مذكرات تحية عبد الناصر الجزء الثامن


بقلم تحية جمال عبد الناصر


عبد الناصر وعرفات والملك حسين في مؤتمر القمة الطارئة




صيف 1970..
نجح عبدالحكيم أصغر أبنائنا فى الامتحان لينتقل من سنة ثانية ثانوى إلى الثالثة. قبل الامتحان قال له الرئيس: إذا كانت النتيجة أكثر من80 فى المائة تطلب أى شىء تريده ومحمد أحمد ــ سكرتيره الخاص ــ يحضره لك. نجح عبدالحكيم بمجموع 84 فى المائة، ودخل لوالده يخبره، وكان حكيم كل يوم ينتظر فرصة ليدخل لوالده فى حجرته فيصافحه ويقبله، وإذا كان الرئيس أحضر كاميرا أو راديو أو جهاز تسجيل صغير يلفت نظره ويقول له: هل أعجبتك؟ وعند خروج عبدالحكيم من الحجرة يقول له: خذها معك.. ثم يقول لى: إنه جدع لطيف. هنأ الرئيس ابنه عبدالحكيم وقبله وسأله: ماذا تطلب؟ رد عبدالحكيم قائلا: يا بابا أنا لا أريد شيئا السنة دى.. أريد أن أذهب إلى لندن لمدة أسبوع مع مهندس الطائرة سعد الصيرفى، الذى كان يرافق الرئيس فى رحلاته، وكان حكيم يقابله فى مكتب السكرتارية.. فقال له الرئيس، وكنت فى الحجرة وقت دخول حكيم: إن لك أخوة فى الجبهة الآن فى الحر وأنت تذهب إلى لندن؟ إن شاء الله بعد ما نطلع اليهود أرسلك تسافر كما تشاء حتى لو طلبت أن تذهب لطوكيو. وكان عبدالحكيم فى الخامسة عشرة من عمره فقال: نعم يا بابا. وطلب من محمد أحمد شراء موتوسيكل.. وكنت لا أوافق على ركوب الموتوسيكل، فأحضره ولم يظهره لى حكيم حتى رأيته فى إسكندرية وهو يركبه. كنت أجلس مع الرئيس فى حجرته وتحدث معى عن أنور السادات نائب الرئيس وقال: إنه أطيب واحد ويحبنا.. ولا ينسى أبدا.. ودائما يقول لى أنا لا أنسى فضلك.. لم أكن فى الثورة وأنت بعت لى وجبتنى، وقال لى الرئيس: إنت عارفة إنه ما كانش فى الثورة وأنا بعت جبته؟ فقلت: نعم أعرف ذلك. ولم يكن أنور السادات فى القاهرة وقت قيام الثورة وأرسل الرئيس فى طلبه من رفح. سافر الرئيس للاتحاد السوفييتى وذهبت إلى إسكندرية مع خالد وعبدالحكيم، وكان بعد انتهاء امتحان آخر السنة. بعد انتهاء زيارة الرئيس لموسكو وقبل عودته عمل له فحص طبى، وأشار عليه الأطباء هناك بأن يذهب فى مكان قريب من موسكو.. وقالوا له: إنك لم تستكمل العلاج وقت النوبة القلبية وكان يلزمك وقت للراحة. وكان ضمن المرافقين هيكل ورجع بعد انتهاء الزيارة فى موسكو.. طلبنى فى التليفون، وقال لى: إن الرئيس يهديك سلامه وهو بخير وسيبقى فى الاتحاد السوفييتى أسبوعين للاستجمام. وقت وجود الرئيس فى موسكو خرجت لزيارة إحدى السيدات فى المساء، وبعد رجوعى للمنزل قال لى السفرجى: إن سيادة النائب أنور السادات حضر فى غيابك وسأل عنك وعن الأولاد، ولم يكن أحد منهم موجودا. كنت قلقة على صحة الرئيس لبقائه فى الاتحاد السوفييتى رغم مكالمة هيكل لى، وطلبت أنور السادات فى التليفون وسألته عن صحة الرئيس فقال لى: اطمئنى إنه بخير وبصحة جيدة. بقيت فى إسكندرية حتى قبل رجوع الرئيس بيوم، ثم رجعت للقاهرة مع الأولاد لنكون فى استقباله، وكان قبل عيد ثورة 23 يوليو بأيام قليلة. حكى لى الرئيس عن بقائه فى الاتحاد السوفييتى وأنهم قالوا له إنها الطريقة التى يمكن أن يستريح بها أن يبقى هناك، وقال: لقد قلت لهيكل أن يتصل بك عند حضوره مباشرة حتى لا تقلقى.. فقلت: نعم لقد كلمنى هيكل وطمأننى. كان يوم 23 يوليو 1970 فى المساء وجلست كالعادة أمام التليفزيون مع أولادى نستمع لخطاب الرئيس، الذى أعلن فيه الانتهاء من بناء السد العالى وهنأ الشعب ببناء السد.. وكان آخر خطاب له فى عيد الثورة. مكثنا فى القاهرة بضعة أيام وقال لى الرئيس: لا داعى للبقاء هنا فى الحر، اذهبى والأولاد للإسكندرية.. وإن شاء الله سأحضر بعد أيام قليلة. نشر فى الجرائد عن مرض أنور السادات بالإنفلونزا.. وعندما حضر الرئيس إلى الإسكندرية سألته عن أنور السادات فقال: إنه موجود فى إسكندرية، فقلت: ممكن أذهب لزيارته؟ وكان الرئيس قد زاره فقال لى: كما تريدين. ذهبت لزيارة أنور السادات ووجدته جالسا فى الفراندة.. واستقبلنى بترحيب ومكثت زيارة قصيرة معه. أمضى الرئيس فى إسكندرية 11 يوما قضاها فى شغل كالعادة ورجع للقاهرة، ثم سافر للخرطوم لحضور مؤتمر. بقيت فى إسكندرية مع الأولاد، وكان الرئيس يطلبنى كل يوم بالتليفون من القاهرة ويسأل عن الأولاد، وإذا كانوا موجودين فى البيت يتحدث معهم، وكان يقول لى: أنا بمفردى فى البيت.. ويقول لى بالحرف: البيت وحش جدّا لا يطاق من غيرك والأولاد.. فأقول له: احضر.. وأكون مسرورة بوجودى معك.. فيقول لى: أنا مشغول وأخرج، ولا أرجع إلا فى وقت متأخر من الليل وسوف تكونين بمفردك.. فالأحسن أن تبقى مع الأولاد فى إسكندرية. فى أول سبتمبر سافر الرئيس إلى ليبيا لحضور احتفالات الثورة، وكان أول عيد لثورة ليبيا.. وبقى هناك أياما قليلة. وحضرت للقاهرة والأولاد لنكون فى استقباله ثم رجعنا لإسكندرية، وكانت رغبة الرئيس أن يستمتع خالد وحكيم بالبحر، وما زال هناك وقت على انتهاء الإجازة.. وقال إنه سيكون مشغولا ولن يكون عنده وقت يقضيه معنا.. وأضاف: وإن شاء الله سأحضر لإسكندرية قريبا، وأبقى معكم فترة. لم يحضر الرئيس لإسكندرية وظل يكلمنى كل يوم بالتليفون، وكان أحد الضيوف سيحضر.. رئيس جمهورية هنجاريا ولا ترافقه زوجته فلم أذهب للقاهرة لأكون مع الرئيس فى استقباله. وفى يوم 12 سبتمبر رجعت للقاهرة مع خالد وعبدالحكيم.. وكان اليوم السبت إذ أراد حكيم أن يقضى فى إسكندرية يوم الجمعة.


مؤتمر القمة
بقينا فى إسكندرية حتى يوم الاثنين 21 سبتمبر.. لم أره يستريح، وكل وقته كان مشغولا بمتابعة أخبار الاعتداء على الفلسطينيين فى الأردن. وأمضى يومى الأحد والاثنين يمهد لمؤتمر قمة عربى، ويطلب الرؤساء والملوك العرب بالتليفون ويتحدث معهم، وقال لى: سنغادر الإسكندرية فى المساء، وكان فى الصباح ــ وهو يوم الاثنين ــ قد علم بوفاة زوجة خاله فقال: سأذهب لتعزية أولاد خالى ونحن فى طريقنا للقاهرة، إذ يقيمون فى إسكندرية. مكثنا عندهم نصف ساعة.. وفى الساعة السابعة مساء غادرنا إسكندرية للقاهرة. أثناء الطريق تحدث بالتليفون، وهو فى العربة وعلم أن الرئيس الليبى معمر القذافى يصل فى نفس الليلة فقال لى بعد وصولنا: سأخرج لأجتمع مع الرؤساء الذين وصلوا فقلت: الأحسن أن تستريح الليلة.. فرد: لقد عملت ترتيب مقابلتهم. ورجعنا البيت بمنشية البكرى وكانت الساعة نحو العاشرة مساء. استبدل الرئيس ملابسه وخرج.. وكنت قد رقدت فى السرير أستريح، وأنا أعرف ما بذله من مجهود طوال اليوم وأراه يخرج.. رجع فى الساعة الثالثة صباحا.

اليوم التالى الثلاثاء خرج فى الصباح ورجع قبل تناول الغداء، وفى المساء خرج ورجع بعد تناول العشاء مع الضيوف فى قصر القبة. يوم الأربعاء خرج فى الصباح وتناول الغداء مع الضيوف وظل خارج البيت، وفى المساء خرجت لزيارة إحدى قريباتى وتسكن فى الدقى.. دعوتها أن تحضر معى للبيت لتشاهد فيلما فى السينما. عندما رجعت إلى البيت وجدت الرئيس فى حجرته.. دخلت له فوجدته يستعد للخروج.. تبادلنا التحية وقلت له: لقد كنت عند قريبتى وأحضرتها معى لنشاهد فيلما فقال: أحسن فلتتسل معها، ثم أضاف: سأذهب وأبقى فى الهيلتون مع الضيوف حتى ينتهى المؤتمر.. وحيانى وخرج حتى المدخل بجوار السلم.. وخرجت معه ووقف نحو دقيقتين يقرأ فى نوتة صغيرة ثم حيانى ونزل السلالم.. وبقيت واقفة فنظر لى مرة ثانية وهو ينزل السلالم وحياتى بيده.. وكان ذلك من عادته قبل خروجه إذا كنت واقفة أثناء نزوله السلم. خرج وقريبتى جالسة فى الصالون فى الدور الثانى، وكان يدخل الصالة، ويصافح الضيوف الموجودين ويكونون عادة من الأقارب، لكنه لم يدخل فى هذه المرة.


هل تأتين معى إلى مرسى مطروح؟
فى اليوم التالى خرج الرئيس فى المساء وذهب للقيادة كالعادة ورجع فى ساعة متأخرة. فى يوم الثلاثاء.. وكان الرئيس سيغادر القاهرة فى المساء بالقطار للإسكندرية ويبيت فيها، ثم يذهب بالقطار أيضا لمرسى مطروح فى اليوم التالى.. قال إنه سيزور القوات المسلحة هناك وسيرافقه وزير الحربية وحسين الشافعى، وسيحضر الرئيس الليبى معمر القذافى فى زيارة ليوم واحد. أثناء تناولنا الغداء قال لى: هل تحضرين معى؟ قلت: إنه يسرنى أن أذهب معك لمرسى مطروح.. وكنت لم أذهب إليها منذ 1953، وقت أن رافقته مدة النقاهة بعد أن أجريت له عملية الزائدة. غادرنا القاهرة ومعنا عبدالحكيم، ونحن فى القطار قال الرئيس: لم أر عبدالحميد منذ نحو شهرين.. وقت الإجازة كنت فى موسكو، وعندما رجعت كان عبدالحميد فى رحلة مع الكلية فى البحر، وغدا إن شاء الله سأغادر إسكندرية وضحك.. وكان وزير الحربية جالسا معنا فى الصالون. بعد وصولنا للمعمورة.. نحو الساعة التاسعة مساء طلبنى عبدالحميد بالتليفون، وقال: لقد قالوا لى أن أخرج وأحضر للبيت.. يا ماما أنا لا أريد أن أخرج بمفردى فى غير وقت الخروج، إنى أشعر بإحراج ولا أريد الحضور للبيت الآن.. وسألنى: هل طلبتم خروجى؟ وكان متضايقا وهو يتحدث. ودخل الرئيس أثناء الحديث فقلت له: عبدالحميد يتحدث.. فأخذ السماعة وحياه بحرارة وقال له: وحشتنى جدا يا ميدو.. كما تريد.. افعل ما يريحك.. فقلت: فليحضر لنراه.. فقال لى الرئيس: إنه جدع حساس وضحك، وقال: إنه وزير الحربية الذى طلب خروجه بعد الحديث فى القطار، ثم دخل حجرته. بعد وقت قصير.. وكان يتحدث بالتليفون وكنت فى الصالة ورأيت عبدالحميد أمامى. استقبلته بحرارة ودخلت معه للرئيس فى الحجرة فصافحه وقبله ثم قال له وهو يضحك: إنك تدخن.. وسأله عن عدد السجائر التى يدخنها، وقال له: لا تدخن كثيرا حتى لا تضر بك، وبعدين لما تكبر يقول لك الأطباء لا تدخن.. ثم استمر فى الحديث بالتليفون. وكان الذى يتحدث معه هيكل.. وحكى له وهو يضحك عن عبدالحميد، وكيف أنه شم رائحة السجائر وهو يقبله، وكان الرئيس لم يدخن ولو سيجارة واحدة منذ أن كان فى الاتحاد السوفييتى فى شهر يوليو 1968 وطلب منه الأطباء عدم التدخين. جلسنا نتناول العشاء، وقال عبدالحميد: لقد رفضت الخروج، وبعد شوية قال لى الضابط النوبتشى: إنك يجب أن تخرج الآن فلدينا أمر بخروجك، فسأله الرئيس ومتى سترجع الكلية؟ قال: إنهم قالوا لى ارجع الكلية الساعة العاشرة صباح الغد، لكن يا بابا أريد أن أرجع الليلة حتى أكون مع الطلبة فى الصباح.. فقال له الرئيس: اذهب يا بنى كما تريد، وصافحه ودخل حجرته.. وغادر عبدالحميد البيت للكلية بعد تناوله العشاء معنا.. وكانت آخر مرة رأى فيها الرئيس ابنه الطالب فى الكلية البحرية فى السنة الثالثة. فى اليوم التالى.. وكان يوم الأربعاء قبل الظهر غادرنا الإسكندرية بالقطار لمرسى مطروح، وكان وزير الحربية وحسين الشافعى فى القطار معنا. قال وزير الحربية للرئيس: لقد طلبت خروج عبدالحميد من الكلية وذهابه للبيت لتراه، وبعد وقت سألت عنه إذا كان غادر الكلية، فقالوا لى إنه رفض الخروج فقلت: فليخرج بالأمر.. وشكر وأثنى على عبدالحميد وقال: إنه طالب مثالى فى تهذيبه وأخلاقه.. إنه غير معقول ويمدح فيه المدرسون فى الكلية ويحافظ على واجباته.. فشكره الرئيس. وصلنا مرسى مطروح فى المساء.. وكان الاستقبال من الجماهير كالعادة حارا، وذهبنا لنقيم فى بيت المحافظ وكان خاليا. كان الرئيس يخرج فى مرسى مطروح، وفى مرة كان سيمشى على البحر فقال لى: تعالى معى، وذهبنا لبيت قريب من البيت الذى نقيم فيه وقال: إنها استراحة يقيم فيها حسين الشافعى، وكان قد حضر بعد أن أخذ حماما فى البحر.. مكثنا وقتا قصيرا معه ورجعنا البيت. فى اليوم التالى حضر الرئيس الليبى معمر القذافى ومعه عدد من أعضاء مجلس الثورة، ومكثوا يوما واحدا تناولوا فيه الغداء مع الرئيس فى البيت فى الدور الأول، وتناولت الغداء فى الدور الثانى مع عبدالحكيم، وقبل خروج الرئيس الليبى ومرافقيه طلبنى الرئيس لمصافحتهم. مكثنا ثلاثة أيام زار فيها الرئيس القوات المسلحة فى مرسى مطروح. وفى يوم السبت غادرنا بالقطار للإسكندرية، وفى الطريق أثناء سير القطار وفى المحطات كان الأهالى ومعهم أولادهم يقفون لتحية الرئيس، فنظر لى وقال: إننى أشتغل من أجل هؤلاء.. فقلت: إنهم فى مظهر أحسن من قبل، فرد، وقال: أريد أن ينال هؤلاء الأطفال فرصة التعليم والعلاج والمظهر كخالد ابننا.. لم يحن الوقت بعد. وكان الرئيس يتأثر عند رؤيته لطفل يشتغل عند أسرة كخادم، وكان يقول لى: إنها مشكلة لا تحل إلا بالتدريج، ويستطرد: ليس فى وسعى عمل شىء إلا العمل باستمرار على رفع مستوى الفلاح فى القرية والكادحين ونشر التعليم.. وإن شاء الله تتلاشى.


اللحظات الأخيرة
لبث الرئيس فى الهيلتون.. وكنت أتتبع الأخبار فى الجرائد والإذاعة والتليفزيون. وفى يوم الأحد، وكنت جالسة أمام التليفزيون وكانت نشرة الأخبار الساعة التاسعة مساء تقرؤها المذيعة سميرة الكيلانى، وقالت: لقد تم الوفاق واختتم المؤتمر أعماله، وغادر الضيوف من الملوك والرؤساء القاهرة، وكان فى توديعهم الرئيس وسيغادر الباقى غدا.. فهللت من الفرحة وصفقت بيدى، وكانت ابنتى منى حضرت فى هذه اللحظة، وبعد انتهاء نشرة الأخبار قالت لى: نشاهد يا ماما فيلما فى السينما؟ ونزلنا للدور الأول. وفى الساعة العاشرة والنصف جاء لى السفرجى يقول: لقد حضر سيادة الرئيس.. فقلت لمنى: فلتكملى أنت الفيلم وسأصعد، وتركتها. دخلت الحجرة وجدت الرئيس راقدا على السرير.. صافحته بحرارة وقلت له: الحمد لله لقد سمعت نشرة الأخبار وفرحت جدا وهللت.. فقال: الحمد لله.. وكان قد طلب العشاء وسألنى: هل تناولت عشاءك؟ فقلت: نعم.. وجلست معه ولم يأكل إلا لبن زبادى ورجع إلى السرير. لم تستكمل منى مشاهدة الفيلم وطلعت ودخلت حجرة والدها وصافحته وجلست معه على طرف السرير، وحضر خالد أيضا وصافحه وجلسا فى الحجرة قليلا يتحدثان مع والدهما.

ظل الرئيس يتحدث فى التليفون حتى الساعة الثانية عشرة ثم قال: سأنام مبكرا، وغدا سأذهب فى الصباح لتوديع الملك فيصل وأمير الكويت.. وأطفأ النور ونام. فى الصباح استيقظ الرئيس قبل الثامنة، وحضر الطبيب الخاص وكنت قد قمت وخرجت من الحجرة ودخلت حجرتى، استعدادا للدخول للرئيس فى حجرته لأتناول معه الإفطار فدخل لى فى الحجرة لتحيتى قبل خروجه وقال: سأذهب للمطار.. ووجدت الإفطار قد جهز فى حجرته ولم يتناول شيئا، وعلمت أنه تناول فاكهة فقط. رجع الرئيس فى الساعة الثانية عشرة وحضر الطبيب الخاص ودخل له، وكنت سأدخل للرئيس ووجدت الدكتور يجرى له فحص رسم قلب فرجعت ولم أدخل له فى الحجرة، ثم بعد ذلك خرج الرئيس مرة ثانية لتوديع أمير الكويت. رجع الرئيس من المطار فى الساعة الثالثة بعد الظهر، وعند خروجى من حجرتى وجدت ابنتى هدى تستعد لتذهب إلى بيتها بعد أن انتهت من الشغل، وكانت تجلس فى مكتب والدها فى الدور الثانى تعمل سكرتيرة له منذ عام. وكان الرئيس بعد مضى بضعة شهور من شغلها معه قال لى: إن هدى الآن تدربت على العمل معى وتعلمت وتريحنى.. وكان سعيدا بها. قالت لى هدى بصوت خافت.. وكنت قد مشيت حتى باب حجرة النوم: إن بابا تعبان وسينام.. فرآنى وقال: تعالى يا تحية.. فدخلت الحجرة، وأشار لى بيده وهو راقد على السرير أن أجلس.. فجلست على طرف السرير فسألنى: هل تناولت الغداء يا تحية؟ قلت: نعم تناولته مع الأولاد.. فقال لى: أنا مش هاتغدى.. وأشار لى بيده أن أبقى كما أنا جالسة.. فبقيت حوالى عشر دقائق وهو راقد لم يتكلم. وحضر الدكتور الصاوى حبيب فقال له الرئيس: ادخل يا صاوى فدخل، وقمت كعادتى عند دخول الأطباء له فى الحجرة وخرجت إلى المكتب، فقال الدكتور: نريد عصيرا.. فذهبت وأحضرت عصير برتقال وليمون جهزته بنفسى بسرعة وحملتهما ودخلت له فى الحجرة..وقلت: هذا برتقال محفوظ وليمون طازج فقال: آخذ برتقال، وشرب الكوب وأنا واقفة وقال لى: متشكر. خرجت من الحجرة وجلست فى حجرة المكتب، وبعد دقائق حضر طبيب اختصاصى.. منصور فايز فقلت له بالحرف: أنت جيت ليه يا دكتور دلوقتي؟ أنا لما بأشوفك بأعرف إن الرئيس تعبان وبأكون مشغولة.. فرد: أنا معتاد أن أحضر كل أسبوع فى يوم الاثنين واليوم الاثنين.. ودخل للرئيس. بقيت جالسة فى حجرة المكتب وسمعت الرئيس يتحدث، وسمعت الراديو.. نشرة الأخبار فى إذاعة لندن. قالت لى منى ابنتى: بابا بخير والحمد لله.. تعالى نخرج من هنا. وخرجت معها وجلسنا على الترابيزة فى حجرة السفرة، وبعد دقائق جاء لى الطبيب الاختصاصى وقال: الرئيس الآن تحسن وإذا أردت الدخول له فلتدخلى.. وأخذ يدخن سيجارة فقلت له: لا داعى حتى لا يشعر بأنى قلقة. بعد لحظات جاء الدكتور الصاوى يجرى مسرعا قائلا: تعال يا دكتور.. ودخل الدكتور يجرى، ودخلت لحجرة المكتب ومنعتنى منى من الدخول لوالدها وقالت: إن بابا بخير لا تخافى يا ماما، وأجلستنى فى حجرة المكتب وجلست معى. وبعد فترة حضر دكتور آخر ثم ثالث.. فدخلت عنده ووجدت الأطباء بجانبه يحاولون علاجه.. وكنت أبكى وخرجت حتى لا يرانى الرئيس وأنا أبكى، ثم دخلت له مرة ثانية وازداد بكائى وخرجت وجلست فى حجرة المكتب، ودخل عدد من السكرتارية، ثم حضر حسين الشافعى ومحمد حسنين هيكل.. وكل واحد يدخل الحجرة ولا يخرج منها.. وكنت أبكى. أصرت منى على أن أخرج إلى الصالة فكنت أمشى وأقول: جمال جمال.. ووجدت الكل يخرج وينزل السلالم فدخلت مسرعة.. رأيت حسين الشافعى يخرج من الحجرة يبكى ويقول: مش معقول يا ريس. وحضر خالد وعبدالحكيم فى هذه اللحظة ولم يكونا فى البيت ولا يدريان شيئا، ودخلا مسرعين، وحضرت هدى وكانت لا تعلم بما جرى بعد ذهابها لبيتها. دخلت للرئيس ووقفت بجواره أقبله وأبكيه، ثم خرجت من الحجرة لاستبدل ملابسى وألبس ملابس الحداد. ونزلت مسرعة إلى الدور الأول ووجدت الكل.. الأطباء والسكرتارية وهيكل وحسين الشافعى وأنور السادات حضر.. والكل واقف فى الصالون. قلت لقد عشت ثمانية عشر عاما لم تهزنى رئاسة الجمهورية ولا زوجة رئيس الجمهورية وسوف لا أطلب منكم أى شىء أبدا.. أريد أن يجهز لى مكان بجوار الرئيس لأكون بجانبه.. وكل ما أرجوه أن أرقد بجواره. خرجت إلى الصالة وجاء لى هيكل والدكتور الصاوى وطلبا منى أن أصعد للدور الثانى، ثم أدخلنى الدكتور حجرتى وأعطانى بضع حبات دواء وظل بجانبى، ثم أعطانى حقنة. وحضرت إحدى قريباتى وظلت معى، وجاء عبدالحميد من إسكندرية ودخل لى فى الحجرة وهو يبكى، وقال: لقد قالوا لى إن بابا تعبان وحضرت فى طائرة، ودخلت هدى ومنى.. ولم أدر كم مضى من وقت.. فقمت لأخرج من الحجرة فقال لى الدكتور: لماذا قمت؟ فقلت سأذهب وأجلس بجانبه.. فقالت هدى: لقد ذهب بابا لقصر القبة.. وذهبنا معه.. فقلت: حتى الآن أخذوه! والآن أعيش المرحلة الثالثة من حياتى حزينة أبكيه.. وقد زاد حزنى حسرة، وسأظل أبكيه حتى أرقد بجانبه فى جامع جمال عبدالناصر بمنشية البكرى.. وقد جهز لى المكان كما طلبت. إنه جمال عبدالناصر الذى عاش عظيما.. وهو فى رحاب الله عظيم.. تاريخه وحده هو شاهده.