، على ظهر الرَّقِّ الأخير : سوف أُعيد دفن هذا الكنـز ، فإن أوان ظهوره لم يأت بَعْدُ !

وقد أمضيتُ سبع سنين فى نقل هذا النصِّ من اللغة السريانية إلى العربية. غير أننى ندمتُ على قيامى بترجمة رواية الراهب هيبا هذه، وأشفقتُ من نشرها فى حياتى. خاصةً وقد حَطَّ بى عمرى فى أرض الوهن، وآل زمانى إلى خَطِّ الزوال .. والرواية فى جملتها تقع فى ثلاثين رَقَّاً، مكتوبة على الوجهين بقلمٍ سريانىٍّ سميك، بحسب التقليد القديم للكتابة السريانية الذى يسميه المتخصصون الخط الأسطرنجيلـى ؛ لأن الأناجيل القديمة كانت تُكتب به . وقد اجتهدتُ فى التعرُّف إلى أية معلومات عن المؤلِّف الأصلى، الراهب هيبا المصرى، إضافةً لما رواه هو عن نفسه فى روايته ، فلم أجد له أىَّ خبرٍ فى المصادر التاريخية القديمة. ومن ثم ، فقد خَلَت المراجع الحديثة من أىِّ ذكرٍ له . فكأنه لم يوجد أصلاً، أو هو موجودٌ فقط فى هذه (السيرة) التى بين أيدينا. مع أننى تأكَّدتُ بعد بحوثٍ مطوَّلة من صحةِ كُلِّ الشخصيات الكنسية، ودِقَّةِ كل الوقائع التاريخية التى أوردها فى مخطوطته البديعة هذه، التى كتبها بخطِّه الأنيق المنمَّق من دون إسرافٍ فى زخرفة الكلمات ، وهو ما تُغرى به الكتابة السريانية القديمة (الأسطرنجيلية) الزخرفية بطبعها.

وقد مكَّننى وضوحُ الخطِّ فى معظم المواضع من قراءة النص بيسر، وبالتالى ترجمته إلى العربية دون قلقٍ من قلق الأصل واضطرابه، مثلما هو الحال فى معظم الكتابات التى وصلتنا من هذه الفترة المبكرة .. ولا يفوتنى هنا أن أشكرَ العلاَّمة الجليل، كبير الرهبان بدير السريان بقبرص، لما أبداه من ملاحظاتٍ مهمة على ترجمتى، وتصويبات لبعض التعبيرات الكنسية القديمة التى لم تكن لى أُلفة بها .

ولستُ واثقاً من أن ترجمتى هذه إلى العربية، قد نجحتْ فى مماثلة لغة النص السريانى بهاءً ورونقاً . فبالإضافة إلى أن السريانية كانت تمتاز منذ هذا الوقت المبكر بوفرة آدابها وتطور أساليب الكتابة بها، فإن لغة الراهب هيبا وتعبيراته، تعدُّ آيةً من آياتِ البيان والبلاغة . ولطالما أمضيتُ الليالى الطوال فى تأمُّل تعبيراته الرهيفة ، البليغة، والصور الإبداعية التى تتوالى فى عباراته، مـؤكِّدةً شاعريته وحساسيته اللغوية، وإحاطته بأسرار اللغة السريانية التى كتب بها .

وقد جعلتُ فصول هذه (الرواية) على عدد الرقوق التى هى متفاوتةُ الحجم؛ بطبيعة الحال . وقد أعطيتُ للرقوق عناوين من عندى، تسهيلاً لقارئ هذه الترجمة التى يُنشر فيها هذا النص النادر لأول مرة. وتسهيلاً للقارئ أيضاً، استعملتُ فى ترجمتى الأسماء المعاصرة للمدن التى ذكرها الراهب هيبا فى روايته . فإذا ذكر مدينة بانوبوليس الواقعة بقلب صعيد مصر، ترجمتها عن اسمها اليونانى هذا ، إلى الاسم المعروفة به اليوم: أخميـم. وبلدة جرمانيقي الشامية، جعلتها باسمها المعاصر: مرعش! وصحراء الأسقيط جعلتها باسمها المشهور اليوم: وادى النطرون.. وهكذا فى بقية المدن والمواضع التى وردت فى النص الأصلى، اللهم إلا تلك المواضع التى صار لاسمها القديم دلالةٌ قد يضيِّعها اسمها المعاصر، مثل نيقية الواقعة اليوم فى حدود تركيا ؛ فمع أنها صارت تعرف باسم أزنيق، إلا أننى فضَّلت أن أذكرها باسمها القديم، لما له من أهمية خاصة فى تاريخ المجامع الكنسية؛ إذ انعقد فى هذه المدينة سنة 325 ميلادية، المجمع العالمى (المسكونى) لرؤساء الكنائس، الذى تمَّ فيه الحكم على القَسّ المصرى آريوس بالحرم والطرد والنفى، باعتباره مُهَرْطِقاً وكافراً بالأُرثوذكسية (الإيمان القويم) .. أما ما لم يشتهر من المواضع الواردة فى الرواية، فقد أوردت اسميه القديم والجديد معاً ، منعاً للالتباس.

وقد وضعتُ بعد الشهور والسنوات القبطية التى ذكرها المؤلِّف؛ ما يقابلها من الشهور والسنوات الميلادية المعروفة اليوم. وأوردتُ، فى مراتٍ قليلة، بعض الملاحظات والإشارات الضرورية الموجزة، وبعض التعليقات (العربية) التى وجدتها فى الحواشى . ثم ألحقتُ بالرواية بعض الصور المرتبطة بأحداثها .


المترجـم

الإسكندرية فى 4 إبريل 2004


الرَّقُّ الثالثُ

عَاصِمَةُ المِلْحِ والقَسْوَةِ

أتذكَّر جيداً أننى فى شبابى الذى وَلَّى ولن يعود، خرجتُ من أخميم قاصداً الإسكندرية تحدونى الآمالُ الكبار. كان الأوان ظُهراً، منتصف النهار تماماً، فقد كانوا فى الكنيسة يستعدون لصلاة الساعة السادسة، التى تؤدى عند تمام الظهر . اتجهتُ من غير ظِلٍّ إلى ضفة النيل الشرقية ، حيث الموضع الذى ترسو فيه القوارب النهرية والمراكب الشراعية. المسافةُ كانت قريبة ، غير أن المرسى كان خالياً والشمس محتدَّة.. ساعة العصر، اشتدت شمسُ شهر أبيب (تموز، يوليه) التى لاتعرف الرحمة . كان القدماء فى أزمنة مجدهم، يعتقدون أن الشمس مجلى لسطوة الإله رع الذى هو كبير آلهتهم .. آلهتهم التى اندثرت ، ومات ذِكْرُها وذاكرُوها.

عند المرسى آويتُ إلى ظل شجرة وحيدةٍ، نحيلة مثلى، تتمايل أوراقُ أغصانها على حافة ترعةٍ هزيلةٍ، تأخذ مياهها من النيل حين يعلو بفيضانه أيام الصيف. أخرجتُ من مخلاتى الأيقونة الصغيرة التى لاتفارقنى. هى صورة مريم العذراء، الطاهرة. رُحتُ أُريح عينىَّ على صفحة وجهها الهادئة ملامحه . أما كان للرب أن يهبنى أُماً نقيةً، كالعذراء؟ .. كدتُ أذهب فى سكرةِ نوم ، لولا أن انتبهتُ لمجيئ شابٍ فى حدود العشرين، يتبعه قردٌ. كلاهما جاء يتقافز فى مشيته، وكأن روحاً واحدة توزَّعت بينهما. نظر الشابُّ نحوى مبتسماً قبل أن يبدأ ماجاء من أجله، أعنى ارتقاء النخلة العالية القريبة التى كانت تنوء ببلحٍ جفَّ فى موضعه، ولم يجمعه أحدٌ خلال شهور الشتاء، فتساقط بعضه، وبقى البعض فى موضعه .

- هذا البلحُ ملئٌ بالسُّكَّرِ والرائحةِ الطيبة .

حدَّثنى الشاب بذلك ، وكأنه يعرفنى جيداً . أو لعله أراد أن يعرِّفنى بما جاء من أجله، كأنه يستأذننى فى الصعود للنخلة التى لا أملكها .. أم تراه كان يطلب البركة منى، لحسن ظنه بى أو برداء الرهبان الذى أرتديه. أشار عالياً نحو رأس النخلة، بطول ذراعه ، فسبقه القردُ. كلاهما صعد النخلة بلا مجهود كبير، وكأنه يمشى على الأرض. القردُ وصل أولاً، وراح يتقافز فرحاً بين السعف والعراجين اليابسة. راقب الفتى قرده لوهلةٍ، بحذر، حتى إذا ما اطمأن إلى خلو رأس النخلة من الأفاعى والعقارب، تابع ارتقاءه إلى قلب النخلة العالى، وراح يهز أذرعتها المتهدِّلة. بعد دقائق من المطر البلحى، نزلا بأسرع مما صعدا. التقط الشابُّ من البلح الذى لم يفسده الدود، حفناتٍ فى حِجر جلبابه حائلِ اللون، وجاء فألقاها فى حجرى من دون أن يقول شيئاً. كانت ابتسامة الفتى غريبة! لم يصبر حتى يسمع منى كلمة شكر، أو دعاءً بالبركة. أعطانى البلح، وأخذ قرده فوق كتفه، وغاب عنى متوغِّلاً بين الزروع .. ظننت يومها أن الله أرسل هذا الشاب، كبشارة ؟ أو أنه كان واحداً من ملائكة السماء الذين يملأون الأرض ، ويسعون بين الناس من غير أن يعرفهم أحد .. ولم أسأل نفسى: كيف يصحبُ الملاكُ قرداً !

بعد العصر، رسا قاربٌ كان فى طريقه إلى بلدة كبيرة اسمها ليكوبوليس (أسيوط) تمتد بيوتها على خَدِّ النيل . هى على مسيرة يومين إلى جهة الشمال من أخميم . كان أهلُ القارب فى عجلةٍ من أمرهم، وقد بادرونى بالسؤال إن كنتُ أودُّ الركوب معهم، فرأيتها إشارةً من الله تدعونى لزيارة الموضع المقدس بأسيوط، أعنى ذلك المزار الذى فى حضن الجبل المسمى قُسقام حيث أقامت السيدةُ العذراء بطفلها يسوع المسيح، أيام جاءت به إلى مصر هاربة من بطش الرومان. أصحاب القارب أبحروا سريعاً، وكان أمرُ الريح مواتياً، وشراع المركب ، فوصلتُ أسيوط ظهيرة اليوم التالى .

المدينة كبيرةٌ جداً. أهلها مسيحيون فى معظمهم، وبعضهم وثنيون. لكنهم على الجملة ناسٌ طيبون، ومساكنهم رحبةٌ ومتجاورة. يومها ظننتها أكبر مدن الدنيا ! لم أكن قد دخلت الإسكندرية، ولا أورشليم، ولا أنطاكية .. من أسيوط اتجهت غرباً ، إلى حيث الجبل الموحش الذى احتضن، يوماً ما ، العائلة المقدسة. لم أجد هناك الكثير، لكنى لم أندم على زيارة المكان .

ارتقيتُ إلى حضن الجبل ، فوجدتُ كنيسة فقيرة، حولها بعض المبانى المتهالكة التى شككتُ فى أنها تعود لزمن السيدة العذراء. بعض الرهبان المتوحِّدين كانوا يعيشون فى ذاك الموضع القفر الذى لم أشعر فيه بروحانيةٍ، حسبما كنتُ قبلها أودُّ وأتوقَّع . شعرتُ هناك بالوحشة. بعدما قضيتُ يومين هناك، عدتُ إلى أسيوط مع جماعة من زوَّار المكان، كانوا فى حدود العشرة. فى منتصف طريق عودتنا، اقترب منى رجلٌ متأنقٌ فى ملبسه، عليه رغم حَرِّ النهار عباءةٌ سوداء من الصوف الرقيق الناعم، حوافُّها محلاةٌ بخيوط من الحرير الأسود اللامع . استغربتُ هيئته ونظرته الماكرة، كان لايعلِّق فى عنقه الطويل صليباً. لما التقت أعيننا ابتسم، فازدادتْ هيئتُه مكراً، ولمعتْ عيناه ذكاءً . أخذنى وَجَلٌ منه، فأبطأت خطاى .. أبطأ خطوه حتى اقترب منى ، وتهيَّأ للكلام . نظرتُ نحوه رغماً عنى، كان وجهه مليئاً ببقع البهاق البيضاء ، التى زادتها سمرته وضوحاً. باليونانية التى قلما يستعملها الناسُ فى تلك البلاد، قال لى من غير تمهيدٍ، ما معناه: كيف جاءت العذراءُ إلى هنا هاربةً بوليدها، بعد سنوات من وفاة الحاكم الذى تزعمون أنه كان يقتل أطفال اليهود ؟ ولماذا عادت به إلى البلاد القاحلة الصفراء ، بعدما جاءت إلى وادى مصر الأخضر ؟.. قال ذلك بهدوءٍ ماكر، ثم انحرف عن طريق الجماعة العائدة إلى أسيوط، فاتخذ سبيلاً إلى جهة الشمال الشرقى ، وتوغل بين الحقول وأجمَّة الغاب المتناثرة، حتى غاب عن ناظرىَّ .. لماذا أحكى كل هذه التفاصيل !

بعدما قضيتُ بضعة أسابيع بين أديرتها وكنائسها ، حائراً ، خرجتُ من أسيوط إلى الإسكندرية فى مركب نهرى يملكه تجارٌ فقراء أصلهم من عين شمس (هليوبوليس) .. كانوا قوماً طيبين، لولا أنهم لايكفُّون عن احتساء الخمر القوى، ولا يهدأون عند سُكرهم عن الغناء الهزلى الصاخب. كنتُ يوم ركبتُ قاربهم، أرتدى زِىِّ الرهبان المصريين، الذى صار اليوم ملزماً لكل الرهبان. توقيراً لردائى رَفَضَ أهلُ القارب، بعد أن وافقوا على سفرى معهم، أن يأخذوا منى أجراً .. قال أحدهم، وكان بالطبع مسيحياً : يكفينايا يا أبانا أن تحلَّ بقاربنا بركاتك ! كانت المرة الأولى التى يدعونى فيها أحدهم بالأب .

خلال أيام الرحلة، كان أغلبُ أكلهم الجبنَ والبصلَ والسمكَ المملَّح الذى لم آكله أبداً، عملاً بنصيحة عَمِّى الذى ربَّانى بعد مصرع والدى . نذرتُ خلال الرحلة النهرية صوماً ، فلم أتناول طيلة أيام الرحلة الثمانية، إلا البلح الجاف والماء ورحيق صلواتى .. يوم وصلنا إلى أقصى نقطة كانوا يقصدونها فى شمال النيل، سألنى صاحب المركب عن وجهتى التالية، فلما أخبرته نصحنى: لا تدخل الإسكندرية فى زِىِّ الرهبان، فأنت لاتعرف فى هذا البلد الهائج، مَنْ سيلقاك أولاً ! وأهدانى ثوباً من أثوابه.

أدركتُ فى لحظة إشراقٍ أنه ينطق بالحقِّ، وأن الآب الذى فى السماء، أراد أن يوصل لى رسالةً على لسان هذا الرجل. بقلبٍ مُفعمٍ بالمحبة والامتنان دعوتُ لهم بالخير والبركة، ثم أخذت سبيلى نحو الشمال الغربى، بين حقول خضراء تمتد إلى نهاية النظر.. هالنى انبساط الأرض، واتساع الرؤية . لاجبال فى دلتا النيل لتوقف نظرة المتلفِّتِ، وإنما أرضٌ منبسطة، وزروعٌ كثيرة متصلة، وأناسٌ طيبون تخرج نساؤهم معهم إلى الحقول. بالقرب من بلدةٍ اسمها تيمن حور (دمنهور) وجدت جماعة من الفلاحين يقصدون الإسكندرية على حميرهم، فصحبتهم وقد ارتديت ثوباً مما نلبسه فى جنوب الوادى، حيث الملابس أكثر اتساعاً عند الأكمام وعند فتحة الصدر. وطويت بعنايةٍ، زِىَّ الرهبان وغطاء الرأس الذى يميزِّنا. ووضعتهما أسفل مخلاتى، تحت الكتب، وبينهما الصليبُ الخشبى العتيق .

الجماعةُ القاصدة إلى الإسكندرية، كانوا عشرة رجال وسبعة بغال وثلاثة خراف وامرأتين، إحداهما عجوزٌ. وكان دليلهم متفاصحاً لا يكفُّ عن الكلام الغامز، وكانت إشاراته لاتخلو من فُحش الوثنيين. سألنى همساً عن سبب ذهابى للإسكندرية، وضحك لما قلت له ذاهبٌ لطلب العلم :

- فى الإسكندرية ماهو أحلى من العلم !

لم أكن قد استفسرتُ منه، لكنه تطوَّع بالشرح .. همس وقد اقترب من أذنى ، حتى شممتُ من فِيه رائحةَ البصل الكريهة :

- الإسكندريةُ مدينةُ العاهرات والذهب! هل تنوى الإقامة هناك أيها الجنوبىُّ ؟
- حسبما يشاء الرَّبُّ .
- أىُّ رَبٍّ فيهم يا ابن العم ؟ فى الإسكندرية أربابٌ كثيرة! المهم أن يكون لك قريبٌ هناك ، وإلا ستعانى الكثير .
- حسبما يشاء الرب الذى مجده فى السماوات .
- آه ، أنت مسيحىٌّ. أنت إذن تملك نصف المدينة ، هنيئاً لكم يا أبناء الإله المعذَّب، المصلوب، هأ هأ ها .. لكم نصف العالم، ولاشئ لى أنا الفلاح الفصيح، بعدما شاخت آلهتى القديمة .. دنيا عجيبة !
اشتدَّتْ حرارةُ الظهيرة. سرنا ساعاتٍ متطاولة، لم يكف خلالها الدليلُ المتفاصح، السمج، عن الكلام .. سألتُ رجلاً فى وجهه طيبةٌ، فقال لى بالقبطية البحيرية ما معناه: لم يبق على وصولنا للإسكندرية إلا مسيرة ساعتين. كلما اقتربنا كان اللونُ الأخضر يتناقص، وتتباعد الحقولُ عن اتصالها مفسحةً ما بينها للحجارة والرمال. كان ازديادُ اللون الأصفر من حولنا، مزعجاً لى .. الأصفر لونُ الموت، ولونُ الجدب، ولون معابد الآلهة المندثرة. لم أكن قبلها قد رأيتُ انبساط هذه الصفرة الكالحة على الأرض، إلى آخر امتداد الأفق. هاج انزعاجى مع زعيق الدليل، الفلاح الفصيح ، وهو يصيح فينا مستعجلاً الوصول :

- إذا بلغنا الأبواب بعد الغروب ، فلا تلوموا إلا أنفسكم !

حاولت تهدئته بلطفٍ من دون جدوى، أفهمته أن العجوز التى معهم مريضةٌ، ويشقُّ عليها شقَّ الطريق بأسرع مما نفعل ، فلم يقتنع . كانت الأرضُ المزروعة قد تبدَّدت من حولنا تماماً ، وتسيَّد اللونُ الأصفر .. لونُ الخريف والخطية. لما مالت الشمسُ نحو مغيبها، بدت لنا من بعيد كتلةٌ خضراء ، ظننتها أولاً مدينة الإسكندرية، وبُحتُ بظَنِّى. الدليلُ المتفاصح سخر منى، وهو يصيح فىَّ متهكِّماً: الإسكندرية خضراء .. هه، لايستطيع لونٌ واحد أن يغلب على مدينة الألوان كلها.

عرفتُ بعد ساعةِ سيرٍ ، أن الكتلة الخضراء هى مستنقعاتٌ وأحراشٌ تحفُّ المدينة من جهة الجنوب، حيث البحيراتُ الضحلة اللصيقة بها والترعةُ الآتية إليها من فرع النيل الكانوبى. وعرفتُ أن علينا الدوران لمسافة طويلة ، لندخل المدينة من الناحية الغربية ، من بوابةٍ لها يسمونها باب القمر! وهكذا عاد اللونُ الأصفر ليطغى على الأرض ثانيةً، بعدما اكتسى مع مغيب الشمس حمرةً خفيفةً .. بعد ساعةِ سيرٍ، بدت لنا الإسكندرية من بعيد كالحلم . قال لنا الفلاح الفصيح باستخفاف ، وهو يلكز بطن حماره بكعبيه، وينطلق : سألحق الأبواب قبل الغروب ، فإنى أبيتُ داخل المدينة !

كان كاهن الكنيسة الكبيرة فى أخميم قد حكى لى أن الإسكندرية من يوم إنشائها ولزمنٍ طويلٍ تالٍ، لم تكن تسمح بمبيت أمثالنا نحن المصريين داخلها . ثم تغيَّر الأمر مع مرور الأيام، فصارت المدينة بعد انتشار ديانتنا مفتوحةً للجميع. مازلت أذكرُ هيئة الكاهن وهَزَّة رأسه وهو يضيف يومها، بالقبطية الصعيدية، ما معناه : سيأتى اليوم الذى لن نسمح فيه للوثنيين، ولا لليهود، بالمبيت. لا فى الإسكندرية، ولا فى المدن الكبيرة كلها .. غداً سوف يسكنون جميعاً خارج كل الأسوار، وتكون المدن كلها لشعب الرب !

وكنتُ أعرف أيضاً، أن خارج أسوار الإسكندرية مساكين يسكنون بيوتاً فقيرة منذ عشرات السنين. لكننى لما وصلتُ هناك، أدهشتنى كثرةُ الخيام التى تحتضنُ أحفادَ المطرودين كل ليلة، ووفرةُ البيوت الحقيرة التى بناها الفلاحون المصريون غربىَّ سور المدينة.. لما وصلنا عندهم تفرَّقت الجماعةُ من حولى، من دون أن يقول أحدٌ لأحدٍ شيئاً. ووجدتُ نفسى تائهاً بين مئات المساكين من خراف الرب، المصطخبين حول قُدورٍ تغلى طعام العشاء. بين مَقَارهم الفقيرة، أطفالٌ تتصايح لرؤية الآباء المكدودين العائدين من يوم عملٍ شاق؛ وبين الجموع يجوس حراسٌ متأفِّفون، ورهبانٌ تتدلى لحاهمُ الشعثة على نحوٍ لافت، ولايبتسمون لأحد .

صاحبُ الخيمة الكبيرة القائمة على أعمدة من طوبٍ ردئ، زعق فىَّ طالباً أجرة المبيت، فأسرعتُ بدفع المطلوب. المبيتُ عند سور الإسكندرية مكلِّفٌ للغرباء ! فى بلادنا لا أحدَ يأخذُ أجراً، إذا استضاف أحداً. لو أننى بقيتُ فى زىَّ الرهبان، كنتُ سأبيتُ فى الكنيسة النظيفة التى مررتُ بها قبلها بقليل، ووصلنى من داخلها صوتُ خطيبٍ يزعق باليونانية .. ولم أفكِّر بالطبع، ساعتها، فى تبديل ثيابى . كان ذلك سوف يثير الريبة ، وقد يجلب علىَّ المشكلات . قلتُ فى نفسى: لابأس، سأدخل المدينة فى صورتى الأصلية، إنسانٌ تعيسٌ من جنوب الوادى، كان أبوه يصطاد أسماك النيل، ويتجنَّب التماسيح وأفراس النهر . أنا من هؤلاء الذين يملأون المكان من حولى . ولن يحمينى إلا أن أندسَّ بين خراف الرَّبِّ و ألوذ بهم.

انزويتُ بطرف الخيمة الرحيبة، منهكاً. تحسَّست فى جوف مخلاتى، الرسالة التى بعثها معى القَسّ الأخميمى، الذى رسمنى راهباً، إلى صديقه القَسّ يؤانَّس الليـبى المقيم بالكنيسة الكبيرة المسماة كنيسة القمحة، يقال لها أيضاً: المرقسية، تيمناً بمرقس الرسول صاحب الإنجيل، الذى بشَّر بالمدينة وقتله حُكَّامها .. لما لمستُ رسالة التوصية بأطراف أصابعى، اطمأنتْ نفسى قليلاً .

نويتُ أن أقضى أياماً متجوِّلاً فى المدينة قبل ذهابى للكنيسة، لأرى أولاً كل ما أودُّ أن أراه. ثم أسلِّمهم نفسى، أرى ما يودُّون هم أن أرى. ظننتُ أننى سوف أتعلَّم الكثير فى الإسكندرية، كما أكَّد لى كثيرون، فطمأننى ظنِّى .. تحسَّستُ قلب مخلاتى، حتى أخرجتُ حفنةً من البلح الجاف، ورحتُ أمضغ برفق مستشعراً نعمة الرَّبِّ الذى مَنَّ علينا بإحساس الشبع من بعد جوع .

ابتسم لى رجل كان يجاورنى ، هيئته رَثَّةٌ وفى عينيه طيبةٌ. مددتُ له بعض البلحات فأخذها، ثم دسَّ يده فى مخلاته ليخرج لى قطعةً من الجبن. اعتذرتُ له، ولم أخبره بأننى كنتُ صائماً. سألنى عن موطنى الأصلى، فقلتُ من دون أن أفكِّر: نجع حمادى، فاستبشر وقال:

- أنا أصلاً من أَنْصِنا (سمالوط) ولدتُ هناك، ولكنى أعيشُ هنا منذ سنين طويلة .
تزحَّف الرجل نحوى، وراح يحكى لى عن بلدته الواقعة بقلب الصعيد، شرقىِّ النيل. قال إنه نشأ بقريةٍ قرب جبلٍ هناك يسمونه جبل الطير؛ لأن طيوراً تأتى فى كل عام وتحطُّ عنده فتملأ الأجواء، ثم ترحل فجأة بعدما يضحِّى طيرٌ منها بنفسه! بأن يُدخل رأسه فى كوةٍ بسفح الجبل، فيتلقَّف رأسه من داخلها شئ مجهولٌ، فلا يُفلته حتى يجف جسمه ويسقط ريشُهُ . فتكون تلك إشارةً لبقية الطير، كى يغطسوا فى النيل ويرحلوا فى الليل، ليعودوا العام التالى فى الموعد ذاته، ويعيدوا الكرَّة.

همس لى الرجلُ بأن فى بلدتهم مسوخاً كثيرةً، يقصد التماثيل القديمة، منها تمثالٌ عجيبٌ لرجل يضاجع امرأة ! وعلى رأس الجبل كنيسةٌ يسكنها الرهبان، اسمها كنيسة الكف؛ لأن يسوع المسيح حين مَرَّ هناك أثناء رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، ترك بها أثر كَفِّه على حجرٍ لان له، لتكون معجزةً وعبرةً للآتين من بعده .. أضاف: كما ترك هناك عصاه التى كان يهشُ بها على غنمه ! قلت للرجل الذى ما عدتُ أتذكر اسمه :

- لكن يسوع المسيح لم يأت إلى مصر، إلا رضيعاً .

- ماهذا الكلام يا ابن العم ، يسوع المسيح عاش حياته كلها، ومات، بمصر !

عرفتُ أن الرجل لايعرف شيئاً، أو لعله هو يعرف شيئاً لا أعرفه، أو أن كلينا يتوهَّم ما يعتقد أنه يعرفه. لم تكن لدى رغبةٌ فى مواصلة الكلام معه، فاعتذرتُ إليه برغبتى فى النوم، ثم غطَّيتُ رأسى بقطعة القماش القديمة التى أعطانيها صاحب الخيمة، ونويتُ أن أنام جالساً مثلما هى عادتى فى الليلات الليلاء .. أغلب ليلاتى ليلاء .

رحتُ قبل أن يدهمنى النومُ، أفكِّر فى جبل الطير، وفى الكنيسة التى بأعلى الجبل. كان يجب علىَّ المرور بهذه البلدة فى طريقى، حتى أرى ما بها من عجائب. تفوتنا فى الطريق أشياء كثيرة. بلادُ مصر مليئةٌ بالعجائب وبالمعجزات، لأنها مليئةٌ بالمؤمنين . منعنى عن النوم، ليلتها، توالى المشاهد التى مررتُ بها فى رحلتى، وفى حياتى كلها: الفتى والقرد اللذان صعدا النخلة أمامى كأنهما يطيران إلى البلح .. الكنيسةُ الصغيرة كالغرفة، حيث أمضيتُ ليلةً على ضفاف النيل بأسيوط، بعدما قادنى إليها شماسٌ أصله من بلدة تسمى قوص .. ركوبى النهر فى قارب التُّجَّار الفقراء، وصخبهم الذى لا يهدأ .. عينُ الشَّمَّاس القوصى الدامعة وهو يودِّعنى، بعد ثلاثة أيام قضيتها فى الغرفة الملحقة بالكنيسة الصغيرة التى يخدمها .. نظرُة أمى الفزعة ، حين أخبرتها بعلمى بأنها وشت بأبى لدى أقاربها من جُهَّال أهل الصليب .. جريتُ من أمامها ، ولم تستطع اللحاق بى، ولم أرها بعد ذاك اليوم قط .. بكائى الحارُّ، يوم علمت بزواجها من أحد أقاربها الذين قتلوا أبى .. صورةُ بيتنا الذى هربتُ منه، وهجرته أمى بعد هروبى وزواجها .. يومُ ارتميتُ فى حضن عمى الذى جاء يبحث عنى، فرأيته فى إهاب المخلِّص .. التحاقى بالمدرسة الكبيرة فى نجع حمادى حين كنت فى الحادية عشرة من عمرى .. زوجةُ عمى، نوبية الأصل، ورائحةُ طبخها الشهىِّ لنا قبيل الغروب ..

كاد النوم يأخذنى، لولا أننى انتبهتُ لمَّا دخل الخيمة قَسّ ضخمٌ، أجشُّ الصوت. لم يتمهَّل حتى يصل لمنتصف الخيمة الواسعة، بدأ خطبته الزاعقة فور دخوله علينا : أبارككم يا أبناء الله ، باسم يسوع المسيح الإله الرب المخلِّص ، أمنحكم البركة السماوية . يا خراف الرَّبِّ ، كونوا قريبين من يسوع المسيح ، مثلما هو قريبٌ منكم . الرَّبُّ يحبُّكم، فأحبُّوه. صَلَّوا إليه قبل نومكم وبعد صحوكم ، فتناموا بين يدى رحمته. المحبة روحُ الله، فأحبُّوا إخوانكم وأقاربكم وأولادكم ، وأحبُّوا أعداءكم ..

بالقرب منى، همس فلاحٌ خبيثُ النظرات لمن حوله، بسخريةِ الخراف الضالة: وهل يحب سيدُه كِيرُلُّس، إخوانه اليهود؟ ضحك المحيطون به بتكتُّمٍ، وأضاف أحدهم: طبعاً، كِيرُلُّس يحبهم إلى درجة موتهم وطَرْدهم خارج الأسوار .. لم يلتفت القَسّ أجشُّ الصوت ناحيتهم، لعله لم يسمعهم، أو هو لا يسمع إلا ما يحفظه ويتلوه على الناس كل ليلة. أكملَ خطبته الزاعقة التى انتزعتنى من دفين ذكرياتى، بأن قال ما معناه: يا أبناء الله، بيت الرب مفتوحٌ لكم. فتعالوا للكنيسة صبيحة الأحد، واحصلوا على البركة. أقبلوا حتى يُقبل عليكم ربكم، وتكونوا مع الرُّسُل والقدِّيسين والشهداء .

بعدما أفرغ فينا كل ما كان فى فمه من كلام، خرج القَسّ مزهواً وكأنه ألقى علينا عظة الجبل. تبعه الجندىُّ السمينُ ، الصامت، الذى دخل وراءه .. سَرَتْ فى أهل الخيمة همهماتٌ وضحكاتٌ مكتومة، انهمكوا بعدها فى أحاديثَ تافهةٍ، يمررون بها لقيمات الخبز الخشن والجبن المالح والسمك المملح. امتلأتْ سماءُ الخيمة برائحة البصل . تمددتُ فى موضعى بقرب باب الخيمة، حيث رائحة الزهومة أخف، وأسلمتُ روحى لفيضان الأحلام .

رأيتُ فى تلك الليلة رؤى كثيرة، لم أطمئن إلى واحدةٍ منها. وتقلقلت فى نومى حتى أيقظنى عند الفجر صخبُ النائمين حولى، أقصد شخيرهم العالى. وصخبُ المحيطين بالخيمة .. وبكاءُ طفلٍ رضيع، ونداءُ بائع اللبن الرايب، وصوتُ عصافير. وددتُ لو غفوتُ ثانيةً ، فأمامى يوم طويل مجهول البدء والمنتهى . أمامى عالمٌ هائلٌ، يحتجبُ عنى خلف بوابة المدينة العظمى.. غير أننى لم أستطع العودة للمنام، فاكتفيتُ بإغماض عينى إلى أن تمتلئ الأرض بالنور، وتشرق شمس الله على الأبرار والأشرار، كما هو مكتوب.

خرجتُ من الخيمة باحثاً عن بعض الماء لأمسح وجهى، فلم أجد. كان الناس مشغولين ببداية يومٍ آخر، شاق، من أيامهم .. فى ساعةٍ مبكرةٍ من الصباح، يعرفونها، اتجهوا إلى بوابة المدينة . أدهشنى أن البوابة لم تكن خلال الليل مغلقة ! بل هى لا تغلق أبداً ، ومصراعاها المفتوحان مطمورٌ أسفلهما برمالٍ متحجِّرةٍ وصدأ ملحىٍّ ، بما يدل على أنها لم تغلق منذ سنوات بعيدة .. فلماذا يبيت هؤلاء الناسُ خارج الأسوار ؟

أخذنى نهرُ الفقراء الدافق نحو البوابة. كانوا يسيرون بخطى مثقلة، لم يتدافعوا. مشيتُ معهم تاركاً نفسى لتيار النهر البائس المستسلم لمشيئة الرب. وجوه الداخلين شاحبة ، ملابسهم قديمةٌ ونظيفة، تتخللهم غبطةٌ خفيةٌ لاتشى هيئتهم بها .. تحقَّقت لوهلة خاطفة، بأن هؤلاء جميعاً، مسيحيين ووثنيين، هم أبناءُ الرب .

كان الحراسُ عند البوابة، يحدِّقون فى الداخلين بإمعان. لم يمنعوا أحداً، مع أن وقفتهم المتحفزِّة كانت توحى بأنهم على وشك المنع. سورُ المدينة عالٍ ، لم أر قبله سوراً بمثل ذاك العلو . كان فوقه حراسٌ آخرون، ينظرون إلى ناحيتنا بكسلٍ . بوابةُ السور تكفى لدخول كثيرين دفعةً. فى الباب المفتوح بابٌ أصغر ، يكفى لدخول شخصٍ واحد. يدلُّ صدأُ حوافه على أنه أيضاً، لم يفتح منذ سنوات بعيدة .. لا أتذكر أننى رأيتُ ابتسامةً واحدة ، يوم دخولى من بوابة القمر .

الإسكندرية هائلةٌ. عظيمةُ الاتساع. امتصَّت شوارعها نهر الداخلين بيسرٍ، فكأنهم نملٌ يدلف فى شَقِّ صخرةٍ عظيمة . الطرقُ مبلَّطة بأحجارٍ صغيرة، رمادية، وعلى حوافِّ معظم الشوارع أرصفةٌ. عرفت يومها معنى كلمة رصيف التى كان القَسّ الدمياطى، معلِّمى فى نجع حمادى، يذكرها خلال كلامه. الشوارع نظيفةٌ ، كأنها عروس تغتسل كل ليلة، فتصبحُ مستبشرةً. الكادحون، يغسلونها كل ليلة، ويبيتون خارج أسوارها. لم أر فى ذاك الصباح الباكر، كثيراً من سكان المدينة. فى بلادى الأولى، كانوا يقولون لنا إن الإسكندرانيين ليسوا مثلنا، فهم يحبون السَّهَر بالليل، ولا يقومون من نومهم مبكرين .

لم تدهشنى ضخامة بيوت الإسكندرية وكنائسها، فقد رأيتُ فى مصر من المعابد القديمة ماهو أضخم كثيراً من تلك البنايات. لكن الذى أدهشنى فى أنحاء المدينة، كان الدقةَ والتأنُّق: الطرقات، الجدران، واجهات المنازل، النوافذ ، المداخل المزروعة، الشرفات المحفوفة بالورود ونباتات الزينة .. المدينةُ كلها دقيقةُ الصنع، ومتأنقةٌ . غير أن هذا الجمال المنبث فى كل مكان ،لم يكن يشعرنى بأن الإسكندرية هى مدينة الله العظمى كما يسمونها .. رأيتها أقرب إلى : مدينة الإنسان !

- أيها الجنوبى، هذا طريقُ الإِستاد. فهل أنت قاصدٌ إليه، أم إلى حَىِّ المصريين ؟
- لا يا خال ، أنا ذاهبٌ إلى البحر .
- البحر فى كل مكان ! عُدْ من حيث أتيت، ثم اتجه يساراً واعبرْ الشارع الكانوبى، وواصل السير شمالاً ، واجعل كنيسة بوكاليا على يسارك، وسِرْ حتى تجد البحر .. البحرُ هو الذى سيجدك .
شكرتُ المرشد المتطوع، حارس المنـزل ، واتجهتُ كما وصف. لماذا لم يتركنى أهيمُ كما أشاء وكما شاء لى الربُّ، فأرى ما لستُ أتوقَّع؟ كنيسة بوكاليا التى ذكرها رأيتها بعد ذلك بشهور، يُقال إن رفات مرقس الرسول محفوظةٌ بها. أما يومها، فقد عبرتُ فى طريقى جسراً حجرياً صغيراً، يعلو ترعةً عذبة تجرى من جنوبىِّ المدينة إلى الشمال، حتى تصبَّ فى البحر. لم أتجه مع مسار الترعة، فضَّلتُ المضىَّ شرقاً فى الشارع الكانوبى.. هو شارعهم الكبير الذى يشق المدينة لنصفين، النصف الشمالى يسكنه الأغنياء، والفقراء يسكنون جنوباً. فقراءُ الإسكندرية أغنى من أغنياء الناس فى بلادى الأولى .

لما علت شمسُ النهار إلى كبد السماء، دبَّت الحياةُ فى الشوارع الفرعية. عدد الناس كان أكثر مما ظننتُ. مررتُ بجماعةٍ من رجال الكنيسة يتجهون شمالاً، وحولهم عمالٌ يحملون معاول. كان العمال يردِّدون خلفهم: باسم يسوع الإله الحق ، سنهدم بيوت الأوثان، ونبنى بيتاً جديداً للرب. العبارات الثلاث منظومة الإيقاع فى لفظها اليونانى، ووقعها مختلف عن نصِّها السريانىِّ هذا .. الإسكندرية لاتتكلم السريانية.

أسرعتُ خطاى مبتعداً عنهم، حتى بدت لى الكنيسة الكبيرة جهة اليسار. لم أمض فى طريقهم، وإنما سرتُ شرقاً مع الشارع الكانوبى الكبير، الأنيق، الممتد بطول المدينة من بوابة القمر التى دخلتُ منها، إلى بوابة الشمس الواقعة شرقىِّ المدينة ، ومن خلفها تمتد بيوت اليهود التى مررت عليها يوم خروجى من الإسكندرية، بعد سنواتٍ ثلاث من دخولى إليها وانزوائى بها .

الشارعُ الكانوبى دنيا كاملة . مرصوفٌ كُلُّه ، والبيوت على جانبيه أنيقةٌ، كلها، وفيه تصبُّ شوارع أخرى أصغر منه تنسرب منه جنوباً وشمالاً. كل ما حولى يومها كان بديعاً ، إلا ذلك التمثال البائس الذى يتوسَّط الطريق. عرفتُ بعدها بأسابيع، أنه تمثال لإله كانوا يسمونه سيرابيس، وقد استبقاه أسقف الإسكندرية السابق ثيوفيلوس من معبد السرابيون الكبير، بعدما هدمه على رؤوس الوثنيين المعتصمين فيه. وقد أقام الأسقفُ التمثال البائس فى وسط الطريق، ليفجع الوثنيين بمصير معبودهم، ويخلِّد انتصاره عليهم بإهانة آلهتهم إلى الأبد. جرى هدم المعبد الكبير فى العام الذى وُلدت فيه، أعنى سنة سبع عشرة ومائة للشهداء، الموافقة لسنة إحدى وتسعين وثلاثمائة للميلاد المجيد .. ولثلاثةٍ وعشرين عاماً، ظل التمثالُ خيرَ شاهدٍ على بؤس الوثنية الغابرة ! تأثَّرتُ ساعتها لرؤيته ، كان يعلوه زبل طيور البحر، وتحوطه القمامة من كل النواحى، فيبدو مضحكاً وهو مغروسٌ بقدميه فى بلاطات الشارع، من دون قاعدة تحمله .

لم أحدِّق كثيراً فى التمثال كيلا ألفتَ أنظار المسيحيين، والوثنيين، المارين من حولى. لايجب أن يلتفت إلىَّ أحدٌ، لا من أولئك، ولا من هؤلاء، ولا حتى من اليهود الذين يحظون فى المدينة بكراهية الفريقين! يكرههم الوثنيون لجشعهم، ويمقتهم المسيحيون لوشايتهم بالمخلِّص وتسليمه للرومان ليصلبوه .. ليصلبوه .. أتراه صُلب حقاً ؟

عند ميدانٍ يتوسط الشارع الطويل، أخرجنى من توالى الأفكار وانتظام خطاى ، صوتُ المنادى الزاعق باليونانية من فوق بغلته: الحاكم أوريستيس يدعو العلماء والمتعلِّمين، إلى محاضرة أستاذة كل الأزمان، صباح يوم الأحد بالمسرح الكبير. تعجبتُ لما تأكَّدتُ من أنه يقول: أستاذة كل الأزمان! هل للزمان أستاذة .. امرأة ؟ شككتُ أولاً فى صحة فهمى للعبارة، مع أن صيغتىْ المؤنَّث والمذكر فى اليونانية لا يلتبسان، لوضوح الفرق بينهما. ثم شككتُ فى صحة عقل المنادى، مع أنه بدا لى جاداً. والجديةُ، بحسب ما تعلَّمناه فى أخميم هى نقيضُ الخبل .

دفعتنى شكوكى للخروج من حرصى، فلحقتُ بالمنادى، وسألتُ تابعه الصغير، فنظر الولد فىَّ مندهشاً، ولم يجاوبنى. كان المنادى قد أوقف البغلة بضَمِّ ساقيه إلى صدرها، ومَدَّ يده فى مخلاته ليخرج قنينة طويلة العنق من الفخار الأبيض ارتشف منها جرعة، فكانت لدىَّ الفرصة لأسأله :

- يا خال ، أين ستكون المحاضرة ؟
- مالك أنت بالمحاضرات، يا فلاح ، أم تراك تطمع فى الحلوى التى يوزِّعها الحاكم هناك ؟
- أنا لا آكل الحلوى. أريدُ فقط أن أعرف منك، من هى أستاذة كل الأزمان ؟
- فلاحٌ لا يأكل الحلوى، ويتكلم اليونانية الفصيحة، ولا يعرف هيباتيا .. هذا وحَقِّ سيرابيس ، عجيبٌ !
تركنى المنادى، ومضى مستخِّفاً بى، وراح يصيح بالعبارة نفسها: الحاكم أوريستيس يدعو العلماء والمتعلمين .. غاب عنى فى شارعٍ جانبىٍّ بعدما تركنى مبهوتاً، أفكر فى المرأة التى يمكن أن تكون: أستاذة كل الأزمان !

انتبهتُ بعد تيهٍ ذهنىٍّ إلى مقصدى الذى انحرفتُ عنه قبل ساعة، أعنى الوصول إلى البحر. فأكملت مسيرتى شرقاً فى الشارع الكانوبى حتى لقيتُ شارعاً كبيراً إلى ناحية الشمال. كنتُ قد تجاوزتُ الموضع الذى وصفه لى المرشدُ المتطوع، حارسُ البيت، فأسرعتُ الخطى أملاً فى الوصول إلى مبتغاى، أو إعادة المحاولة. كنتُ كلما سرتُ شمالاً، أحسُّ بالبحر أكثر فأكثر .. شيئاً فشيئاً، صارت أرضيةُ الشوارع الفرعية رملية، وصارت البيوتُ متباعدةً عن بعضها، وأحجارُ جدرانها متآكلةً حائلةَ اللون . عرفتُ بعدها أنه فعلُ هواء البحر، الآتى من مكانٍ قريب .

رائحةُ البحر قويةٌ، وصوتُ أمواجه راح يلامس أُذنى، فيلفُّنى شعورٌ غريب. لما ظهر لى البحرُ من بين البيوت، أسرعتُ خطاى حتى جزت إلى المنطقة الرملية الواسعة، الممتدة خلف البيوت .. بيتٌ منها كبيرٌ كالقصر، كان آخر البيوت ذات الأسوار الأنيقة. عند بابه الكبير كان يجلس حارسٌ متقدِّمٌ فى السن، يرقد عند قدميه خروفٌ نحيل . مررتُ بهما من دون التفات، الحارسُ أيضاً لم ينظر ناحيتى . كان الخروفُ هو الذى نظر.

لما رأيتُ البحر محيطاً باللسان الرملى الممتد فيه، هممتُ الخطو حتى اقتربتُ من منطقة صخرية وسط اللسان، ثم سلكتُ سُبلاً رمليةً ممتدةً بين الصخور.. صخورُ الإسكندرية حادةُ الحواف، شعثةٌ وقاسية. هى لاتشبه البيض الصخرى الذى تدحرج مع النيل من السماء، فاستقر على ضِفَّتيه فى بلادى الأولى . بدا لى البحرُ يومها، كأنه بلا ضفاف! مع أنه كان يظهر لنا صغيراً فى رسوم كتاب الجغرافيا. مشيتُ مبتعداً عن الصخور، حتى انبسطت من تحت قدمى الرمالُ، وأحاطنى البحر من الجهات الثلاث .. على مقربةٍ من الموضع الذى يتلاشى فيه زَبَدُ الأمواج، ألقيتُ عنى مخلاتى التى ثقلت علىَّ من طول ما حملتها . وبحرصٍ بالغٍ تقدَّمتُ، حتى لمس ماءُ البحر أقدامى .. هالنى الامتدادُ .. كاد يُغمى علىَّ من هول اتساع الماء . مددتُ ذراعى كأننى أوشك أن أطير، وملأتُ صدرى بالهواء الآتى من فوق الموجات . أبهجنى مَسُّ البحر لكعبىَّ، ورقَّةُ ارتماءةِ موجاته المنهكة تحت قدمى .

البحرُ .. إنه الماءُ الأعظم الذى بدأ منه الوجود. من وراء هذا البحر بلادٌ، من ورائها بحرٌ أعظم يحيط بالعالم . إذ أتذكَّر الآن هذه اللحظة التى عشتها قبل عشرين سنة، أكاد أشعرُ بالرذاذ يمسُّ وجهى، وبالروعة التى أوقفتنى ساعتها على ساحله شاخصاً كالمسلاَّت العتيقة.

كانت رائحةُ البحر غريبة علىَّ ، والماء مالح . ساعتها تاقت نفسى للعوم فى هذا اليم العميم، مثلما كنتُ أسبح فى النيل أيام الطفولة. كنتُ أعرف من الكتب، أنه لاتوجد فى هذا البحر تماسيح، ولا أفراس نهرٍ، ولايعيش عند ضفافه الورل([1]) .. ولكننى كنتُ متوجِّساً ، مما يمكن أن يخبِّئه لى هذا البحر العظيم من أخطار .

تلفَّتُّ فى كل الجهات ، فلم أر فى المدى أحداً غيرى . ملتُ بكفى إلى البحر وغسلتُ وجهى بمائه المالح ، فخفَّ توجُّسى . تقدمتُ متردِّداً، حتى وصل الماءُ لركبتى . انتابنى شعورٌ آخر ما كنتُ أعرفه .. لا طين ولا لزوجة فى قاع البحر. الرملُ ممتدٌ، ومن فوقه يتتالى الموجُ. كانت الموجاتُ تهزُّنى، وتدغدغ فىَّ حَوَاسّاً منسية . أغمضتُ عينى، مستسلماً لهَزَّات الموج اللطيفة، المثيرة. كادت موجةٌ توقعنى، فضحكتُ بصوتٍ عالٍ لم أسمعه منى قبلها بسنواتٍ، ولا بعدها بسنوات.. عدتُ مسرعاً إلى الشاطئ، فوضعتُ مخلاتى قرب صخرةٍ ناتئةٍ وسط الرمال، وألقيتُ فوقها جلبابى التعيس، واندفعتُ إلى الماء .. يا إلهى ، كان قلبى لحظتها يخفق بالغبطة .

العومُ فى البحر سهلٌ ، الماءُ يحملنى ولا يجذبنى تياره مثلما كان النيلُ يفعل بى أيام الطفولة . ماءُ النيلِ عَذْبٌ وطينىُّ القاع، وهذا البحرُ مالحٌ وكاشفٌ لقاعه الرملى. كنتُ أقف وسط مائه الذى يغطى صدرى ويمسُّ كتفىَّ، ومع ذلك أرى قدمى، وأرى الرمال وقطع الصخور النائمة على القاع. النيلُ إذا نزلناه، ثار طينُ قاعه، وصار ماؤه عكراً، وقد تُخفى العَكَرةَ التماسيح. أما البحر، فلا أخطارَ فيه تهدِّد العائمين، وتبدِّد فرحة رجوعهم المؤقَّت إلى الماء الأصلى الذى بدأ منه العالم .

لما حملتنى صفحةُ الماء بلا جهدٍ كبيرٍ منى، جال بصرى فى السماء وفى الأفق الممتد من حولى .. ناحية الغرب لمحتُ مراكبَ كبيرة ، بعيدة. وإلى جهة الشرق كانت نوارسُ تطير على امتداد الشاطئ. النوارس كانت كثيرةً، وطيرانها مبهجٌ .. أُتراها هى الطيور التى تزور كل عام، الجبل الذى حَدَّثنى عنه الرجل فى الخيمة ؟

غمرتنى السعادةُ فوق صفحة الماء، حتى وقع ماجرى معى، فجعلنى لا أقرب البحر من بعد ذلك أبداً .. فوق صفحة الماء الرقراق، كانت نبضاتُ الدفء الداخلى تزيح عنى برودة قلبى وارتعاشة أطرافى. ولما حملنى البحرُ، شعرتُ بأننى جنينٌ يخرجُ من رَحِمٍ هائل. انتابتنى الأحاسيسُ الغريبة، وأخذتنى لهفةُ اللمس ودغدغةُ الشهوة. أنا الذى لم أعرف قبلها امرأةً فى حياتى، ولم أكن أنوى أن أعرف. غير أننى ساعتها تفكَّرتُ فى تلك اللذة، وجال ببالى أن البحرَ امرأةٌ لعوبٌ تمتِّع الرجال العائمين، من دون خطيةٍ تُحسب عليهم أو يحاسبون عليها.. البحرُ رحمةٌ من الله للمحرومين، لك المجد يا أرحم الراحمين .

تركتُ نفسى للماء الصافى، بأن استلقيتُ على ظهرى فوق صفحته، ومددتُ ذراعىَّ بطولهما. كنتُ أفعل ذلك فى صغرى ، فوق صفحة ماء النيل ، ثم صرتُ أفعله فى صومعتى، حيثما أخلو .. وأصفو! أتمدَّد على الأرض وأبسط ذراعىَّ، وأجول فى سماوات خيالى، غير أن المرة التى فعلت فيها ذلك فى بحر الإسكندرية؛ كانت مختلفة. كان ماء البحر يحملنى بأكثر مما كان النيل يفعل. كنتُ أخفَّ، وكانت الشمسُ يتلألأ نورها بين جسمى الطافى وسطح الموجات، فتنعكسُ الأضواءُ على أعضاء جسمى العارى، وتتقاطع فوق سمرة بشرتى، فتكسوها أَلَقاً نادراً.. كانت المرة الأولى، التى رأيتُ فيها أن جسمى جميلٌ وسُمرتى لطيفةٌ ! البحرُ يظهر مالا يظهره النهرُ من بدائع الصُنع الإلهى فى الكون، وفى أجسامنا .

فوق صفحة الماء تذكَّرتُ، هانئاً، استلقائى على التلة التى يرتاح فوقها البيتُ الذى وُلدتُ فيه، حيث كان الحمامُ يحطُّ من حولى .. ولما مالت الشمسُ عن وسط السماء إلى جهة الغروب ، انتبهتُ لعضَّات الجوع . بدا الشاطئُ بعيداً عنى ، ولمحتُ قرب ثيابى شخصاً يلوِّح لى بطول ذراعيه، فانتابنى قلقٌ مفاجئٌ وغاص فى صدرى توجُّسٌ. رحتُ أضربُ بساقىَّ وذراعىَّ بقوة ، لأعود سريعاً إلى ملابسى . بعد لحظات طوال كالدهر، عرفتُ أننى لا أتقدَّم نحو الشاطئ .. زِدتُ من سرعة ضرباتى فى الماء، غير أنى لم أقترب من مقصدى . أُنهكتُ فجأةً، وكادت ذراعى اليسرى تتصلَّب. تركت جسمى ليطفو، لأستريح برهةً، غير أننى فزعتُ لما أدركتُ أن الماء يجرُّنى إلى قلب البحر العميق . عاودتُ العوم منهكاً، ولكن جَذْبُ الماء كان أقوى من ضربات ذراعى المتلاحقة الفزعة .. وأدركتُ ساعتها أن البحر غادرٌ .

الشخصُ الواقف على الشاطئ كفَّ عن التلويح لى، وغاب عن عينى لما حال بيننا الموجُ.. كنتُ قد أُنهكت تماماً، وكان البحرُ لايرحم. لما تيقَّنت من أننى أغرقُ صحتُ رغماً عنى، ثم كتمت صيحاتى لأستعين بما تبقى من قوتى على الرجوع. صار الألمُ مبرِّحاً بذراعى اليسرى، لكنى واصلتُ التجديف بها . هتفتُ فى باطنى: يايسوعُ المسيح كُنْ معى الآن، وسأنذرُ كل حياتى لك . ازدادتْ ضرباتى لسطح المياه، وعانيتُ طويلاً مما زَجَجْتُ نفسى وتورَّطتُ فيه .. بعد معاناة طويلة فى مغالبة جذب الماء للوراء، وجدتنى أندفع مع ضربات ذراعى إلى ناحية الشاطئ. كان لهاثى متتابعاً، مثل زخَّات بهجتى بالنجاة .. لما وصلتُ إلى النقطة التى بقرب الشاطئ، حيث تنقلب الأمواجُ وتهدرُ، لمستْ قدمى الأرض. وشكرتُ الربَّ بقلبٍ مضطرب .

رحتُ إلى مخلاتى مترنِّحاً ، وحين لم أجد أحداً غيرى على الشاطئ الرملى الممتد، ظننتُ لوهلةٍ أن الذى كان يلوِّح لى منبِّهاً من خطر الغرق،لم يكن من البشر . وإنما هو ملاكٌ أرسله الله من السماء، لينقذنى من التوغُّل فى غواياتى .. قلتُ فى نفسى إن أبانا الذى فى السماوات رحيمٌ بنا، وإن أسراره فى الوجود لا تنتهى، وإننى لن أقرب البحر من بعد ذلك أبداً.

جلجلتْ ضحكةٌ ناعمةٌ من ناحية الصخور القريبة، فنهضتُ من استلقائى على ظهرى . نظرتُ إلى جهة الصوت مذعوراً، فرأيتُ امرأةً بيضاءَ فى ثوبٍ سكندرىٍّ مكشوف الصدر والذراعين .. أقبلت المرأةُ متمايلةً، كأنها نجتْ تواً من الغرق فى بحر الميوعة :

- أنت سبَّاحٌ ماهرٌ ، ومحظوظٌ أيضاً .

- من أنت يا سيدتى ؟

- سيدتى .. هأ هأ ، أنا أوكتافيا خادمة السيد الصقلى ، تاجر الحرير .

نظرتُ إليها بعينٍ زائعة كأننى فى حلم، أو كأننى متُّ غرقاً وبُعثتُ فى زمنٍ آخر. نظرت حولى، فكانت النوارس ماتزال تطير، والبيوت البعيدة فى موضعها مثلما كانت. مسَّتنى نسمةٌ باردة، فانتبهتُ .. ما الذى جاء بهذه الخادمة التى لا تبدو كالخادمات ، إلى هنا ؟ لم أجد عندى إجابة، فسألتها متلعثماً، وردَّت هى بلا تردُّد :

- أرسلنى بوسيدون.. إله البحر الذى أنقذك، فأنا من حورياته .. هأ هأ .

- أرجوك ، لا تعبثى بى .

- لا تعبس أيها الجنوبى .. سوف أخبرك بكل شئ .

قالت إن اسمها أوكتافيا، وإنها تأتى لهذا المكان معظم الأيام التى يكون فيها سيدها مسافراً مع تجارته، فيأخذ معه خدمه كلهم. فلا يبقى معها بالبيت، إلا الحارسُ الجالسُ على بابه.. هى، كما قالت، تفضِّل المجيئ إلى هنا لتحكى همومها إلى البحر، لأنه يحفظ الأسرار! أخبرتنى وهى تنظر ناحية الموج، أن هذا الشاطئ لا يرتاده الناسُ لكثرة صخوره وخطورة دوَّاماته القريبة من الشط .

- آه، عرفتُ الآن ما جرى معى .. ولكن كيف عرفتِ أنت أننى جنوبىٌّ .

- من لهجتك. وأعرف أيضاً أنك الآن جائعٌ ، من طول بقائك فى البحر ! فتعال لتأخذ شيئاً تأكله .

لم أعرف ساعتها كيف أردُّ عليها. كان الجوعُ يقتلنى ، والخجلُ. أخرجتنى هى بلطفٍ من حرجى، حين قالت بحسمٍ ممزوجٍ بميوعةٍ لم أر مثلها : هات مخلاتك ، وتعال .. مشتْ نحو شَقٍّ واسعٍ بين الصخور، وبقيتُ فى موضعى مشدوهاً مُدلَّهاً، أرقب من قريبٍ مشيتها المتدللة. كانت فى سن الأربعين، أو الثلاثين، لم أعرف. جسمها يميل قليلاً إلى البدانة، ويميل كثيراً إلى اللدونة. كانت تتمايل فى مشيها، كأنها خيط بخور . فهل تراها كانت تتعمَّد يومها إغوائى، أم أنها طبيعة النساء فى الإسكندرية ؟

سأكفُّ الآن عن الكتابة ، فالذكرياتُ تحتشد بقلبى، وتُثقلُ رأسى ويدى. سأكتفى بما دوَّنته الليلة، وأعود للكتابة فجراً، إن صحوت من نومى. وقد امتلأ هذا الرَّقُّ على كل حال، فلأبدأْ غداً مع رَقٍّ جديد أستسلم فيه لدَوَّامة أخرى من دوامات الذكرى التى لايتوقَّف دورانها .



(1) الورل : نوع من الزواحف، كأنه سحلية ضخمة، كان يعيش قديماً عند حواف النيل، ويكاد اليوم ينقرض من هناك . (المترجم) .


الرَّقُّ التَّاسِعُ
شَقِيقَةُ يَسُوع



أتذكَّرُ جيداً .. مشيتى المتلصِّصة نحو بوابة المسرح الكبير، وخجلى من ملابسى الرثة وسط المتأنقين. مع أن الرهبنة تعلِّمنا عدم الاكتراث إلى الرثِّ، أو غير الرثِّ من الثياب! أشار لى حُرَّاس البوابة إلى مكان المحاضرة، فدخلتُ مع الداخلين. كانت قاعة كبيرة كائنةً فى الجهة الغربية من المسرح، وليست جزءاً منه، وإنما تحوطهما حديقةٌ واحدة. جمهورُ المحاضرة كبيرٌ، وفيه نساء ! كانت المَّرَة الأولى، والوحيدة، التى أحضر فيها درساً تلقيه امرأةٌ، وتحضره النساء .. كل ما فى الإسكندرية عجيبٌ، ومختلفٌ .

الداخلون إلى القاعة كلهم يتكلمون اليونانية، وكلهم درسوا الفلسفة. ظهر لى ذلك من همهماتهم، ونقاشاتهم خفيضة الصوت، قبل بدء المحاضرة. كان كلامهم مليئاً بأسماء قدماء الفلاسفة، لم يجر على لسانهم أىُّ اسم لواحدٍ من القديسين أو الشهداء. فكأنهم يعيشون فى عالم غير العالم. ظننتُ أولاً أننى سأسمع محاضرةً وثنيةً جداً، ثم عرفتُ أن الرياضيات لا شأن لها بالوثنية ، ولا بالإيمان .

كانت الساعة الشمسية التى بمدخل القاعة، يكاد ظلُّ عمودها يلامس علامة العاشرة صباحاً ، الناسُ جاءوا مبكرين . بقيتُ بينهم ساعةً منطوياً على ذاتى، وكانوا منهمكين فى أحاديثهم الخافتة وضحكاتهم الرقيقة.. ملابسهم نظيفة، ووجوههم تكسوها آثار النعمة الدنيوية الزائلة. جلستُ قريباً من الباب، على طرف الثالثة من الأرائك الخشبية المصفوفة. من غلبة حرجى وغربتى بين الحاضرين، كنتُ متصلِّباً وهَشَّاً كالخشب القديم .

قبيل دخول هيباتيا بلحظات، التفت نحوى رجلٌ بدينٌ كان يجلس على يمينى بالصف الثانى. حيَّانى بابتسامةٍ، فحيَّيته بابتسامةٍ وَجِلة؛ إذ لا رَدَّ على الابتسام ، إلا بالابتسام! كاد الرجل البدين يفاتحنى الكلام، لولا أن الأبواق صاحتْ مخبرةً بمجيئ حاكم المدينة أورستوس الذى توسَّط الصف، وانتشرت حاشيته على جانبيه، فامتلأ الصَّفُّ الأول. دخلت هيباتيا الصالة الفسيحة، فوقف لها الجميع بمن فيهم الرجال! منعنى وقوفهم المفاجئ من رؤيتها تدخل. لما حيَّتهم وجلسوا، رأيتها ترتقى الدرجتين إلى المنصة، وتقف كالحلم أمام الجمهور الذى انتظم جلوسه على الأرائك .. تهيَّأتْ هى للكلام ، فسكن الجميع كأنهم تماثيل طريق الكباش الطويل .

من قبل أن تنطق الأستاذة بشئ ، ظل قلبى يرتجف ويزداد خفقانه، حتى خشيتُ أن يسمع الجالسون حولى دقاته المضطربة .. هيباتيا امرأةٌ وقورٌ وجميلة ، بل هى جميلة جداً. أو لعلها أجمل امرأة فى الكون . كان عُمرها فى حدود الأربعين، وكان أنفها جميلاًً جداً وفمها، وصوتها، وشعرها، وعيناها.. كل ما فيها، كان أبهى من كل ما فيها. ولما تكلمت زاد بهاؤها ألقاً. عرفتُ بعدما رأيتها بشهور، أنها اشتغلت بالعلم من صغرها، على يد أبيها الرياضىِّ الشهير ثيون، وعرفتُ أنها ساعدته، وهى بَعْدُ مراهقة، فى شروحه التى دوَّنها على أعمال كلوديوس بطليموس صاحب كتاب الجغرافيا، والكتاب الكبير فى الفلك([1]) .

هيباتيا .. أكاد إذ أكتب اسمها الآن ، أراها أمامى وقد وقفتْ على منصة الصالة الفسيحة، وكأنها كائنٌ سماوىٌ هبط إلى الأرض من الخيال الإلهى، ليبشِّر الناس بخبرٍ ربانىٍّ رحيم. كانت لهيباتيا تلك الهيئة التى تخيَّلتُها دوماً ليسوع المسيح، جامعةً بين الرقَّة والجلال .. فى عينيها زرقةٌ خفيفة ورُماديةٌ، وفيها شفافية. فى جبهتها اتساعٌ ونورٌ سماوىٌّ، وفى ثوبها الهفهاف ووقفتها، وقارٌ يماثل ما يحفُّ بالآلهة من بهاء. من أى عنصر نورانى خُلقت هذه المرأة ؟ ..كانت تختلف عن بقية الناس ! فإن كان الإله خنوم هو الذى ينحت أجسام الناس، فمن أى صلصال طاهر نحتها، وبأى عطرٍ سماوىٍّ سَبَكها؟ .. يا إلهى ، إننى أُجدِّف .

╬ ╬ ╬

لم يطل صمتُ هيباتيا بعدما اعتلت المنصة، إلا ثوانٍ معدودات، رفعت بعدها عينيها نحو جمهورها الساكن، وراحت تقول ما ترجمته: أيها الأصدقاء، وصلتنى الأيام الماضية من جزيرة رودس، رسائلُ فيها ملاحظاتٌ كثيرة وتقريراتٌ، على ما ذكرته فى محاضراتى التى شرحتُ فيها كتاب الفاضل ديوفنطس فى حساب القيم العددية المجهولة. ونظراً للتخصُّص الشديد لهذا الموضوع ، فسوف أؤجل المناقشة فيه إلى ما بعد هذه المحاضرة، حتى لا أُثقل على غير الرياضيين من حضراتكم، مع أننى أؤمن بأن الفلسفة التى يودُّ معظمكم أن نتحدَّث فيها اليوم، لايمكن أن تستقيم إلا بالرياضيات. وتعلمون ، أخواتى وإخوتى، أن أفلاطون العظيم كتب على باب مدرسته فى أثينا، الأكاديمية، عبارةً تقول : لايدخل علينا إلا من دَرَسَ الهندسة ! .. ومع ذلك ، فسوف أتحدَّث أولاً فى الفلسفة، ثم أتلو محاضرتى بجلسةِ نقاشٍ للمسائل الرياضية الواردة فى كتاب الفاضل ديوفنطس الإسكندرانى ، لمن أراد منكم متابعة الموضوع معى .

كنتُ أتابعها بنظرات لاهثة، وقد نظرتْ هى نحوى أثناء كلامها مرتين ، فروَّعتنى عيناها. كنتُ قد درستُ الفلسفة سنين فى أخميم غير أنى لم أسمع من غيرها، مثل هذا الذى قالته . كانت تشرح لنا بلغةٍ يونانيةٍ راقيةٍ، كيف يمكن للعقل الإنسانى أن يستشفَّ النظام الكامن فى الكون، وأن يصل بالفهم إلى معرفة جواهر الأشياء، وبالتالى يميِّز أعراضها وصفاتها المتغيرة .. كان يجرى على لسانها عباراتٌ من مبادئ الفلسفة، عبارات طالما سمعتها من غيرها ، لكنها نطقتْ بها وكأنها تفتح عقلى وتدسُّها فيه. حتى المشهور من كلام الفيثاغوريين، مثل قولهم: العالم عددٌ ونغمٌ.. شعرتُ من عمق إحساسها بالعبارة، ومن رهافة نطقها بها، أن الكائنات كلها ايقاعاتُ منظومة واحدة.. وعلى هذا النسق، فهمتُ من عباراتها مالم أفهمه قبلها من أهل الفلسفة .

قبل نهاية المحاضرة ، خايلتنى فكرةُ أن أبقى تابعاً لهيباتيا بقية عمرى، أو خادماً يسير وراءها. وفكَّرت فى أننى لو عدتُ إلى أوكتافيا، واعتذرتُ إليها عن خداعى لها طيلة الأيام الثلاثة، فقد تسامحنى. سأتعللُّ لها بأننى خشيتُ أن أفقدها، فآثرتُ الصمت؛ لأننى ارتبكتُ، ولسوف تسامحنى أوكتافيا، وتقبلنى ثانيةً، فأعيش معها، وأنسى الأوهام التى تملؤنى وتسيِّر خُطاى إلى حيث لا أعلم .. سأتعرَّف إلى السيد الصقلى حين يأتى من سفره، وأعرف هيباتيا عن قرب، وأشتغل بالطب حتى أنبغ فيه، وقد أجد علاجاً لمرض العاع.. أخذتنى الأفكارُ، حتى شردت عن بقية المحاضرة. ثم انتبهتُ إلى آخر ما قالته الأستاذة يومها، وما يزال عالقاً بذهنى. قالت: والفهمُ أيها الأحبة، وإن كان فعلاً عقلياً، إلا أنه فعلٌ روحىٌّ أيضاً. فالحقائق التى نصل إليها بالمنطق وبالرياضيات، إن لم نستشعرها بأرواحنا؛ فسوف تظلُّ حقائق باردة، أو نظلُّ نحن قاصرين عن إدراك روعة إدراكنا لها .. وقد مرَّتْ ساعتان وأنا أتحدَّث إليكم، وأعرف أننى أطلتُ جداً، وأرهقتكم ، فتقبَّلوا اعتذارى، واقبَّلوا تقديرى لحضوركم اليوم . ولسوف أعودُ بعد نصف ساعة إلى هذه القاعة، للكلام عن رياضيات ديوفنطس. فمن أراد أن يشرِّفنى بمشاركته، فأهلاً به، شريطةَ أن يكون من المشتغلين بالرياضيات، حتى لايكرهها، ويكرهنى معها .

ابتسم الجمهورُ وقَهْقَه بعضُه، وتهيَّأوا جميعاً للخروج وراءها. وبقيتُ راسخاً فى مكانى كأحجار الأهرام، كالصخور البيضاوية التى على ضفاف النيل فى بلادى الأولى. كانت هيباتيا ستعود بعد نصف ساعة ، فإلى أىِّ مكانٍ آخر كان يمكننى أن أذهب ؟

كادت الصفوف تخلو، إلا من بعض المتعلِّمين الذين بقوا يلملمون أوراقهم، وينتقلون بكتبهم إلى مقاعد الصف الأول. كان الحاكمُ والحاشيةُ والجمهورُ، يتحلَّقون حول هيباتيا عند الطاولة الممتدة خارج الباب، الطاولة المثقلة بألوان الحلوى. تلك إذن، ما كان يقصده المنادى المتبجِّح علىَّ، يوم دخولى الإسكندرية. أنا لا أحب الحلوى، ولم آكلها معهم يومها مع أن الجوع كان يطحن باطنى، حتى يكاد من شدته يُغمى علىَّ، لكننى لحرجى اكتفيتُ بآخر بلحتين كانتا فى مخلاتى، من دون أن أرضى لنفسى بالوقوف بين الآكلين المتأنقين، بملابسى الرثة .. بعد نصف الساعة الطويلة، هدأت أصواتهم الآتية من خلف الباب، وانصرف الحاكمُ وأغلبُ الجمهور، وعادت هيباتيا يحيط بها جماعةٌ صغيرةُ العدد من العلماء والمتعلِّمين مختلفى الأعمار. ارتقت المنصة مثلما فعلت أول مرة، وسكنت الصالة مثلما سكنت أول مرة..لم يكن عددنا يزيد عن عشرين، وكنتُ مازلت فى مكانى بالصف الثالث حين أشارت إلىَّ قائلةً :

- يمكنك أن تأتى للصَّفِّ الأول ، إذا أحببت .
- لا ، أنا يا سيدتى .. أنا مرتاحٌ هنا ، أنا شاكرُ رحمتك .
- شاكرُ رحمتى ! ألفاظك غريبةٌ أيها الأخ الغريب .
- أنا قادمٌ من الجنوب يا سيدتى المبجلة .
- مرحباً بك فى مدينتنا .
لم أفهم معظم ما قالته هيباتيا فى محاضرتها الثانية، كنت شاخصاً إليها فحسب، ونادماً على فرارى فى شبابى من دروس الرياضيات. أثناء كلامها ملأنى الحماسُ، فقررتُ فى نفسى شيئاً لم أفعله قط: سأدرس الرياضيات مع الطب ومع اللاهوت، سوف أطلب مبادئ الهندسة والحساب أولاً ، ثم أتخصَّص فيهما وأبرز .. كنتُ فى تلك الأيام، كورقة شجرٍ جافةٍ تلعب بها الرياح .. وأظننى مازلتُ كذلك !

بعد المحاضرة ، تحلَّق الحاضرون حولها ثانيةً .. لا أعرف كيف واتتنى الجرأةُ، فاقتربتُ من هيباتيا غير متهيِّبٍ منها، ومن دون أن تسألنى، أخبرتها أننى أتيتُ للإسكندرية لدراسة الطب، وإننى أنوى البقاء فى المدينة خمس سنين حتى أنهل من معارفها، ثم أعود لأعالج المرضى فى بلادى الأولى. أضفتُ فى غمرة اندفاعى أننى فى مدة إقامتى فى المدينة، سأحرصُ على حضور كل جلساتها العلمية، حتى الرياضية منها . لم يفارقها الابتسامُ ولا الاهتمامُ بما أقول، فتشجَّعتُ على الإفاضة فى كلامى الذى لاداعى له، إلا بقائى ناظراً إليها .. لما انتهيتُ من كلامى، تكلَّمتْ :

- إذن، سأراك هنا يوم الأحد القادم، أيها الصديق الجنوبى الطيب .
- يا سيدتى .. ألا تلقين دروساً فى الطب ؟

- لا يا صديقى ، للأسف الشديد .

وهى تُجيبنى على سؤالى المفاجئ، ابتسمتْ بما يكفى لتبديد وحشتى وجوعى وغربتى .. أضافتْ وهى تشير إلى أحد الواقفين حولها، وكانوا خمسة رجالٍ فى منتصف العمر وامرأةً نحيلة: زميلى الوسيم هذا، سينيسيوس القورينائى ، كان أيضاً يريد دراسة الطب فى بدايته ، لكنه درس الفلسفة . أضافتْ ، وهى تنظر إليه بطرف عينها : وهو الآن يريد أن يكفر بالفلسفة ، ويؤمن بنقيضها !

ضحك الرجل المسمى سينيسيوس ضحكةً عذبةً، مال معها رأسه قليلاً إلى الخلف، ثم قال لى بمودةٍ صافيةٍ وقد وضع كفَّه اليمنى على كتفى اليسرى: لاتصدِّق الأستاذة يا أخى، فهى خالفت الحقيقة فى كلامها مرتين، الأولى حين وصفتنى بالزميل، وما أنا منها إلا تلميذٌ، وهى مِنى بمنـزلة الأستاذ .. والثانية أننى لو سلكت السبيل الكنسى ، فهذا لايعنى أننى سأكفر بالفلسفة وأؤمن بنقيضها ! ضحكوا جميعاً لكلامه، إلا أنا، وتهيَّأوا للخروج من القاعة .. الرجل المسمى سينيسيوس القورينائى لم أره من بعد ذلك اليوم، لكننى سمعتُ فيما بعد أنه صار واحداً من كبار رجال الكنيسة فى المدن الخمس الغربية المعروفة بليبيا، بل أسقفاً لواحدةٍ منها .. أظنها مدينة طلمثية (برقة) .

خرجوا جميعاً ، وتأخَّرتُ برهةً وقد ثقلتْ ساقاى . لم أكن أعرفُ لى مقصداً، بعد هذا الدرس الذى وددتُ لو كان قد طال إلى الأبد .. قبل أن تتوارى خلف الباب، نظرتْ هيباتيا باسمةً نحوى، وكأنها تثبِّت ملامحى بذاكرتها، إلى أن ترانى فى المرَّةِ المقبلة.. المرةِ التى ليتها لم تُقبل أبداً . رحلت هيباتيا كمثل حُلمٍ رائقٍ، أسْعَدَ فى لحظةٍ قلبَ محزونٍ، ثم انطوى عنه للأبد .

على بوابة المسرح، وقفتُ تائهاً أرقبها وهى تركب عربتها ذات الحصانين. كان ذيل ثوبها المطرزة حوافه، هو آخر ما رأيته منها. وآخر شئ جميل رأيته يومها، والأيام التالية .. لما غابتْ عنى عربتها، عدتُ لتوحُّدى وحيرتى. لم يكن لى مكانٌ لأذهب إليه، فبقيتُ لحظةً حائراً وقد اختلطت فى قلبى الأشياء بالأشياء. متثاقلَ الخطوِ، درتُ حول الحديقة الكبيرة، ولما احتدت الشمس عدتُ لشجرتى التى بِتُّ الليلة الفائتة تحتها. تحتها، وحولها، كان أناسٌ كثيرون يستظلِّون من شمس الظهيرة. وكان من بينهم، مالم أتوقع يومها رؤيته .. جماعةٌ من زملاء الدراسة فى نجع حمادى، كلهم فى اللباس الكنسى !

لحظة رأونى، أحاطوا بى متهلِّلين بقدومى المفاجئ ، مع أنهم كانوا المفاجئين لى ! سألونى عما جاء بى إلى هذا الموضع ، فقلت إننى تائهٌ .. سألونى عن لباسى الكنسى، فقلتُ إنه مقطوعٌ ومتسخٌ، أحفظه فى مخلاتى لأحفظه إلى حين رتقه وغسله، فأحفظ نفسى من تهكُّم الوثنيين .. سألونى عن وِجْهتى، فقلت إن معى رسالة للقسِّ يوأنَّس الليبـى. عرفوه، وساقونى إليه. وهكذا دخلتُ لأول مرة الكنيسة المرقسية الكبيرة بالإسكندرية، كنيسة القمحة، يحيط بى ثمانيةٌ من الرهبان .

حين انتهى يوأنَّس الليبـى من قراءة رسالة التوصية التى كانت بمخلاتى، رفع وجهه نحوى ليسألنى بهدوءٍ، وباقتضابٍ، عن صحة صديقه الموصِى وأحواله . طمأنته عليه. لم أخبره بما أعرفه من أنهما كانا يرفضان أفكار الأسقف السابق ثيوفيلوس وأعماله العنيفة، وأن بينهما رسائل متبادلة فى ذلك. مع أنهما كانا فى شبابهما من تلامذته، وكانا يعتقدان أنه يحارب الوثنية التى حاربت المسيحية طويلاً، ولما وجداه يطيل حربه إلى ما لا نهاية ، نفرا منه واجتنباه .. ولم أخبره بأن صديقه أرسلنى للإسكندرية بعد وفاة الأسقف المذكور، أملاً فى أن الأحوال سوف تهدأ .. لم ألمح إليه بأى شئ من ذلك، ولو من بعيد؛ وإنما ذكرتُ بعضاً مما كان يحكيه لى عنهما أيام كانا راهبين بدير الأنبا أنطونيوس، وأيام كانا فى جوار الأنبا شنودة ، رئيس المتوحِّدين بأخميم؛ فبدتْ على وجهه علامات الارتياح. لما انتهيتُ دعانى لأرتاح من سفرى الطويل، ونادى على خادمه ليصحبنى .

أخذنى الخادم أولاً، إلى قاعة الطعام هائلة الاتساع. أكل معى طعاماً ساخناً، ثم أوصلنى إلى المضيَفة ذات الغرف الكثيرة، بالغة الضيق. وأخبرنى أننى سأنتقل من مقرى المؤقَّت هذا، إلى صومعةٍ ما، بعد أيام.. مَرَّ يومان وأنا سابحٌ فى بحار الكنيسة، البحار التى لا شاطئ لها.. عشرات الكهنة والرهبان، ومئات الزوار والوافدين طيلة النهار للصلاة أو التبرك أو الاعتراف. الكنيسةُ لاتسكن أبداً، هى خليةُ نحلٍ يسبِّح دوماً ملكوت السماء. حتى فى الليل العميق، حيث يضاء القنديل الهائل البديع، المعلق بالكنيسة.. بدا لى أن هذا المكان، هو الكونُ الذى أنتمى إليه حقاً. وحَدَّثتُ نفسى أيامها، مراراً ، بأننى لستُ من أهل هذه الدنيا الفانية .. الربُّ اختارنى لأمرٍ خفىٍّ يعلمه ، فلتكن مشيئة الرب .

استقر بى المقامُ فى غرفةٍ صغيرة داخل الكنيسة، حولها غرفٌ يسكنها كثيرون من أمثالى، خُدَّام الرب. أغلبهم رهبان من المدن الخمس الغربية (ليبيا) وبلاد مصر العليا (الصعيد) وبعضهم كهنةٌ وفدوا فى مهامٍ قصيرة من نواحٍ بعيدة، مثل بلاد الأحباش الذين يتكلمون اللغة الغريبة، لم يأبه لى أحدٌ فى أيامى الأولى، غير راهبٍ زائرٍ أصله من قريةٍ صغيرة بالقرب من دير المحرَّق الذى مررتُ به فى طريقى للإسكندرية. الدير النائى الذى بناه قبل سنوات، الأسقفُ السابقُ ثيوفيلوس، فى جبل قسقام المشرف على ليكوبوليس (أسيوط) .. كان الراهبُ يقيم بالغرفة المجاورة، انتظاراً لرحيله مع الأحباش ليقيم ببلادهم، ولا يعود من هناك أبداً .. ماعدتُ الآن أتذكَّر اسمه، ربما كان بيشوى، لكننى لستُ متأكداً الآن. بيشوى فى اللغة المصرية تعنى العالى، ولكن هذا الراهب كان قصيراً. جذبنى إليه وقارُه، وطيبته، وغربته. كان آنذاك فى حدود الثلاثين من عمره، وكان يتكلم المصرية (القبطية) الصعيدية، مثلى. كنا نتحدث سوياً بين الصلوات والقُدَّاسات، وفى طريقنا لقاعة الطعام، ثم صرنا بعد أيام أخوةً فى حظيرة الرب. لما أخبرته يوم السبت بنيَّتى الخروج غداً للذهاب لمحاضرة هيباتيا صاح فىَّ : يا أخى، هذا لايجوز أبداً .. وأخبرنى فَزِعاً، بأن هذا الفعل لو اقتُرف، فهو مما لايغتفر ! ونصحنى ألا أذكر اسمها مرةً ثانية . أضاف ما معناه: أنها خطيةٌ عظمى، ألن تسمع خطبة الأحد من البابا كِيرُلُّس، الأسقف الأعظم، من أجل الذهاب لرؤية شيطانة ! لن يُغفر لك هذا الذنب إذا اقترفته، أما من ناحيتى، فلا تخش شيئاً. سوف أُعِدُّ ما سمعته منك مزاحاً ثقيلاً، ولن أحدِّث به أحداً أبداً .

أمضيتُ ليلةً ليلاء، تنازعتنى فيها كُلُّ متناقضات الأفكار: هل أنسى أننى رأيتُ الأستاذة، وأحصرُ هَمِّى فيما جئت من أجله، ثم أعود إلى بلادى الأولى سالماً غانماً ؟ أم أهجر الكنيسة للأبد؟ .. هل أخرجُ غداً صباحاً، ولا أعود قط ؟ .. لستُ على كل حال معتقلاً بين هذه الجدران . ما معنى بقائى هنا ؟ لقد بدأ المسيحُ يسوع بشارته العظمى بين الناس، لا وسط الجدران والرهبان والقسوس. كانت حوله حياةٌ حقيقية، فلماذا نموت نحن قبل أن نموت ! .. ولكن، أنا آمنٌ فى الكنيسة، بعدما كنتُ مشرَّداً. ورجالُ الديانة هم أهلى الحقيقيون، ولا عائلة دنيويةً لى، إلا عمى الذى أنهك العَاعُ كبده ، ولا أظنه يبقى حياً إلى حين عودتى. لمن أعود إذا رجعت إلى بلادى الأولى؟ .. وما بلادى الأولى ؟ أهى قرية عمى الذى ينتظر الموت؟ أم قرية أبى التى لن يعرفنى فيها أحد ؟ أم القرية التى استقرت فيها أمى ؟ أمى التى تنام كل ليلة، فى حضن رجلٍ آثمة يداه. إننى أكرهه وأكرهها. الكراهيةُ ستقتلنى، أنا الذى يجب عليه أن يحب أعداءه، ويُحسن لمن أساء إليه، كى يكون مسيحياً حقاً، ومحباً حقاً .. لم أرَ المحبة الحقة، إلا فى امرأةٍ وثنيةٍ لقيتنى صدفةً على شاطئ البحر، وأدخلتنى جَنَّتها ثلاثَ ليالٍ سوياً، وأربعةَ أيام لا تُنسى .. لو عدت إلى أوكتافيا ثانيةً، هل ستقبلنى، أم تصفنى ثانيةً بالوضاعة والحقارة؟ إنها المرة الأولى التى يشتمنى فيها إنسان، وسوف أحرص أن تكون الأخيرة . لن يجرؤ على شتمى أحدٌ ، مادمت راهباً فى الكنيسة العظمى. وربما ارتقيتُ سلم الأكليروس، حتى أصير يوماً أسقفاً لإحدى المدن الكبيرة .. ولكن، ماذا أريدُ من رتبة الأسقفية ؟ هل ستُغنينى عن حلمى بالنبوغ فى الطب، وأملى فى علاج العاع([2]) ؟ هل سأترك الأمنيات الدنيوية تقودنى ، بعدما وعدتُ عمى الميت عن قريب ، أن أهب حياتى ليسوع المخلِّص؟ لن يصحّ مِنِّى هذا، وسأفقد معه معنى وجودى .. ماذا لو عرضتُ على هيباتيا غداً ، أن أعيش فى بيتها لأخدمها، وأتعلَّم منها . ستوافق! وسوف تساعدنى على دراسة الطب فى الموسيون (المعهد العلمى) فأكون طبيباً نابهاً خلال عامين فقط، فقد درست من الطب الكثير فى أخميم، ولاينقصنى من بحره الواسع إلا علم التشريح، وأطباء الموسيون هم الذين يشرِّحون منذ مئات السنين، وعندهم كل أسرار الطب .. كنتُ ليلتها أقول ذلك فى نفسى، ولم أكن قد عرفت بَعْدُ أن الموسيون أُغلق قبلها بسنين !

لم تتوقَّف برأسى ليلتها طاحونةُ الأفكار المتناقضات، بل كادت تطحن مع الأفكار قلبى وتتلف روحى. رحتُ أقول فى نفسى: لو خرجتُ من الكنيسة، وخرجتُ عليها بعدما عرفونى، فسوف يعدُّوننى مارقاً، ويعصفون بى مثلما عصفوا بالذين ارتدوا عن الديانة أيام الإمبراطور جوليان. والمسيحية اليوم، هى الدين الرسمى للإمبراطورية كلها. لن أنجو من وشايات الجماعة الرهيبة المسماة محبى الآلام، وسوف ألقى بسببهم مصير أبى، ويسعدون هم مثلما سعدتْ أمى .. ولكنى أتحرَّق شوقاً لرؤية هيباتيا غداً، ولسوف أناقشها فى المسائل الفلسفية، فيزداد تقديرها لى، وهى على كل حال تقدِّر كل إنسانٍ. إنها مصداقٌ لمعنى اسمها هيباتيا فى اللغة اليونانية: السامية.. هى تكبرنى بعشر سنوات فقط أو خمسة عشر عاماً، وهو فارقٌ ليس بالكبير! فلتتخذنى ابناً لها أو أخاً أصغر، أو يأتى يوم فتحبنى، ويكون الحال بيننا مثلما ذكرت أوكتافيا من أن النساء اللواتى أحببن رجالاً أصغر منهن سناً، جعلن منهم أسعد السعداء .. ولكن، لاسعادة ولا غبطة فى هذا العالم .

أفقتُ من جَوَلان أفكارى على صوت الأجراس تدعو لخطبة الأسقف كِيرُلُّس، فخرجتُ مع الخارجين من صوامعهم، وانحشرتُ مع مئات الداخلين إلى الكنيسة . الساحة الداخلية امتلأت ، فلم تعد هناك أصلاً فرصةٌ للخروج، ولا للحركة من الموضع الذى كنت محشوراً فيه، بين الرهبان والقسوس والشمامسة وقُرَّاء الإنجيل والموعوظين الكبار والصغار، والمصارعين القدامى الذين صاروا مؤمنين، وأفراد جماعة محبى الآلام، وأبناءُ التائبين المنخرطين فى سلك الديانة، وأتباع الأخوة طوال القامة الحائرين، وجماعات من رهبان أديرة وادى النطرون .. كنتُ محاطاً من كل الجهات، بجيش الرب. هتافهم المزلزل الذى يملأ الساحة ويهزُّ الجدران، يُنبئ عن قُرب نبأَّ عظيم وحدثٍ جلل .. لما بلغ الهتاف غايته القصوى، وكادت الحناجرُ تتشرَّخ، أطلَّ علينا الأسـقف كِيرُلُّس مـن مقصورته .

هيئةُ الأسقف المهيبة أثارت استغرابى، وهيَّجت حيرتى . كانت المرة الأولى التى أراه فيها، وقد ظللتُ بعدها أراه صباح كل يوم أحد، لمدة عامين أو ثلاثة من دون استثناء، ورأيته أيضاً يوم اللقاء الخاص الذى سوف أذكره إن جاءت مناسبةٌ للكلام عنه .. لما رأيتُ الأسقف أول مرة، استغربتُ واحترتُ؛ لأنه أطلَّ علينا من مقصورةٍ مُذهَّبة الجدار بالكامل، هى شرفةٌ واحدةٌ، فوقها صليبٌ ضخمٌ من الخشب، معلقٌ عليه تمثال يسوع المصنوع من الجصِّ الملوَّن. من جبهة المسيح المصلوب ويديه وقدميه، تتساقط الدماءُ الملوَّنة بالأحمر القانى .

نظرتُ إلى الثوب الممزَّق فى تمثال يسوع، ثم إلى الرداء الموشَّى للأسقف ! ملابسُ يسوع أسمالٌ باليةٌ ممزقةٌ عن صدره ومعظم أعضائه، وملابسُ الأسقف محلاةٌ بخيوط ذهبية تُغطيه كله، وبالكاد تُظهر وجهه. يَدُ يسوع فارغة من حطام دُنيانا، وفى يد الأسقف صولجان أظنه، من شِدَّةِ بريقه، مصنوعاً من الذهب الخالص. فوق رأس يسوع أشواكُ تاج الآلام، وعلى رأس الأسقف تاجُ الأسقفيةِ الذهبىُّ البرَّاق.. بدا لى يسوع مستسلماً وهو يقبل تضحيته بنفسه على صليب الفداء ، وبدا لى كِيرُلُّس مقبلاً على الإمساك بأطراف السماوات والأرض .

نظر الأسقفُ فى شعبه ورعاياه، وأجال عينيه فى الحشد الذى انحشر فى ساحة الكنيسة، فهدأوا. رفع صولجانه الذهبى، فصمتوا. ثم تكلم فقال: يا أبناء المسيح، باسم الإله الحى أبارك يومكم هذا، وكل أيامكم . وأبدأ كلامى بالحق الذى تكلَّم به بولس الرسول فى رسالته الثانية إلى تيموثاوس، حيث يقول له، ولكلِّ مسيحىٍّ فى كل زمان ومكان: احتمل المشقات كجندى صالح للمسيح يسوع، فالذى يتجنَّد لاينشغل بهموم الحياة حتى يُرضى الذى جَنَّده، والمجنَّد لن ينال إكليل النصر حتى يُجاهد الجهاد الشرعى .

ظننتُ لوهلةٍ أن الأسقف يقصدنى بكلامه، وأن هذه واحدة من معجزاته الخفية.. أضاف وقد علا صوته، حتى جلجل فى جوانب الكنيسة المهيبة: أبدأُ بهذا، لأذكِّركم بأننا نعيش زمن الفتن، ومن ثم فنحنُ فى زمن الجهاد. لقد انتشر نورُ المسيح حتى يكاد اليوم يغطى الأرض، ويُبدد ظلامها الذى طال زمانه .. غير أن الظلمات مازالت تعشِّش هنا وهناك، وتطلُّ على أرض الله بوجه الفتن والهرطقات التى تنخر فى قلوب الناس .. ولن يهدأ جهادُنا لها، مادمنا أحياءً .. لقد وهبنا أنفسنا لربنا يسوع المسيح، فلنكن جنود الحق الذين لايرضون إلا بإكليل النُّصرة السماوية، ولنكن المخلصين لدين المخلِّص، حتى نلحق بالشهداء والقديسين، الذين عبروا الدنيا ليلحقوا بالمجد السماوى والحياة الأبدية .

لمحتُ عيوناً كثيرة انهمر منها الدمعُ ، ووجوهاً عديدة كاد الحماس يفجِّرها. كانت كل العيون شاخصةً إلى الأسقف كِيرُلُّس الذى ملك بكلامه أطرافَ القلوب وملأ جنباتِ الصدور. كانت ألفاظه اليونانية قويةً بليغةً، فكأنه ينطق بلسان الرسل وأفئدة الآباء الأولين. تهتُ بين أفكارى، وسرحتُ فى آفاقٍ بعيدة، حتى انتبهتُ ثانيةً إليه وهو يقول: فهؤلاء الذين يسمَّون أنفسهم بالأخوة طوال القامة، لن نعاود النظر فى أمرهم الذى انحسم، ولن نخوض فى جدلٍ هرطوقىٍّ جديد، من أجل البحث فى صحة معتقد صاحبهم أوريجين ، بعدما أدانه البابا ثيوفيلوس أسقف هذه المدينة العظمى ، من قبل انتقاله إلى الملكوت الأعلى بثلاثة عشر عاماً. لن أعيد عليكم قرارت المجمع المقدَّس لكنيسة الإسكندرية، الذى أدان أوريجين سنة خمس وثلاثين ومائة من تاريخ الشهداء، الموافقة لسنة تسع وتسعين وثلاثمائة لتجسُّد المسيح. ولن أعيد عليكم قرارات المجامع التالية التى أكَّدت إدانة أوريجين وطرده وحَرْمه، فهى مجامعُ كثيرةٌ انعقدت فى أورشليم، وقبرص، وروما. لن أعيد قراءة القرارت التى اتخذها الآباءُ الفضلاءُ فى تلك المجامع، فهى قراراتٌ مشهورةٌ متداولة. فليقرأها مَنْ كان يقرأ، ومَنْ لايقرأ فليذهب لمكتبة الكنيسة، ويطلب من أحد الآباء أن يقرأها له. ولكننى أقول اليوم، إننى لن أسمح بمعاودة النظر فى عقيدة فيلسوفٍ مات منذ قرن ونصف من الزمان، فيلسوفٍ اشتغل باللاهوت، فأخطأ وضَلَّ وهرطق، فيلسوفٍ لم تصحّ رسامته قسّاً. فليهدأ أتباعه طوال القامة([3])، ويتواضعوا كما تواضع يسوع المسيح. وليكفوا بقاماتهم الطويلة المترنِّحة بالشكوك، عن التطواف بين البلاد وعن إثارة القلاقل والهواجس الهرطوقية المهدِّدة للإيمان القويم .. الإيمان القويم الذى نذرنا حياتنا للدفاع عنه، كجنود صالحين للمسيح يسوع .

فجأة ًصاح أحدُ الواقفين، بصوتٍ أجش، حتى كادت حنجرته تنخلع مع زعيقه: مباركٌ أنتَ من السماء، أيها البابا، ومباركةٌ كلماتك باسم الإله الحى.. وراح يردِّد العبارة نفسها، حتى ردَّدها من خلفه سائرُ الحاضرين. كاد الحماسُ يذهب عقول الناس، وكان هتافهم للبابا كِيرُلُّس يرجُّ جدران الكنيسة.. رسم البابا فى الهواء علامة الصليب، ورفع للجمهور صولجانه مرتين، فانفجر حماسُهم الجنونى . بعضهم غُشى عليه فسقط بين الجموع، وبعضهم راح بدنه يهتزُّ مع هتافه، وبعضهم أغمض عينيه المنهمرتين بالدمع. استدار الأسقف أو البابا كما يسمونه فى الإسكندرية، وغاب وراء باب مقصورته وسط جمع من كبار القسوس، الممسكين بصلبانٍ لم أرَ قبلها أكبر منها .

╬ ╬ ╬

مضت علىَّ الأيامُ فى الكنيسة المرقسية رتيبةً، باستثناء أيام الآحاد الصاخبة. أسلمت نفسى، شيئاً فشيئاً، إلى مشيئة الرب. وكان القَسّ يوأنَّس يرعانى من بعيد، ويوصينى دوماً بأن أتجنَّب الاندماج مع الرهبان الإسكندرانيين، خاصةً ، الذين يسمون أنفسهم جماعة محبى الآلام .. كان منهم راهبٌ طاعنٌ فى السِّنِّ، يرهبونه كثيراً، عرفتُ بعد شهور سِرَّ نفورى من نظرته القاسية. الراهبُ المسنُّ أصله من الصعيد، ومع ذلك لم يكن يحب الوافدين إلى الإسكندرية من هناك ! لقينى ذات يوم فى ساحة الكنيسة ، وكان قد مَرَّ على وجودى هناك قرابة العام. دعانى إليه بإشارةٍ من عصاه التى تتكئ عليها سنواته السبعون، ولما اقتربت منه قال لى هامساً: عُدْ سريعاً إلى بلدتك، فالإسكندريةُ ليست مكانك! كان صوته أقرب لفحيح الأفاعى، وكانت لهجته لاذعةً كلسع العقارب. لم أفهم إشارته، وقد نصحنى القَسّ يوأنَّس لما أخبرته بالأمر، بالابتعاد عنه. بعدها بأيام أخبرنى خادم المضيفة بسرٍّ دفين، قال بعدما تلفَّتَ حوله: هذا الراهبُ المسنُّ، محبُّ الآلام، هو أحدُ أبطال الكنيسة ! فقد كان فى شبابه واحداً من الجماعة الذين فتكوا بأسقف الإسكندرية جورج الكبادوكى ومَزَّقوه بالسواطير فى شوارع الحى الشرقى .. أضاف الخادم هامساً، بعدما تلفَّت ثانيةً: جرى ذلك قبل ثمانٍ وأربعين سنة ، فى العام السابع والسبعين للشهداء! يقصد سنة إحدى وستين وثلاثمائة للميلاد .. سألته:

- ولماذا فعلوا ذلك بأسقف المدينة ؟
- لأنه كان مفروضاً علينا من روما، وكان مارقاً يميل إلى آراء آريوس الملعون .
╬ ╬ ╬

فى الأعوام الرتيبة التى قضيتها بالإسكندرية، كنتُ أحضر دروس الطب واللاهوت بانتظام. واشتهرتُ بين أهل الكنيسة بكثرة الصلاة وقلة الكلام، فحسن اعتقادهم فى صلاحى وورعى.. ومع كَرِّ الأيام والشهور، نسيتُ ما كان من أمر أيامى الأولى بالمدينة، ولم أعد أسمع أخباراً عن هيباتيا، ولا عن غيرها. حتى جاءت تلك الأيامُ العصيبة من شهور سنة خمس عشرة وأربعمائة للميلاد المجيد، إذ سَرَتْ أولاً بين رجال الكنيسة، همهماتٌ عن احتدام الخلاف بين البابا كِيرُلُّس وحاكم الإسكندرية أورستوس. ثم شاعت أخبارٌ كثيرةٌ عن اعتراض جماعة من شعب الكنيسة، المؤمنين، طريقَ الحاكم أوريستوس، ورجمهم له بالحجارة. مع أنه فى الأصل رجلٌ مسيحىٌّ، ومعروفٌ أن عماده أيام شبابه، كان فى أنطاكية على يد يوحنا فم الذهب .. ومع أن يسوع المسيح فى بدء بشارته ، نهى اليهود عن رجم العاهرة، فى الواقعة المشهورة التى قال فيها : مَنْ كان منكم بلا خطية، فليرجمها بحجر .

غير أن هذا الخلاف الثائر بين الأسقف والحاكم، لم يكن أيامها يعنينى فى شئ! ومن ثم، انشغلت عنه بهمومى اليومية وصلواتى ودروسى المملَّة، فلم أحرص على التقاط الهمهمات أو تتبُّع الأخبار .. حتى بدأ اسم هيباتيا يجرى على الألسنة فى أكثر الجلسات. كنتُ أظن أننى نسيتها تماماً، ثم وجدتنى كلما سمعت اسمها ، أضطربُ ويخفق قلبى لذكرها .

تاقت نفسى لمعرفة ما يدور وراء أسوار الكنيسة، فتتبعتُ الحكايات ومحدثات الأمور. بدأتُ بسؤال القَسّ يوأنَّس الذى نهرنى، وأمرنى بعدم الانشغال بغير ما جئت من أجله. بعد أيام عاودتُ سؤاله بلطفٍ، فنصحنى بالابتعاد عن الموضوع، والاهتمام بما أنا موجودٌ فى الكنيسة من أجله . سألتُ غيره، فلم أهتد منهم إلى خبرٍ يطمئن له قلبى .. غير أننى تأكَّدت من همهمات الخدم الذين يتردَّدون بين المدينة والكنيسة، أن كراهية البابا لهيباتيا كانت قد بلغت المدى. كانوا يقولون إن الحاكم أوريستوس طرد رجلاً مسيحياً من مجلسه، فغضب البابا. ويقولون إن الحاكم يعارض ما يريده البابا من طرد اليهود بعيداً عن الإسكندرية، بعدما طردهم الأسقف ثيوفيلوس إلى رَبْع اليهود الكائن بالجهة الشرقية، وراء الأسوار. ويقولون إن الحاكم كان يُفترض فيه أن يصير نصيراً لأهل ديانتنا، إلا أن الشيطانة هيباتيا تدعوه إلى غير ذلك. ويقولون إنها تشتغل بالسحر، وتصنعُ الآلات الفلكية لأهل التنجيم والمشعوذين .. قالوا أشياء كثيرة ، لم يطمئن إليها قلبى .

مرت الأيام مترعةً بالتوتر، حتى كان يوم الأحد المشؤوم. المشؤوم بكل ما فى الكلمة من معنى عميق .. ففى صبيحة ذاك اليوم، خرج البابا كِيرُلُّس إلى مقصورته ليلقى على الجموع عظته الأسبوعية، وكان على هيئته الحزنُ. لم ينظر إلى مستمعيه فرحاً بشعبه كعادته ، وإنما أطرق لحظةً طويلة، ثم أسند صولجانه الذهبى إلى جدار المقصورة، ورفع يديه إلى السماء حتى انسدلت أكمامه الواسعة وبدت ذراعاه النحيلتان. انشرعت أصابعه فى الهواء، فكأنها أطراف المذراة .. وبصوت جهيرٍ هادر،ٍ راح يقرأ الصلاة المذكورة فى إنجيل متى : أبانا الذى فى السماوات، ليتقدَّس اسمُك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئك فى السماء ، وكذلك فى الأرض ..

أخذ الأسقفُ يعيد الصلاة، حتى أخذ الناسَ النشيجُ وهم يردِّدون الدعاء وراءه .. ثم صار صوته نارياً متأججاً وهو يقول لهم: يا أبناء الله، يا أحباء يسوع الحى ، إن مدينتكم هذه، هى مدينةُ الرَّبِّ العظمى. فيها استقر مُرقس الرسول، وعلى أرضها عاش الآباء، وسالت دماءُ الشهداء، وقامت دعائم الديانة. ولقد طهَّرناها من اليهود، المطرودين. أعاننا الرَّبُّ على طردهم، وتطهير مدينته منهم. ولكن أذيال الوثنيين الأنجاس، مازالت تثير غبار الفتن فى ديارنا. إنهم يعيثون حولنا فساداً وهرطقةً، يخوضون فى أسرار كنيستنا مستهزئين، ويسخرون مما لايعرفون، ويلعبون فى مواطن الجد ليشوهوا إيمانكم القويم. يريدون إعادة بيت الأوثان الكبير الذى انهدم على رؤوسهم قبل سنين، ويودون تعمير مدرستهم المهجورة التى كانت تبثُّ الضلال فى العقول، ويفكِّرون فى إعادة اليهود من الرَّبْع الذى سكنوه إلى داخل أسوار مدينتكم . لكن الرَّبَّ ، ياجند الرَّبِّ ، لن يرضى بذلك أبداً. ولسوف يُحبط مساعيهم الدنيئة، وسوف يبدِّدُ أحلامهم المريضة، وسوف يرفع قَدْر هذه المدينة العظمى، بأيديكم أنتم. مادمتم بحقٍّ، جنودَ الرب. مادمتم بحقٍّ ، جنود الحق .. لقد صدق ربنا يسوع المسيح، حين نطق بلسانٍ من نورٍ،ِ فقال: الحقُّ يطهِّركم ! فتطهَّروا يا أبناء الرب، وطهِّروا أرضكم من دنس أهل الأوثان . اقطعوا ألسنة الناطقين بالشَّرِّ. ألقوهم مع معاصيهم فى البحر، واغسلوا الآثام الجسيمة. اتَّبعوا كلمات المخلِّص، كلمات الحق، كلمات الرَّبِّ. واعلموا أن ربنا المسيح يسوع، كان يحدثنا نحن أبناءه فى كل زمان ، لما قال : ماجئتُ لأُلقى فى الأرض سلاماً، بل سيفاً !

اهتزت الجموعُ مهتاجةً، حتى كاد اهتياجُها يبلغ الغاية .. وراح كِيرُلُّس يكرِّر بهديره الحماسىِّ الآسر، قول يسوع المسيح: ماجئتُ لأُلقى فى الأرض سلاماً ، بل سيفاً! فيزداد هياجُ الجموع، ويقارب بحدَّته حدود الجنون. بدأ الناس يردِّدون وراءه العبارة، ولم يكفوا إلا حين قَطَعَ التردادَ بصرخةٍ كالرعد، ذلك الضخمُ المعتادُ على إنهاء خطب يوم الأحد النارية، أعنى بطرس قارئ الإنجيل بكنيسة قيصرون الذى انفجر من بين الجموع قائلاً: بعون السماء، سوف نطهِّر أرض الرب من أعوان الشيطان. سكت الأسقف، فسكن الناسُ إلا بطرس القارئ .. ثم أخذ بعضهم يعيد وراءه عبارته، وأضاف إليها أحدهم الترنيمة المرعبة: بسم الإله الحى سنهدم بيت الأوثان، ونبنى بيتاً جديداً للرب .. بعون السماء سوف نطهر أرض الربِّ من أعوان الشيطان .. بسم الإله الحى سنهدم بيت الأوثان ..

استدار الأسقفُ، فتناول صولجانه، ورفعه فى الهواء ليرسم به علامة الصليب، فاجتاح الكنيسة هوسُ الجموع .. تداخلت الهتافاتُ واصطخبت، عَمَتِ العقولُ، وعمَّتِ القلوب فوضى منذرةٌ بحادثٍ جسيم. كان بطرس القارئ أول مَنْ تحرَّك نحو الباب، ثم تحرَّك من خلفه الناس جماعاتٍ وهم يرددون عبارته الجديدة: بعون السماء سوف نطِّهر أرض الرَّبِّ .

كادتْ ساحةُ الكنيسة تخلو، وكانت أصواتُ الهاتفين وراء بطرس القارئ تأتى من خارج الأسوار. دخل الأسقفُ من شرفته ووراءه القسوس، ولم أدرِ ساعتها إلى أين أذهب؟ هل أعود لصومعتى وأغلق بابى علىَّ، مثلما أفعل دوماً ؟ أم أظل فى ساحة الكنيسة، حتى يظهر ما سوف يظهر من مشيئة الرب ؟ أم أخرج وراء الجموع ؟ .. ومن دون تدبيرٍ منى، أو بتدبيرٍ خفىِّ عنى، خرجتُ مدفوعاً بتوجُّسى خلف الجموع، فلحقت بهم. ولكننى بالطبع ، لم أكن أردِّد وراءهم ما يقولون .

اتجه بطرس قائدُ الجموع إلى الشارع الكانوبى الكبير، ومن خلفه سار مئاتُ الهاتفين. كانت شمسُ الظهيرة مُتَّقدةً، والرطوبةُ العالية تخنق الأنفاس. البيوتُ ارتجَّت مع حركة المؤمنين ومن علو الهتافات، كان بعضها مغلقَ النوافذ والأبواب، وبعضها يقف ساكنوه على سطحه يلوِّحون بالصلبان .. ثار غبار الطرقات، وهربت الملائكة الرحيمة من السماء، وحَدَّثنى قلبى بقرب وقوع حَدَثٍ مروع. كنتُ أسيرُ مأخوذا بما يجرى من حولى، وكأننى أعيش واحدةً من رؤى سفر حبقوق المنذرةِ بفناء العالم وزوال الدنيا .

بعد حينٍ، تناقص الهاتفون المهلِّلون، وتفرَّقوا فى الطرقات مع طول الجولان فى أنحاء المدينة. صاروا عشرات موَّزعة فى الشوارع، وساروا يردِّدون الهتافات ذاتها.. فى لحظةٍ ما، اعتقدتُ أن غرض هذا الصخب، تبيانُ أن المسيحيين هم الأظهرُ والأقوى بالمدينة. هى إذن، رسالةٌ ضمنيةٌ إلى الحاكم، وتنبيهٌ صريحٌ لكل السكان. ولكن الأمر انقلب إلى ماهو أعمق من ذلك ، وأبعد ، وأبشع .

شمسُ الظهيرة حَمَّ شعاعُها، وازدادتْ رطوبةُ الهواء حتى ثقلت علىَّ أنفاسى اللاهثة وراء الجماعة الهاتفة الباقية وراء بطرس القارئ. كدتُ أستدير راجعاً إلى أسوار الكنيسة، إلى حصنى الحصين، لولا أننى انتبهت إلى ذلك الرجل النحيل، طويل الرأس، الذى جاء من أقصى الشارع يجرى، وهو يصيح لبطرس والذين معه :

- الكافرةُ ركبتْ عربتها ، ولا حُرَّاس معها .

خفق قلبى بشدة، واعترانى فزعٌ مفاجئ لما رأيتُ بطرس يجرى وهو يصرخُ، نحو الجهة التى أشار إليها الرجل ذو الرأس الطويل، وتبعه الآخرون. جريتُ خلفهم، وليتنى ما فعلتُ .. عند الكنيسة الصغيرة التى فى منتصف الشارع الواسع المؤدى من المسرح الكبير إلى الميناء الشرقى، بدت من بعيدٍ عربة هيباتيا ذات الحصانين، العربة ذاتها التى رأيتها تركبها، وترحلُ بها عنى ، قبلها بثلاثة أعوام .. العربةُ هى هى، والحصانانِ هما هما، أنا وحدى الذى ما كنتُ أنا. بطرسُ القارئ انطلق ببدنه الضخم ليلحق بالعربة وهو يصرخ، ويصرخ وراءه أتباعه بألفاظٍ غير مفهومة. قبل أن يصل إليها، بأمتارٍ، وقف فجأةً وتلفَّت؛ فاندفع إلى ناحيته أحدهم وهو يصيح صيحةً هائلة ويُخرج من تحت ردائه الكنسى سكيناً طويلاً .. صدئاً .. أيضاً .. السكين ..

╬ ╬ ╬

لن أكتب حرفاً واحداً .. لا ..

╬ ╬ ╬

يارب . شُلَّ يدى .. خذنى إليك .. ارحمنى ..

╬ ╬ ╬

سأمزقُ الرقوق ، سأغسلها بالماء .. وسوف ..

- اكتبْ يا هيبا ، اكتبْ باسم الحقِّ المختزن فيك .
- يا عزازيل .. لا أقدر .
- اكتبْ ولا تجبُن، فالذى رأيته بعينك لن يكتبه أحدٌ غيرك، ولن يعرفه أحدٌ لو أخفيته .

- حكيته لنسطور فى أورشليم ، قبل سنين .
- ياهيبا ، حكيتَ يومها بعضاً منه ؛ فاكتبه اليوم كاملاً، اكتبه الآن كله .
╬ ╬ ╬

آه .. لما التقط بطرسُ السكين الطويلة الصدئة، رآه سائقُ عربة هيباتيا، فقفز كالجرذان وجرى متوارياً بين جدران البيوت. كان بإمكان السائق أن يُسرع بحصانيه فى الشارع الكبير، وما كان لأحدٍ أن يلحق بالعربة. لكنه هرب، ولم يحاول أحدهم أن يلحق به! ظل الحصانان يسيران مُرتبكين، حتى أوقفهما بطرس بذراعه الملوِّحة بالسكين .. أطَلَّت هيباتيا برأسها الملكى من شُبَّاك العربة، كانت عيناها فزعةً مما تراه حولها. انعقد حاجباها، وكادت تقول شيئاً، لولا أن بطرس زعق فيها: جئناك يا عاهرة ، يا عدوَّة الرَّبِّ .

امتدتْ نحوها يدُهُ الناهشةُ وأيدٍ أخرى، ناهشةٌ أيضاً، حتى صارت كأنها ترتقى نحو السحاب فوق أذرعهم المشرعة . وبدأ الرعبُ فى وضح النهار. الأيادى الممدودة كالنصال، منها ما فتح باب العربة، ومنها ما شدَّ ذيل الثوب الحريرى، ومنها ما جذب هيباتيا من ذراعها فألقاها على الأرض. انفلت شعرُها الطويل الذى كان ملفوفاً كالتاج فوق رأسها، فأنشب فيه بطرس أصابعه، ولوى الخصلات حول معصمه، فصرختْ، فصاح: باسم الرَّبِّ ، سوف نطهِّر أرض الرَّبِّ ..

سحبها بطرسُ من شعرها إلى وسط الشارع، وحوله أتباعه من جُند الربِّ يهلِّلون. حاولت هيباتيا أن تقوم، فرفسها أحدهم فى جنبها، فتكوَّمت، ولم تقو على الصراخ. أعادها بطرس إلى تمدُّدها على الأرض، بجذبةٍ قويةٍ من يده الممسكة بشعرها الطويل. الجذبة القوية انتزعت خصلات من شعرها، فرماها، نفضها من يده، ودَسَّ السكين فى الزُّنَّار الملفوف حول وسطه، وأمسك شعرها بكلتا قبضتيه، وسحبها خلفه .. ومن خلفه أخذ جُنْدُ الرَّبِّ يهتفون هتافه ، ويهلِّلون له وهو يجرُّ ذبيحته.

كنتُ لحظتها واقفاً على رصيف الشارع، مثل مسمارٍ صدئ. لما وصلوا قبالتى، نظر بطرس ناحيتى بوجه ضبعٍ ضخم، وتهلل وهو يقول: أيها الراهب المبارك ، اليومَ نطهر أرض الرَّبِّ .. وبينما هى تتأرجح من ورائه على الأرض، تقلَّبت هيباتيا، استدار وجهها نحو موضعى. نظرت إلىَّ بعينٍ مصعوقة، ووجهٍ تكاد الدماءُ منه تنفجر. حدقت فىَّ لحظتها، فأدركتُ أنها عرفتنى، مع أننى كنتُ فى الزِّىِّ الكنسى! مدَّت ذراعيها ناحيتى، وصاحتْ مستصرخةً بى : يا أخى .. تقدمتُ إلى منتصف الشارع خطوتين، حتى كادت أصابعى تلمس أطراف أصابعها الممدودة نحوى. كان بطرس القارئ يلهثُ منتشياً، وهو يمضى ناحية البحر ساحباً غنيمته. وكان البقيةُ يتجمَّعون حول فريستهم، مثلما تجتمع الذئاب حول غزالٍ رضيع .. لما أوشكتْ أصابع هيباتيا أن تعلق بيدى الممدودة إليها، امتدت يدٌ نهشت كُمَّ ثوبها، فتطوَّحت كَفُّها بعيداً عنى، وتمزَّق الثوبُ فى اليد الناهشة، فرفعه الناهشُ ولَوَّح به، وهو يزعق بعبارة بطرس: باسم الرَّبِّ، سوف نطهِّر .. العبارة التى صارت يومها أنشودة للمجد الرخيص. من بعيدٍ، أقبلت امرأةٌ حاسرةُ الرأس، كانت تصرخ وهى تُقبل نحونا مسرعةً فزعةً ، قائلةً :

- يا أختاه .. ياجنود الرومان .. أغثنا يا سيرابيس !

المرأة المسرعة نحونا كان ثوبها وشعرها يرفَّان وراءها، وكنا قد اقتربنا من ناحية البحر.. أقبلت المرأةُ تجرى نحو الجمع، حتى ارتمت فوق هيباتيا، ظانةً أنها بذلك سوف تحميها. فكان ما كان متوقَّعاً . اندستْ فيها الأذرع، فرفعتها عن هيباتيا، وألقتها بقوة إلى جانب الطريق. اصطدم رأسها بالرصيف، وانسحج وجهها، فتلطَّخ بالدم والتراب. حاولت المرأةُ أن تقوم، فضربها أحدهم على رأسها بخشبةٍ عتيةٍ، بأطرافها مسامير، فترنَّحت المرأةُ وسقطت من فورها على ظهرها، أمامى، والدم يتفجَّرُ من أنفها وفمها، ويلِّطخ ثوبها. عند سقوطها أمامى، صرختُ من هول المفاجأة .. فقد عرفتها .. هى لم تعرفنى، فقد كانت تنتفضُ وهى تلفظ آخر أنفاسها . وهكذا ماتت أوكتافيا، يوم الهول، تحت أقدامى، من دون أن ترانى .

رجعتُ خطواتٍ حتى التصق ظهرى بجدار بيتٍ قديم، لم أستطع انتزاع عينى عن جثة أوكتافيا التى أهاجتْ دماؤها الصخبَ، فاشتدت بجند الربِّ تلك الحمى التى تتملَّك الذئاب حين تُوقع صيداً. صارت عيونهم الجاحظة مثل عيون المسعورين، وهاجت بواطنهم طلباً لمزيدٍ من الدم والافتراس .. تجمعوا فوق هيباتيا، حين وقف بطرس ليلتقط أنفاسه. امتدت إلى يدها يدٌ مازعةٌ، ثم امتدت أيادٍ أخرى إلى صدر ردائها الحريرى الذى تهرَّأ، واتَّسخ بالدماء والتراب.. أمسكوا بإطار الثوب المطرَّز وشَدُّوا فلم ينخلع، وكاد بطرس يقع فوق هيباتيا من شِدَّةِ الشَّدَّة المباغتة، لكنه سرعان ما عاد واستعاد توازنه، ومضى يجرُّ ذبيحته، ومن ورائه انحنى أتباعه محاولين اقتناص رداء هيباتيا.. هيباتيا.. أستاذة الزمان .. النقية.. القديسة .. الربة التى عانت آلام الشهيد، وفاقت بعذابها كل عذاب .

على ناصية الطريق الممتد بحذاء البحر ، صاحت عجوزٌ شمطاء وهى تلوِّح بصليب: اسْحِلوا العاهرة.. وكأن العجوز نطقت بأمرٍ إلهى! توقف بطرس فجأة، وتوقف أتباعه لحظةً، ثم تصايحوا بصرخاتٍ مجلجلة .. تركتُ جثة أوكتافيا ورائى، ولحقتُ بهم مبهوتاً ، آملاً أن تفلت هيباتيا من أيديهم، أو يأتى جنودُ الحاكم فيخلِّصوها منهم، أو تقع معجزة من السماء .. أو .. كنتُ غير بعيدٍ عنهم وغير قريب، فرأيتُ نتيجة ما أوحت به المرأة الشمطاء .. رأيتُ .. انهالتْ الأيدى على ثوب هيباتيا فمزَّعته .. الرداءُ الحريرى تنازعوه حتى انتزعوه عن جسمها، ومن بعده انتزعوا ما تحته من ملابس كانت تحيط بجسمها بإحكام. كانوا يلتذُّون بنهش القطع الداخلية ويصرخون، وكانت العجوزُ تصرخ فيهم كالمهووس: اسحلوها! وكانت هيباتيا تصرخ: يا أهل الإسكندرية! وكان البعيدون عن الوصول إلى جسمها، يصرخون: العاهرة، الساحرة ! .. وحدى، أنا، كنتُ صامتاً .

صارت هيباتيا عاريةً تماماً، ومتكوِّمةً حول عريها تماماً ، ويائسةً من الخلاص تماماً، ومهانةً تماماً .. لا أعرف من أين أتوا بالحبل الخشن الذى لفوُّه حول معصمها ، وأرخوه لمترين أو ثلاثة ، ثم راحوا يجرُّونها به وهى معلَّقةٌ من معصمها.. وهكذا عرفتُ يومها معنى كلمة السحل التى أوحت به المرأةُ إلى بطرس القارئ وأتباعه([4]) .

شوارعُ الإسكندرية تفترشها بلاطاتٌ حجرية متجاورة، تحمى الطرقات أيام الشتاء من توحُّل الأرض بسبب المطر. البلاطات متجاورة لكنها غير متلاحمة، وحوافها حادة بفعل طبيعتها الصلبة، فإذا جُرَّ عليها أىُّ شئ مزَّقته، وإن كان ذا قشرٍ قشَّرته، وإن كان إنساناً كشطته .. وهكذا سحلوا هيباتيا المعلَّقة بحبلهم الخشن، الممددة على الأرض، حتى تسحَّج جلدها وتقرَّح لحمها .

وسط الصخور المتناثرة عند حافة الميناء الشرقى، خلف كنيسة قيصرون التى كانت فى السابق معبداً، ثم صارت بيتاً للرب يقرأ فيه بطرس الإنجيل كل يوم ! كانت هناك كومةٌ من أصداف البحر. لم أر أول مَنْ التقط منها واحدةً، وجاء بها نحو هيباتيا، فالذين رأيتهم كانوا كثيرين. كلهم أمسكوا الصدف، وانهالوا على فريستهم.. قشَّروا بالأصداف جلدها عن لحمها .. علا صراخُها حتى تردَّدت أصداؤه فى سماء العاصمة التعيسة، عاصمة الله العظمى، عاصمة الملح والقسوة .

الذئابُ انتزعوا الحبل من يد بطرس وهم يتصايحون ، وجَرُّوا هيباتيا بعد ما صارت قطعةً، بل قطعاً، من اللحم الأحمر المتهرِّئ . عند بوابة المعبد المهجور الذى بطرف الحىِّ الملكى البرخيون ألقوها فوق كومةٍ كبيرة من قطع الخشب، وبعدما صارت جثةً هامدة .. ثم .. أشعلوا النار .. علا اللهبُ، وتتطاير الشرر .. وسكتت صرخاتُ هيباتيا، بعدما بلغ نحيبها من فرط الألم، عنانَ السماء . عنانَ السماء، حيث كان الله والملائكة والشيطان يشاهدون ما يجرى ولايفعلان شيئاً .

- هيبا .. ما هذا الذى تكتبه ؟
- اسكتْ يا عزازيل ، اسكتْ يا ملعون .

الرق الثلاثون
الفقد


بعدما تهيأت للنوم، سمعت صوت الشماس يأتى خفيضا من وراء الباب: هل أنت نائم يا سيدى؟.. دعوته للدخول، فجاء وفى يده قطعة من قماش أسود. مدها إلى، فمددتها بين يدى. كانت صديرية سوداء اللون محلاة من عند أطرافها بصلبان من الغزل ذاته، لونها رمادى. عرفت بالأمر من فورى، وزادنى الشماس إيضاحا وتأكيدا: لقد رحلت مرتا وخالتها قبل أسبوع، وتركت العجوز لى هديتها مع الشماس، وتركت مرتا معه رسالة من كلمة واحدة: مضطرة!
اضطرت مرتا للذهاب إلى حلب! أى اضطرار حدا بها للرحيل، والحمى تفتك بى؟ ألم يكن بوسعها أن تنتظرنى بضعة أيام أخر؟ لابد أنها يئست من شفائى، وتيقنت من أننى هالك لا محالة.. تركتنى لموتى، وذهبت لتبحث لها عن حياة. هذا شأن النساء كلهن كما أكد الفريسى خائنات، ولا خلاق لهن. هو أعرف منى بأحوالهن. الآن تيقنت من أننى ضللت نفسى بأوهام صنعتها، وأتيت مع مرتا خطايا لا غفران لها. هى أخرجتنى من كونى، ثم هجرتنى حين ظنت أننى أموت، ياليتنى مت واسترحت.
أخذوا معهم كل متاعهم، لا أظن يا أبت أنهم سيرجعون للعيش هنا.
نعم يا شماس، هذا واضح.
هل ترى يا أبت، أن أستسمح رئيس الدير فى سكنى فى الكوخ؟
يا شماس، أنت صغير على العيش منفردا، بقاؤك فى بيت الكهان أصلح لك.. اتركنى الآن لأنام.
نادنى إن احتجت لى يا أبت، سأكون قريبا.
تركنى الشماس بعدما دعوت له بالبركة، ودعوت الله فى نفسى أن يأخذنى منها لأستريح، كان رأسى يطن، فلم أستطع النوم إلا وسنات خاطفة، وكانت غفواتى توجعنى. وجع النوم علامة رديئة، كما هو معروف عند الأطباء من كلام أبقراط: إذا كان النوم فى الأمراض المزمنة، يحدث وجعا، فذلك من علامات الموت.. ليكن، فموتى وحياتى صارا عندى سواء، وربما الموت أفضل! غير أننى برئت من حماى، مزمنة كانت أم حادة. وآلام النوم عندى، هى من أوجاع الروح لا آثار الحمى.
قمت من فوق الدكة واستغرقت فى الصلاة. أديت صلاة سوتورو قبل موعدها، وأخذت أعيدها حتى سكن الليل. وحتى تأكدت، أنها لا تفعل شيئا.. كنت أشعر بعزازيل قريبا منى، أكثر من أى وقت مضى. هو إذن، لم يكن حلما ولا طيفا مر بى عند اختلاط ذهنى، مع نوبات المرض. هو الآن قريب، أشعر به ينظر نحوى، ولا يتكلم، أترانى ألقيت نفسى فى غيابة جب الجنون؟انتبهت فجرا على صوت أقدام تفرك الحصى بسرعة، وهى آتية نحو المكتبة. هذه مشية الفريسى، فلابد أنه جاء ليطمئن على. أنهيت صلاتى، وفتحت الباب له، فدخل وفى يده منديل فيه فواكه، دخلت أمامه، وجلسنا متقابلين على الطاولة الكبيرة:
كيف حالك الآن يا هيبا؟
أحسن، وأظننى سأتحسن. مالك يا أخى تبدو مهموما.
وصلت الأخبار الآن. المجمع المقدس، برئاسة الإمبراطور، أعاد كيرلس إلى رتبته الأسقفية، وأقر عزل نسطور.. ونفيه!
ما الذى تقوله، وكيف حدث؟
الأساقفة تخلو عن نسطور، عدا يوحنا أسقف أنطاكية. ولم يشأ الإمبراطور وبابا روما أن يغضبا الإسكندرية، للأسباب المعروفة، ولما رأى الأسقف ربولا والذين معه، أن كفة الميزان تميل لصالح كيرلس، انقلب نسطور وأدانه. وقد صاغ المجمع قانونا جديدا للإيمان فيه إضافات على القانون الذى أقر قبل مائة عام فى نيقية.
غامت عيناى، فأغمضتها وأحطت رأسى بذراعى المستندين إلى الطاولة. فى غمرة الغيوم، انتبهت لأمر دقيق. لم يكن مجمع نيقية قبل مائة عام، وإنما كان قبل مائة وست من السنين! الذى كان قبل مائة عام بالضبط، هو اللجنة الرهيبة التى شكلها الإمبراطور قسطنطين، من القسوس المتشددين، سعيا منه لإرضاء الأساقف. كان ذلك سنة إحدى وثلاثىن وثلاثمائة للميلاد. اللجنة راحت تفتش دور الكتب وتدهم بيوت الناس، لتجمع كتب الفلاسفة والمهرطقين، والأناجيل غير الأربعة المعترف بها، والكتب الدينية المخالفة لما استقر من رأى الأساقفة، والرسائل الغنوصية. كانوا يجمعون كل ذلك فى ساحات المدن والقرى، ويحرقونه علنا، مهددين من يخفى هذه الكتابات الممنوعة، بالويل.. الويل.
رفعت رأسى وسألت الفريسى:
ماذا سيفعلون مع المبجل نسطور؟
لم يعد مبجلا، وسوف ينفونه من هنا إلى مكان قصى تابع للإسكندرية، المدن الخمس الليبية أو أخميم، لا أعرف بالضبط. وقد أدان المجمع، الأسقف تيودور المصيصى، وأنكر آراءه.
انقبض قلبى مما قاله الفريسى، وضاق بالأخبار صدرى. قمت لأفتح الشباك المطل على ساح الدير، فدارت رأسى، وترنحت حتى كدت أقع على الأرض. أدركنى الفريسى وأعاننى لأجلس ثانية، وفتح هو شباكى.. جلسنا صامتين برهة، حتى تململ وبدا فى عينيه أنه يريد أن يخبرنى بأمر آخر. لم أكن قادرا على سماع المزيد.. سالت منى رغما عنى، دمعات حارة لم أستطع إمساكها فمسحتها عن وجهى بسرعة.
فتح الفريسى منديله، وقرب الفاكهة منى وهو يقول إنها فواكه طازجة أتت من حلب، وأنه أحضرها لى لأتقوى بها.. اضطربت لذكر حلب، ونظرت فى عينيه، فوجدت فيهما طيف شفقة. دعانى للأكل فامتنعت، ونحيت المنديل بظهر يدى. سألته هل وفد أحد من حلب؟ نفى، وأخبرنى أن هذه الفاكهة الصيفية، أرسلها تاجر من الموعظين، هدية للدير رجانى ثانية أن آكل منها، فأخذت من يده حبة المشمش الكبيرة التى مدها، ووضعتها جانبا. دار برأسه فى المكتبة ثم قال إن الجو خانق، وسألنى إن كنت أريد الخروج للجلوس عند البوابة، فوافقته، استندت إلى ذراعه، وخرجنا نجر أقدامنا كالنساء الثكالى.
عند خروجنا، وجدت الشماس نائما على الأرض بقرب بابى، فدعوته للذهاب إلى بيته، وأكدت أننى لن أحتاجه الآن فى شىء. مضى ظلام ما قبل الشروق، ومضينا إلى البوابة. لم يكن قمر السماء منيرا، فقد كان أوان المحاق. جلسنا فى ظلام ما قبل الشروق، على الحجر الذى كنت جالسا عليه يوم جاءتنى خالة مرتا فجرا، لتخبرنى بأمر ذهابهما إلى حلب. الحجر الذى جلس عليه بعدى، الحارس الرومانى الذى طلبها للزواج!
هل ودعته عند رحيلها؟ وما الذى شجعه أصلا، لأن يقترح عليها الزواج؟ أتراه نال منها نيلا فى العشرين يوما، التى أخذتنى فيها الحمى؟
كنت أنظر إلى ناحية الكوخ الغارق فى الظلام، وكان الفريسى صامتا يرسم على الأرض التى تربع عليها، بعود يابس، أشكالا متقاطعة.. جاءت نسمات باردة، فأغمضت عينى وملأت صدرى منها، ثم زفرت زفرة مكلوم. أشار بالعود اليابس إلى جهة الكوخ، وقال إن المرأتين رحلتا عن هنا. لم أرد. أضاف أنه لم يكن يستبشر بما شرعنا فيه، من أمر الغناء فى الكنيسة. لم أرد. قال إنه لم يكن يرتاح لهذه المرأة التى اسمها مرتا، فخفق قلبى بشدة.. تلونت السماء بحمرة الشروق، وشعرت ببرد الهواء فطلبت منه أن نعود إلى المكتبة لأنام قليلا، فقام معى، لم أستند إلى ذراعه فى طريق عودتنا، وقبل أن يفارقنى عند الباب، سألته إن كان يخفى شيئا عنى؟ قال:
أنت الذى تحاول إخفاء ما فيك، مع أننا جميعا نعرفه!
ماذا تقصد؟
لا شىء يا هيبا. ولكنك كنت تنادى كثيرا باسم هذه المرأة، مرتا، فى نوبات الحمى.. رحيلها عن هنا.، رحمة من الرب بك وبنا، فنحن كما تعلم، لن نرضى لك ما هو غير صالح.. وقد كانت هذه المرأة، أمرا غير صالح بالمرة.
أغلقت خلفى باب المكتبة، وارتميت فوق الدكة القريبة.. لا أعرف كيف نمت؟ ولكننى انتبهت فزعا ساعة الفجر، وقمت من فورى إلى الطاولة، والتهمت كل ما كان بالمنديل من فاكهة، كنت آكل مثل مريض بجوع كلبى، وكانت دموعى تسيل.. ملت برأسى على راحتى الموضوعتين فوق الطاولة، ثم أجهشت بالبكاء والنشيج. أفقت بعد حين، وقد أزاحت كل الأفكار عن رأسى، فكرة واحدة. لقد انتهى كل شىء. انهزم نسطور، واختفت مرتا، وغاب عزازيل، وعرف أهل الدير حقيقة حالى. لقد انتهت حياتى كلها، فليس أمامى إلا الموت.
أمامك حياة طويلة يا هيبا، فلا تفكر الآن فى الموت.
عزازيل.. أين كنت؟
أفهمنى أنه كان، وسيظل دوما، حولى، وأن العالم الحقيقى إنما هو فى داخلى، وليس فى الوقائع التى تثور وتهدأ، وتنتهى لتنبدأ أو يبدأ غيرها.. استغربت من أنه لم يكن مختبئا، وحين ظهر لى لم يكن مكتئبا. كنت مازلت منكفئا برأسى على الطاولة، مغمضا عيناى، ومحدقا فى الفراغ. سألته:
هل أسقى نفسى سما لأخلص مما بى، ويتخلص الهواء إلى الهواء؟
هل جننت! الموت لا معنى له. المعانى كلها فى الحياة، أنا حى دوما، ولن أموت إلا بموتك، وموت المؤمنين بى، والمكتشفين وجودى فيهم.. وليس من حقك أن تميتنى، بموتك، قبل الأوان؟ كيف أحيا، وقد جرى كل ما تعرفه؟
تحيا يا هيبا لتكتب، فتظل حيا حتى حين تموت فى الموعد، وأظل حيا فى كتاباتك.. اكتب يا هيبا، فمن يكتب لن يكوت أبدا.
عزازيل يعشق الحياة فهى مرتعه، ولذلك هو يكره الداعين إلى نبذ المباهج والأفراح، ولا يطيق الزهاد والمنقطعين عن الحياة. يسميهم الحمقى! قمت من جلستى، فأغلقت الشباك الذى كان مفتوحا على ساحة الدير، وكان نور الصباح قد بدأ إشراقه. أردت مواصلة الكلام مع عزازيل، فأسندت جبهتى إلى الجدار، وسألته:
أأنت الذى قابلتنى عند حدود بلدة سرمدة، وعند نزولى من جبل قسقام بمصر؟
ما هذا الذى تقول؟ أنا لا وجود لى، مستقلا عنك. أنا يا هيبا أنت، ولا أكون إلا فيك.
ألا تتجسد يا عزازيل فى أشخاص بعينهم؟ التجسد خرافة.
سمعت صوت أقدام، ففتحت الشباك ثانية. كان جماعة من رهبان الدير آتين لزيارتى، وكان معهم خادمان يحملان طاولة كبيرة، عليها طعام الفطور.. أخبرونى أن رئيس الدير سيلحق بهم، وسوف نفطر جميعا هنا. كان ذلك عطفا كبيرا منهم.
تكلم رئيس الدير بعدما تلا بعض المزامير، فقال لنا وكأنه يحدثنى أنا، تحديدا: يا أبناء الرب، دعونا فى هذا الصباح المبارك ندعو الله ونبتهل إليه شاكرين نعمته، ومستجلبين رحمته.. واعلموا أن الله حاضر دوما فى قلوبكم، وإن كان عرشه فى السماء. وقد رأيت أن الكثيرين منكم، قد فجعوا بما جرى فى إفسوس، واهتز إيمانهم، واضطربت قلوبهم. والذى جرى محزن لنا، فليشملنا الرب جميعا بعفوه. ولكن طريقنا نحن الرهبان، لا شأن له بمشكلات اللاهوت والمجادلات الدائرة بين رءوس الكنائس. هؤلاء يثورون حينا، ويهدأون أحيانا، فليكن بينهم ما يكون، وليكن بيننا الطريق الذى بعون الرب اخترناه، وليجمع بيننا أمر وحيد هو محبة الرب وبشارة يسوع وتوقير العذراء المقدسة، سواء هى أم الإله، أم أم المسيح. فنحن وقد ودعنا صخب الدنيا، نعرف العذراء بقلوبنا، لا بأقوال اللاهوتيين ولا بمذاهبهم. سوف نلتزم هنا بقانون الإيمان الذى صاغوه فى إفسوس، ونجمع الناس إليه فى حظيرة الرب، حتى لا نترك العوام للشيطان، فيعبث بهم إذا تفرقوا. ولنا من بعد ذلك، طريق إلى الله، لا يحده قانون مكتوب، ولا كلمات مخصوصة. للرهبنة سر يعلو فوق الألفاظ، ويسمو عن اللغات، ويدق عن التعبيرات. ولسوف تظل الرهبنة والشركة والديرية، منارة تهدى المؤمنين، وسبيلا لمن وهبوا أنفسهم، مخلصين فى محبتهم للرب، وتعمقوا فى إيمانهم بيسوع المسيح، وفى تقديسهم للسيدة العذراء.
طابت نفسى من كلام رئيس الدير، فأكلت مع الرهبان لقيمات. غير أننى كنت أشعر ساعتها بعزازيل، يجلس فى الركن القصى من المكتبة، ويبتسم بمكر وسخرية.. ودعنى الرهبان، وذكرنى رئيس الدير بضرورة الخلود إلى الراحة. وسألنى إن كنت أريد شيئا من مطبخ الدير، فشكرته.
أوان العصر عاودنى الحنين، وتكدرت روحى. كنت وحدى فى المكتبة، فدعوت عزازيل لأنشغل بآرائه العجيبة عما أعانيه، سألته عن رأيه فيما قاله رئيس الدير فى الصباح، فأجاب وهو يبتسم ويمعن فى إغاظتى: ماذا يمكن لرئيس الدير أن يقول غير ما قاله، وإلا صار عليه أن يجد مكانا غير هذا الدير، ليرأسه! رأيت أنه يتجنى على الأب الجليل، فزعقت فيه بأن يلتزم الأدب.. فاختفى.
فى أول المساء جلست إلى الطاولة، ونويت أن أكتب ترنيمة جديدة. كان الشعر يلح على بشدة، فأديت صلاة الليل وحدى، وأحضرت الرقوق. كتبت هذه القصيدة:
يا إلهى، أشرق بخيط من نورك الأزلى،
ينير قلبى المظلم، ويبدد وحشتى.
يا أبانا الذى فى السماء، أفض على الأرض ببشارات العزاء، فكلنا محزونون، وأحزاننا موجعة.
يا يسوع المخلص، أنت مبدؤنا ومنتهانا، وأنت بقاؤنا بعد فناء دنيانا.
كتبت الأبيات بعد محاولات عسرة، كأننى أقتلع الكلمات من جوف قلبى، فتدمينى. كان بدنى لم يزل هزيلا، وكنت على وشك الذهاب فى سكرة نعاس، تأخذنى إلى الأفق البعيد، غير أننى فوجئت بصوت عزازيل يتصعد من أقصى مواطن فراغى، وأحلكها، فيسيل قلبى بين الضلوع، ويشعرنى بأن السماء انطبقت على الأرض وأنام محشور بينهما. كان يقول: متى يا هيبا ستكتب الكتابة الحقة، وتكف عن المراوغة وتتغنى بالألم الذى فيك؟ لا تكن مثل ميت ينطق عن ميتين، ليُرضى الميتين! قل الحق الذى بقلبك، مثلا: يا مرتا، أشرقى بلحظة من وصالك، لتنيرى قلبى المظلم، وتبددى وحشتى..
اسكت يا ملعون، لن أتغنى إلا بالمسيح الحى.. فالشعر در منظوم، وقد قال المسيح يسوع: لا تلق بالدر للخنازير.
هل صارت مرتا عندك كالخنازير. أفق يا هيبا وانتبه، فإن شوقك إليها يعتصرك ويهصر قلبك.. اذهب إليها، خذها وارتحل عن هذه البلاد. اسعد بها ودعها تمرح، ثم صب علىّ اللعنات لأننى أغويتك؛ فنكون نحن الثلاثة قد تحققنا، وحققنا ذواتنا.
قلت فى نفسى، لن أصغى لتشكيكات عزازيل، فهو بطبعه متشكك ومثير للقلق. سوف أغسل قلبى بماء اليقين، وأستعصم بإيمانى من غواياته وهرطقته وميله للمتع الزائلة. مهما كان تعلقى بمرتا، فإنه مؤقت، مثل كل ما فى الدنيا. ولن أبيع الباقى من أجل الفانى، والغالى من أجل الرخيص. سوف أعيش حياتى فى المسيح الحى.
أهو حى، كيف وقد قتله الرومان؟
مات أياما، ثم قام قيامته المجيدة من الموت! وكيف مات أصلا.. كيف لك أن تصدق يا هيبا، أن الحاكم الرومانى بيلاطس وهو الإنسان، قادر على قتل المسيح الذى هو الإله.
كان ذلك هو السبيل الوحيد لخلاص الإنسان.
بل كان السبيل الوحيد لتخليص المسيحية من اليهودية!
لم أشأ أن أسمع من عزازيل المزيد لكنه ظل يهمس فى أذنى، أثناء نومى، برأى عجيب. كان يقول أشياء كثيرة، منها أن اليهود أهانوا فكرة الألوهية التى اجتهدت الإنسانية طويلا كى تصوغها. حضارات الإنسان القديمة علت بالإله، واليهود جعلوه فى توراتهم منهمكا مع البشر، فكان لابد من إعادته إلى السماء ثانية.. وهكذا جاءت المسيحية لتؤكد وجود الله مع الإنسان فى الأرض، فى شخص المسيح، ثم ترفعه مستعينة بالأساطير المصرية القديمة، إلى موضعه السماوى الأول. بعدما ضحى (الإله) بنفسه، على ما يزعمون، من أجل خلاص البشر من خطية أبيهم آدم!.. فهل انمحت الخطايا بعد المسيح، وهل صعب على الله أن يعفو عن البشر بأمر منه. من غير معاناة موهومة، وصلب مهين، وموت غير مجيد، وقيامة مجيدة.
***
غاب عزازيل بداخلى وسكت، فغمرتنى راحة مفاجئة، شعرت بعدها بالفراغ يلفنى.. بعد حين توسدت فراغى، ونمت فى نومى.


هوامش
(1) فى هامش الرَّقِّ، كُتب بالعربية : هو يقصد كتاب المجسطى، وهو العمدة فى علم الفلك حتى يومنا هذا، رأيتُ منه نسخةً يونانية قديمة ، وعدة ترجمات عربية عليها حواشٍ كثيرة، فى كنيستنا بالرها .

(2) العاع المذكور فى هذا الرَّقِّ ، مرتين ، هو على الأرجح الاسم المصرى القديم، للمرض الذى صرنا نعرفه فى العصر الحديث باسم البلهارسيا .. (المترجم) .

(3) فى طرف الرَّقِّ ، كُتب باللغة العربية: هم أربعةُ رهبان، أخوةٌ ، كانوا ينتصرون لأوريجين ويعدونه قديساً. وكانت قامة الرهبان الأخوة الأربعة طويلة ، فعُرفوا لذلك بالأخوة طوال القامة . وقد طافوا البلاد للدعوة لمذهبهم بعدما طردتهم الإسكندرية ، فصار لهم أتباع يمجدون أوريجين ويقدِّسونه .

(4) فى طرف الرق ، مكتوب بالقلم العربى الدقيق : بطرس القارئ هذا، ارتقى بعد ذلك سُلَّم الأكليروس حتى صار أسقفاً، وقد اتخذ لنفسه الاسم الكنسى: مونجوس . هذا هو كل المكتوب بالحاشية، ولم أستطع التأكد من صحة هذه المعلومات .. (المترجم)