عزازيل زيدان بين الحقيقة والتزييف




دراسة بقلم عماد توماس


قبل الكلام
يُتحفنا الدكتور يوسف زيدان، الباحث المتخصص في التراث العربي والمخطوطات، في روايته “عزازيل” بكم كبير من الإثارة والتشويق مع التلفيق والتزييف، بدءًا من صورة الغلاف حتى نهاية روايته.
فرغم أننا أمام عمل ابداعى لا ينكره القاصي والداني، يحتوى على الكثير من البراعة فى السرد، ولغة عربية سليمة، ومناجاة صوفية، ومجادلات عقائدية، إلا انه كمن يضع السم في العسل، فهو يخدع القارئ ليوحي له أن روايته حقيقية، وقد يرَ البعض أن هذا نوع من مخايلات السرد، أو أن الرواية تنتمي إلى المدرسة الرمزية والمجازية، لكن الملفت للانتباه هنا، أن صاحب الرواية يزعم أنها حقيقية، فنجيب محفوظ فى روايته “أولاد حارتنا” لجأ الى الرمز ربما خوفًا من الرقابة وسلطة المنع والمصادرة، بينما كاتبنا هنا لا يوجد ضرورة ملحة للجوء للرمزية والمجازية لكنه يحاول بكل الطرق إثبات حقيقة روايته . فنجده يضع صورة الغلاف لبردية محفوظة بمتحف فينا للأسقف ثاوفيلوس يدعو فيها لهدم السرابيون، ليوحي للقارئ أن كتابه يجسم حقائق تاريخية ، حتى انه يكتب اسم “رواية” على الغلاف بحجم خط صغير. ويبدأ روايته بحديث شريف رواه الإمام البخاري يقول “لِكُلِّ امرئٍ شَيْطَانُهُ ، حَتَّى أَنَا ، غَيْرَ أَنَّ الله أَعَانَنى عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ ” ويضع هوامش للكتاب فيضع توضيحا لكلمة “تنيح” بالسريانية أنها تعنى مات أو توفى ويضع في نهاية الجملة كلمة “المترجم” ليوحي للقارئ أن روايته عبارة عن مخطوطة سريانية حقيقية مترجمة وفى ص 26 يضع هامشا آخر فيقول ” عند هذا الموضع، كُتب بقلم دقيق في هامش الرق، باللغة العربية…” ليزيد حبكته إثارة !!
ويختتم روايته ببعض الصور الحقيقية للفيلسوفه هيباتيا، وبقايا المسرح الذي كانت تلقى فيه هيباتيا محاضرتها، وصورة لأطلال الدير ومشهد غربي له، وصور للخرائب الأثرية الواقعة شمال غرب حلب ويقول عنها “حيث وُجدت الرقوق” ليكمل حبكة روايته .وصورة أخرى لبقايا منزل بطل روايته الخيالي “هيبا” في بلاده الأولى !!
وفى غلاف روايته الخارجي يقول “…يضم هذا الكتاب الذي أوصيت أن ينشر بعد وفاتي، ترجمة أمينة قدر المستطاع (لاحظ الأمانة) لمجموعة اللفائف التي اكتشفت قبل عشر سنوات بالخرائب الأثرية الواقعة إلى جهة الشمال الغربي من مدينة حلب السورية…وقد وصلتنا بما عليها من كتابات سريانية قديمة في حالة جيدة، نادراً ما نجد مثيلا لها، مع أنها كُتبت في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي…محفوظة في صندوق خشبي، محكم الإغلاق، أودع فيه الراهب المصري الأصل هيبا ما دونه من سيرة عجيبة وتاريخ غير مقصود لوقائع حياته القلقة، وتقلبات زمانه المضطرب…”
ويضيف زيدان : “قد جعلتُ فصول هذه (الرواية) على عدد الرقوق التي هى متفاوتةُ الحجم؛ بطبيعة الحال . وقد أعطيتُ للرقوق عناوين من عندي، تسهيلاً لقارئ هذه الترجمة التى يُنشر فيها هذا النص النادر لأول مرة”.
القارئ لأول وهلة يتيقن انه أمام عمل حقيقي ولا يعتريه شك أمام هذا التزييف، فقد حاول الراوي أن يغلفه بوقائع تبدو حقيقة، وليس خافيا على الدارسين أن شخصية الراهب هيبا لا أصل لها تاريخيا وهى من نسج خيال الكاتب.
وفى مقدمة الراوية يقول زيدان الذي يتقمص دور المترجم ببراعة يُحسد عليها ” وقد أمضيتُ سبع سنين في نقل هذا النصِّ من اللغة السريانية إلى العربية. غير أنني ندمتُ على قيامي بترجمة رواية الراهب هيبا هذه، وأشفقتُ من نشرها في حياتي. خاصةً وقد حَطَّ بى عمري في أرض الوهن، وآل زماني إلى خَطِّ الزوال .. والرواية في جملتها تقع في ثلاثين رَقَّاً، مكتوبة على الوجهين بقلمٍ سرياني سميك، بحسب التقليد القديم للكتابة السريانية الذي يسميه المتخصصون الخط الأسطرنجيلـى ؛ لأن الأناجيل القديمة كانت تُكتب به . وقد اجتهدتُ في التعرُّف إلى أية معلومات عن المؤلِّف الأصلي، الراهب هيبا المصري، إضافةً لما رواه هو عن نفسه في روايته ، فلم أجد له أىَّ خبرٍ في المصادر التاريخية القديمة. ومن ثم ، فقد خَلَت المراجع الحديثة من أىِّ ذكرٍ له . فكأنه لم يوجد أصلاً، أو هو موجودٌ فقط في هذه (السيرة) التي بين أيدينا. مع أنني تأكَّدتُ بعد بحوثٍ مطوَّلة من صحةِ كُلِّ الشخصيات الكنسية، ودِقَّةِ كل الوقائع التاريخية التي أوردها في مخطوطته البديعة هذه، التي كتبها بخطِّه الأنيق المنمَّق من دون إسرافٍ في زخرفة الكلمات ، وهو ما تُغرى به الكتابة السريانية القديمة (الأسطرنجيلية) الزخرفية بطبعها، ولستُ واثقاً من أن ترجمتي هذه إلى العربية، قد نجحتْ في مماثلة لغة النص السرياني بهاءً ورونقاً…” وينهى زيدان كتابه مقدمته فى الإسكندرية فى 4 ابريل سنة 1994 بتوقيع المترجم، ليوحى للقارئ أننا أمام عمل مترجم سعى المترجم فيه لتوخى الحذر لإكمال هذا العمل خدمة للبشرية.
. وفى تصريح لزيدان لجريدة ” المصري اليوم” 26-7-2008 أكد أن رواية (عزازيل) وقائعها حقيقية باستثناء الراهب “هيبا” البطل الرئيسى فى الأحداث .

تشكيك في العقيدة المسيحية
• شن زيدان على لسان شخوص روايته هجومًا على معظم أساسيات الإيمان المسيحي، من تحريف للتوراة والإنجيل، و وصف التجسد بالخرافة، وإنكار صلب المسيح وموته وقيامته، وتشكيك في عقيدة الثالوث، ولاهوت المسيح، ومجئ العائلة المقدسة إلى مصر، وتمجيده للهراطقه أمثال اريوس ونسطور …ناهيك عن الهجوم على الرهبنة ووصف استمرار وقوع راهبه المزعوم (هيبا) في خطايا جنسية بدون توبة حقيقية. ونسرد هنا بعض من الإشارات التي أوردها زيدان في روايته مشككا في أساسيات الإيمان المسيحي:
• يشكك في عقيد الثالوث ويزعم أنها جاءت من الأفلاطونية ” وان كثير من أصول الديانة أتت من هناك، لا من هنا! مثل الرهبنة، حب الاستشهاد، علامة الصليب، كلمة الإنجيل..حتى الثالوث المقدس ، هو فكرة ظهرت أولا بنصوع عند أفلوطين،…” ص 34 وان الثالوث إعادة بعث للديانة المصرية القديمة وأنه لا يصح أن نقول أن الله ثالث ثلاثة.” ص 54
- عقيدة خلق الإنسان ينسبها إلى الإله خنوم الذي كان القدماء يعتقدون أنه يصنع البشر من طين الصلصال، ثم ينفخ فيهم مون ليهبهم الحياة ص 40
- سأل الراهب هيبا، نسطور : يا سيدي ، هل تعتقد أن يسوع هو الله أم رسول الإله؟ ص 47
- نسطور يقول لهيبا : إبليس هو المحرَّك الرئيسي لكل ما جرى قبل مائة عام في مجمع نيقية، وان ما جرى في مجمع نيقية باطل من تحته باطل، ومن فوقه باطل ص 52
- يتهم الإمبراطور قسطنطين بإحراق كل الأناجيل التي بأيدي الناس، عدا الأربعة المشهورة ص 53
- يمدح ويمجد الهراطقة فيكتب عن اريوس انه “القس المصري ” وكان رجلا مفعمًا بالمحبة والصدق والبركة ص 53 وعن نسطور ” الأب الطيب، الروح اليسوعي الخالص، القس المبجل” ص 205
- يقول أن اريوس تم اغتياله بالسم !! ص 54 ويكررها في ص 253.
- يُشكك في مجئ العائلة المقدسة إلى مصر، بقوله : كيف جاءت العذراء إلى هنا-مصر- هاربة بوليدها، بعد سنوات من وفاة الحاكم الذي تزعمون أنه كان يقتل أطفال اليهود ص 61
- يتهكم على القديس كيرلس بأنه لا يسمع إلا ما يحفظه ويتلوه على الناس كل ليلة ص 68
- يشكك في صلب المسيح على لسان راهبه المزعوم هيبا قائلا: أتراه صُلب حقًا؟ ص 72 وعلى لسان رئيس الدير ” لا صحة لما يُقال عن وجود المسامير التي دُقت في جسد يسوع وتضئ بالليل في الدير” ص 215.
- يشكك في موت المسيح على لسان عزازيل “الشيطان” الذي يقول للراهب “كيف مات أصلا…كيف لك أن تصدق يا هيبا، أن الحاكم الروماني بيلاطس وهو الإنسان، قادر على قتل المسيح الذي هو الإله” ص 365
- يفرد حوالي 50 صفحة من ص 80 حتى ص 123 ومن ص 305 إلى 310 لمقاطع جنسية عن غوايات اوكتافيا ومارتا حتى أن الراهب يقول ” لن استطيع تدوين بقية ما جرى بيننا في ليلتنا الأولى هذه..ليلتنا..كانت حافلة بالشهوات المحرمة التي أهبطت آدم من الجنة..تُرى هل طرد الله آدم من الجنة لأنه عصى الأمر.أم لأنه عرف سر أنوثة جواء، أدرك رجولته واختلافه عن الله، مع أنه خلقه على صورته !” ص 90…”هل تعبت في أول الليل، فماذا ستفعل في آخره” !! ص 114.
• يقول على لسان راهبه الخيالي: إن التوراة التي نؤمن بها، مليئة أيضًا بمخادعات وحروب وخيانات. وإنجيل المصريين الذي نقرأ فيه، مع انه ممنوع، فيه ما يخالف الأناجيل الأربعة المتداولة!” ص 98 ويصف التوراة بأنها كتاب عجيب، يهزأ من المصريين القدماء ويتهم نساءهم. ص 119 ويقول عن الآيات التوراتية المشهورة أنها “لا يمكن أن يصدقها غيرنا ” ص 120
- بعد وقوع الراهب هيبا في غواية اوكتافيا تخطر بباله فكرة جامحة أن يخصى نفسه، مثلما فعل اوريجين “اوريجانوس” ويقول أن البعض اعتبره قديسا وآخرون اعتبروه مذنبًا ص 129.
- يتهم البابا كيرلس بتحريض المسيحيين على قتل الفيلسوفة هيباتيا، بعد خطبة نارية قال فيها ” يا أبناء الله، يا أحباء يسوع الحي، إن مدينتكم هذه، هى مدينة الرب العظمى، فيها استقر مرقس الرسول، وعلى أرضها عاش الآباء، وسالت دماء الشهداء، وقامت دعائم الديانة.ولقد طهرناها من اليهود، المطرودين.أعاننا الرب على طردهم، وتطهير مدينته منهم. ولكن أذيال الوثنين الأنجاس، مازالت تثير غبار الفتن في ديارنا…لقد صدق ربنا يسوع المسيح، حين نطق بلسان من نور، فقال: الحق يطهركم! فتطهروا يا أبناء الرب، وطهروا أرضكم من دنس أهل الأوثان.اقطعوا ألسنة الناطقين بالشر.ألقوهم مع معاصيهم في البحر، واغسلوا الآثام الجسيمة.اتبعوا كلمات المخلص…لما قال : ما جئت لألقى في الأرض سلاما، بل سيفا!” ص 151-152
- يتهم البابا كيرلس أيضا، بأنه دفع للجنة القضائية رشاوى كثيرة وبذل لهم هدايا نفيسة، لطمس واقعة قتل هيباتيا ص 175
• يصف الرهبنة بالبدعة التي ابتدعها المصريون ص 217 ويصف اختيار أحد الرهبان لحياة الرهبنة بسبب إجباره فتاة أحبها على الزواج من شخص آخر ص 168 ويحط من قدر النساء على لسان احد الرهبان الذي يقول ” الأنوثة والنساء سبب كل بلاء” ص 220
• يتهكم على انبثاق يسوع المسيح من العذراء ويصف الانبثاق بأنه لفظ فلسفي لا يجوز استخدامه للتعبير عن التجسد ص 220
• يثير سبب الخلاف بين نسطور و كيرلس حول أن العذراء مريم هل هى أم المسيح “خريستوكوس” أو أم الله “ثيوتوكوس” ص 223-224
• يقول عن الله هل يحلم الرب؟ من يدرى فقد يكون هذا الكون بكل ما فيه، هو حلم واحد من أحلامه” ص 230 ويتساءل هل خلق الله الإنسان أم العكس؟ ص 348
• يتهكم على لسان نسطور، على صورة القديس مرقس جالسا بجواره رمز الأسد ص 247
• يصف التجسد بالخرافة ص 362
وبالطبع لا يتسع المقام هنا، لتفنيد مزاعم زيدان، ولسنا نهدف لتقديم رد لاهوتي على مزاعمه الخاصة بإلوهية السيد المسيح وعقيدة التجسد وإنكار صلب المسيح ، لكننا سنتطرق إلى الرد التاريخي على بعض الأحداث التاريخية التي رواها وكأنها حقائق مطلقة !!

هل اقتبس زيدان فكرة روايته من رواية هايبشيا ؟
في عام (1853م) صدرت رواية هايبيشيا التي كتبها الروائى الكبير تشارلز كنجزلى ، وترجمها للعربية الدكتور الراحل عزت ذكى وصدرت عن دار الشرق والغرب بشارع الجلاء بالقاهرة في فترة السبعينات- وقد حصلنا بصعوبة شديدة على نسخة منها- وهى تحكى الأحداث التي أحاطت بموتها. و هايبيشيا ( 355-415م ). عالمة رياضيات وفيلسوفه مصرية، كانت أول امرأة تصبح مشهورة في مجال الرياضيات. كما كانت أيضًا زعيمة للحركة الفلسفية المعروفة باسم الأفلاطونية المحدثة، التي تطورت من أفكار الفيلسوف الإغريقي القديم أفلاطون.
ولدت هايبيشيا في مدينة الإسكندرية بمصر، التي كانت وقتها مركزًا مرموقًا من مراكز المعرفة. وشاركت مع والدها ثيون، وهو عالم رياضيات وفلكي… كانت هايبيشيا تحاضر في الفلسفة، والفلك، والرياضيات، والدين في منزلها وفي قاعات المحاضرات بمدينة الإسكندرية.
استندت رواية هايبيشيا لكنجزلى ، على الأحداث التي أحاطت بموتها. ويروى أن الرعاع حملوها إلى إحدى الكنائس وقطعوها إربًا، ثم أحرقوا أوصالها في الشارع. وهى نفس الفكرة التي استند عليها زيدان في روايته مضيفا بعدا أخر باتهام البابا كيرلس المعروف بعمود الدين- بأنه المحرض على قتلها.
المدهش أن زيدان كأنة اتفق مع تشارلز كنجزلى في روايته في جعل الشخصية الرئيسية للأحداث هى شخصية الراهب الذي سماه زيدان بالراهب “هيبا” وسماه كنجزلى بالراهب” فليمون” وكلاهما شخصية خيالية.
والروايتين يقصان حكايات في نفس الفترة الزمنية –القرن الخامس- والأحداث معظمها تدور في مدينة الإسكندرية.
وفى رواية “هايبشيا” –مثلما في رواية عزازيل- يتعرض الراهب فليمون لغواية النساء ص 18 ، ويرغب في زيارة الكنيسة الكبرى بالإسكندرية ص 19، ويكلفه رئيس الدير بتوصيل رسائل للبطريرك كيرلس بالإسكندرية ص 22، ويكون الراهب شاهدا على مقتل هايبشيا ص 212-217
..فما أجمل هذا التوارد العجيب في الفكر !!
لكن تفرد زيدان فى رواية عزازيل بكم الهجوم والتشكيك فى العقيدة المسيحية والمشاهد الجنسية
ويبدو التركيز في رواية هايبشيا على قصة حياتها ومقتلها وهى رواية إيمانية، تبرز تضاءل نور الفلسفة القديمة، فبعد مصرع هايبشيا عرف أتباع الفلسفات القديمة أن العالم لم يعد في حاجة إليهم، وأنهم لم يستطعوا أن يقدموا بديلا عن نور الإنجيل، حتى أن أسماء كثيرة ظهرت وما لبثت أن اختفت وصارت في مهب الريح، فرغم ازدهار مدارس بروكاوس ومارنوس فلاسفة أثينا لكن فلسفاتهم تضاربت وبدئوا يخلطون بين المادة والروح، بين الكيان الأدبي والأخلاقي، وبدأ المجتمع ينبذهم الواحد بعد الآخر، وأغلقت مدارسهم وتشردوا إلى بلاد فارس حيث تسود فلسفة زرادشت، وسادت عليهم عوامل الترف والفساد وهكذا انتهوا إلى الغموض والنسيان.
أما رواية “عزازيل” فمن اسمها هى رواية “شيطانية فعزازيل الذى يعنى فى اللغة العبرية “الشيطان” هو المحرك الرئيسي للأحداث والدافع للراهب هيبا للتدوين والكتابة فبطل الرواية الراهب الذي من المفترض قد تبتل عن العالم يفعل كل أنواع الموبقات والمحرمات بدون ندم أو توبة حقيقية وتشكك الرواية على لسان شخوصها في كل العقائد المسيحية كما رأينا.

هل اريوس مصريًا ومات مسمومًا ؟
يزعم زيدان أن أريوس بــ ” القس المصري ” وانه رجلا مفعمًا بالمحبة والصدق والبركة ص 53 . و لا يوجد مصدر تاريخي-على حد علمنا- لصحة هذه المعلومة !! فقد كان آريوس معلماً وقسيساً ليبي الجنسية، ولد في عام 270 م درس اللاهوت في مدرسة أنطاكية على يد المعلم لوقانيوس، ثم جاء إلى مدينة الإسكندرية وسيم قساً نحو عام 310 ميلادية، وهذا أيضًا ما تؤكده الموسوعة العربية ويكيبيديا.
وقال زيدان أيضا أن اريوس تم اغتياله بالسم ص 54 وكررها في ص 253 وهى تعنى أن هناك من دس له السم ليقتله.وهى تهمة تحتاج إلى دليل قاطع. فالبينة على من أدعى… على أي حال هى معلومة غير مؤكدة تاريخيا، فيخبرنا سقراط -المؤرخ الكنسي- هذه القصة عن وفاة اريوس قائلا: “كان ذلك يوم السبت، وكان أريوس يتوقع أن يجتمع بالمصلين في اليوم الذي يليه، ولكن القصاص الإلهي عاجله فأحبط عمله الإجرامي الجريء. ذلك أنه لما خرج من القصر الإمبراطوري… واقترب من العمود الساقي المقام في سوق قسطنطين، تملكه الرعب، وأصيب بإسهال شديد… خرجت فيه أمعاؤه من بطنه، وأعقبه نزيف حاد، ونزلت أمعاؤه. ومما زاد الطين بله أن طحاله وكبده قد انفصلا من جدة النزيف ومات لساعته”
وهى نفس الرواية التي أوردتها المؤرخة بوتشر في كتابها القيم تاريخ الأمة القبطية

هل حرض البابا كيرلس على قتل هايبشيا؟
شن مؤلف رواية”عزازيل” هجومًا غير مسبوق على البابا كيرلس فبجانب اتهامه له بتحريض المسيحيين على قتل الفيلسوفة هايبشيا “هيباتيا” يتهمه أيضًا بأنه دفع للجنة القضائية رشاوى كثيرة وبذل لهم هدايا نفيسة، لطمس واقعة قتل هيباتيا ص 175
وتخبرنا المؤرخة الانجليزية بوتشر أن صفات كيرلس الأدبية لم يكن فيها ما يستحق الذم ولم يكن في سلوكه ما يوجب الانتقاد…إذ لم يكن يشين آداب بطاركة مصر أو يحط من سمعتهم حتى أن اثناسيوس وكثيرين من زملائه عندما اتهمهم أعداؤهم بالهرطقة والابتداع كان هؤلاء الأعداء يسعون كثيرا في إلصاق تهمات مشينة بشرفهم ولكنهم لم يثبتوها. أما غلطات كيرلس في رأى بوتشر، هى ضعفه في عدم رد خصم أو مقاومة عدو وخموله ” وبالطبع نحن نزعم -ولا يمكن أن نزعم- أن البابا كيرلس كان معصومُا عن الخطأ فهو إنسان له أخطاءه وخطاياه.

ونحن نوثق هنا من خلال بعض الوثائق لقصة مقتل هايبشيا “هيباتيا” والتي لا احد ينكر تاريخيا حدث قتلها البشع على أيد بعض من المسيحيين، لكن الإشكالية التي نحاول تفنديها هنا هل كان البابا كيرلس هو المحرض على قتلها ؟
أولا : ما جاء في قصة الحضارة لديورانت عن مقتل هايبشيا بدون ذكر للبابا كيرلس فيقول: ” وفي ذات يوم هجم عليها(هايبشيا) جماعة من المتعصبين يتزعمهم “قارئ” أي كاتب صغير من موظفي سيريل، وأنزلوها من عربتها، وجروها إلى إحدى الكنائس، وجردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قضوا على حياتها، ثم قطعوا جسمها إرباً، ودفنوا ما بقي منها في مرح وحشي شنيع”
ثانياً: فى كتاب تاريخ الأمة القبطية لبوتشر مجلد 2 ص 26 تحكى المؤرخة بوتشر قصة مقتل هايبشيا وتقول في النهاية ” ولا يوجد سبب يدعو إلى الظن بان كيرلس كان يعرف شيئا عن هذه الحادثة المريعة قبل وقوعها ولكن هذا لا يبرئه من المسئولية الكبرى الملقاة”

ثالثا: يؤكد الشماس منسى القمص في كتابه تاريخ الكنيسة القبطية-1924م أن الفيلسوف هايبشيا التي غدر بها بعض الطائشين بدون ترو وبدون أن يعلم البابا كيرلس مطلقا.

آخر الكلام
هل تتذكرون العبارة الخالدة التي قالها فولتير للمفكر الفرنسي جان جاك روسو عندما اختلف معه في الرأي فقال له فولتير (أنا أختلف معك في كل كلمة تقولها، ولكنني على أتم الاستعداد أن أضحي بحياتي كلها حتى تملك الحرية وتقول ما تريد!!). من هذا المنطلق الحضاري، ورغم الكثير من التجاوزات التاريخية الغير موثقة في رواية “عزازيل” والهجوم الغير مبرر على الإيمان المسيحى، إلا أننا مع حرية الرأي والتعبير والإبداع لأقصى مدى ولا ندعو أبدًا للمصادرة والمنع، ونقف مع الكاتب تماما في حريته أن يعبر عن رأيه، فالرأي يقابل بالرأي والفكر بالفكر. ومن يقف على صخرة الحق لا يخشى الأمواج الهائجة، لكننا نطلب عدم الكيل بمكيالين، وألا يكون الإبداع من طرف واحد.
ولعل ابسط خاتمة لهذه الدراسة ما جاء بها على لسان رئيس الدير في رواية “عزازيل” ص 262 عندما قال : “عزازيل لديه حيل ومداخل أدق من ذلك وأمكر”…وهو قول صحيح مائة في المائة وخير دليل على ذلك رواية “عزازيل” !!