مذكرات تحية عبد الناصر الجزء الرابع


فى الساعة التاسعة حضر صف ضابط وقال إنه من القيادة العامة فى كوبرى القبة، وإن الذى أرسله البكباشى جمال عبدالناصر ليخبرنى بأنه بخير والحمد لله

حضر زائر قبل رجوع جمال من الشغل وجلس فى الصالون ينتظره، وبعد حضور جمال طلب الغداء مع الضيف. ثم حضر الزائر بضع مرات ينتظر جمال ويتغدى معه، وكان المراسلة عندما يفتح الباب له ويدخله الصالون يقول لى: إنه الضيف الذى يحضر وينتظر جناب البكباشى ويتغدى معه. وطبعا لم يكن يترك ورقة مكتوبا عليها اسمه. قال لى جمال: إنه ضابط مكان شغله ليس فى القاهرة، ويسكن الروضة، وهو الآن حضر فى إجازة.. وكان هذا الزائر أنور السادات

وبعد بضعة أشهر والوقت ابتداء صيف سنة 1952 على ما أذكر.. حضر زائر وكان بعد خروج جمال فى المساء قبل المغرب، وكان المراسلة غير موجود ففتحت له الباب وسأل عن البكباشى جمال عبدالناصر، فقلت له إنه خرج.. فكتب ورقة وانتظرته حتى أعطاها لى.. وضعتها فوق البيانو كعادتى، وبعد رجوع جمال أخبرته بحضور الضيف وأنه أعطانى الورقة بعد أن كتبها، وقلت: إنه أسمر شديد السمرة، فقال: إنه متزوج حديثا وزوجته بيضاء جدّا.. وكان هذا الضيف أنور السادات

نحن الآن فى الأيام السابقة على 23 يوليو
ابتداء الصيف.. شهر مايو ويونيو سنة 1952 فى شهر رمضان

البيت كما هو.. الحركة والخروج والسهر حتى السحور، وحضور الزوار قبل موعد الإفطار وبعد الإفطار. وانتهى رمضان وكان يوم العيد فنذهب لزيارة أخواتى.. قال لى جمال: نذهب لشقيقاتك فى الجيزة.. وكانت اثنتان تقطنان فى عمارة واحدة. ركبنا العربة.. هدى ومنى وخالد فى الخلف وأنا بجواره أحمل ميدو البيبى . عندما اقتربنا من البيت، وهو على شارع الجيزة نظر لى جمال وقال: تحبى أمشى بكم شوية للهرم والجو لطيف. قلت له: نعم إنه يسرنى ومعنا الأولاد.. شكرا

ومشينا بالعربة فى طريق الهرم، وأوقفها بالقرب من صندوق بريد، وفتح مظروفا كبيرا كان فى العربة وأخرج منه جوابات صغيرة الحجم وعددها كبير.. كمية جوابات، ووضعها فى صندوق البريد ومشى بالعربة حتى قرب الهرم، ثم نظر لى وقال: نرجع بقى؟ قلت: نعم.. وأدركت أنها المنشورات.. ولم أقل كلمة ورجعنا والأولاد من الفسحة فى طريق الهرم لزيارة أخواتى . بعد العيد مباشرة قال لى: عندى إجازة لمدة أسبوعين فقط، وسيكون امتحان الضباط فى كلية أركان حرب وانشغل.. نسافر إسكندرية نقضى عشرة أيام مع الأولاد؟ قلت: نعم نذهب للإسكندرية.. وكنت لم أذهب هناك منذ زواجنا أى منذ ثمانى سنوات، أما هو فقد ذهب مرات قليلة لمدة يوم أو يومين لزيارة والده وإخوته الذين يقيمون بها. وكان ذلك فى يوم 29 يونيو سنة 1952. خرجنا فى الصباح فى العربة الأوستن السوداء ومعنا أولادنا للإسكندرية وكان ميعاد زواجنا.. هنأنى وهنأته بعيد زواجنا الثامن، وفى الطريق قال لى: إنها مصادفة.. اليوم عيد زواجنا ونحن نذهب سويّا ومعنا أولادنا بعد ثمانى سنوات منذ ذهابنا سويّا.

وقال: هناك سأبقى معك فى الصباح على البلاج حيث أستحم فى البحر مع هدى ومنى وخالد وسأحملهم وأعومهم، وبعد الظهر سأخرج ثم أرجع قبل المغرب وأخرج معكم فى العربة حتى الليل.. يعنى الساعة الثامنة أو التاسعة وأرجعكم اللوكاندة، وكان قد سافر من قبل وحجز لنا فى لوكاندة بسيدى بشر وكانت جديدة البناء وعلى البحر، ثم قال: وبعد ذلك سأخرج بمفردى لأقابل ضباطا هناك.. فقلت له بالحرف: هم إياهم دول برضه رايحين ورانا فى إسكندرية؟ فضحك جدّا وهأهأ من كلمة إياهم وقال: كثير منهم سبقنا إلى هناك، ومنهم باقون فى القاهرة

كنا فى سيدى بشر وكل الحكومة تسكن سيدى بشر.. وأسمعه يردد اسم حسين سرى ويقول: حسين سرى سافر.. حسين سرى حضر.. وكان منزله بالقرب من اللوكاندة، وكلما مررنا بمنزله فى طريقنا ينظر إليه.. أى منزله، ويردد اسمه وأنا لا ألتفت ولا أشعر بأن وجود حسين سرى فى إسكندرية أو عدم وجوده شىء مهم.. وكنت أرى أنها مجرد ملاحظة

كنا نذهب إلى البلاج أمام اللوكاندة ونجلس تحت الشمسية وينزل البحر ويأخذ هدى ومنى وخالد ويعومهم ويحملهم فى المياه.. وأنا جالسة تحت الشمسية ألاحظهم وبجانبى كرسى الأطفال جالس فيه ميدو البيبى الذى لم يتجاوز الثمانية شهور.. ونرجع وقت الغداء، وبعد ذلك يخرج ويغيب حتى الغروب ــ موعد خروجنا ــ ويقول: أنا كنت جالسا قريبا من اللوكاندة فى الكازينو مع بعض الضباط. وبعد أن نمشى بالعربة على الكورنيش يركنها ونتمشى سويّا ساعة غروب الشمس، وفى المساء يوصلنى اللوكاندة وقت العشاء، ثم يخرج وينام الأطفال وأبقى فى الفراندة بعض الوقت وأنام حتى يرجع. فى يوم 10 يولية رجعنا للقاهرة.

قبل مغادرتنا إسكندرية قال: نرجع من الطريق الزراعى. فى أثناء عودتنا رأيت اللافتات مكتوبا عليها تفتيش الأمير... تفتيش الباشا... وعليها أسماء لأمراء من الأسرة المالكة وباشوات من الإقطاعيين، والطريق الزراعى أغلبه ملك للملك والأمراء والباشوات فقلت: كل الأراضى والتفاتيش دى ملك للملك والأسرة والباشوات؟ فنظر لى جمال وأنا بجانبه وقال: سوف لا تكون هناك أراض ولا تفاتيش يملكها أمراء ولا باشوات!.. ولم أنتبه لقوله، ولم أعلق بكلمة ولم أفهم شيئا.

رجعنا من إسكندرية، وبعد أيام قليلة حضر أشقاؤه عندنا. والحياة فى البيت كما هى والحركة فى ازدياد بشكل غير معقول.. إذ كان عندما يرجع جمال من الشغل يكون فى انتظاره ضباط، ويبقى معهم ويطلب الغداء ويظل معهم، وعندما يخرج لا يرجع إلا عند طلوع الفجر.. والوقت صيف والجو حار.. أنام وأصحو وأجد الوقت فجرا ولم يحضر.. أقوم وأنتظر حضوره.. أنظر من الشباك.. وظل يخرج بالمسدس


الأسبوع الأخير قبل الثورة
بعد رجوع جمال إلى البيت بعد طلوع الفجر دخل الحجرة، وبعد أن حيانى كعادته قلت له: إنى أخاف عليك وأخاف التشرد والأولاد.. فرد وقال: يا للأنانية كل ما يهمك فى البلد هو زوجك وأولادك.. عائلتك فقط؟ يعنى أنك لا تفكرين إلا فى نفسك.. وانتهى الحديث ولم أقل كلمة، ومشى ليخرج إلى الصالة فالتفت لى وقال: تعالى نجلس سويّا مع إخوتى فى حجرة المكتب.. إنهم استيقظوا من النوم، وكان شقيقه يضع سريرا فى الحجرة أثناء الليل.

جلست معهم.. وبعد قليل استأذنت وقمت لأخرج من الحجرة فقال لى: أين أنت ذاهبة؟ قلت سأذهب لأصلى.. فنظر فى ساعته وقال: أسرعى حتى لا يفوتك وقت صلاة الفجر فالشمس قربت من الشروق.. وبدا على وجهه الارتياح والحب والعطف

وحتى الآن لم أفهم ما الهدف وما الغاية.. لم أفهم إلا خطورة ما يجرى أمامى

قبل الثورة بأيام قليلة قال لى إنه مشغول جدّا فى امتحان كلية أركان حرب، وإنه يشتغل فى تصحيح أوراق الامتحان، وقال لى: اخرجى واتسلى واذهبى إلى السينما مع أخواتك، واصحبى معك هدى ومنى وخالد ــ وكان عمره سنتين ونصف ــ ليروا ميكى ماوس وتذهبى إلى سينما الفالوجة.. وهى قريبة من منزلنا وممكن نذهب لها مشيا، أو أى سينما تعجبك فى مصر الجديدة وأغلبها صيفى الآن والجو حار.. فقلت: نعم سأذهب.. وبقيت كما أنا سعيدة هانئة كل وقتى مشغول، وذهبت للسينما واصطحبت الأولاد كما قال لى

قبل خروجه فى الصباح قال لى: جهزى أكل زيادة لعدد من الضباط.. ويخرج بعضهم ويحضر غيرهم ثم ينصرفون، ويخرج إما بمفرده أو مع واحد منهم ثم يرجع البيت، ويظل يشتغل وينام ساعات قليلة. وظل جمال هكذا حتى قبل الثورة بيومين، وفى الليلتين قبل الثورة لم ينم وظل بملابسه العادية جالسا فى حجرة السفرة على الترابيزة يشتغل. وفى الصباح فى الساعة السابعة يدخل الحجرة ليستبدل بملابسه الملابس الرسمية ونتناول الإفطار سويّا، وقبل خروجه يقول لى: جهزى غداء زيادة لأننا سنجلس كالأمس فى تصحيح أوراق الامتحان.. ويحيينى ويخرج

وكان عبدالحميد ــ ابنى البالغ من العمر ثمانية شهور ــ قد حصل له توعك، وكنت أريد تغيير غذاءه ويلزم أن يراه الدكتور الذى يعالج أولادنا، فعندما رجع جمال من الشغل فى الظهر دخل كعادته يلاطفه ووجده متوعكا فقلت: أريد الذهاب للدكتور لينظم له غذاءه.. متى لا تكون مشغولا حتى نذهب؟ فقال لى: إنى مشغول جدّا، فاطلبى الدكتور ليحضر هنا أو يمكنك الذهاب فى تاكسى.. وكانت تلك أول مرة لا يجد وقتا للذهاب معى للدكتور، وفى اليوم التالى ذهبت بمفردى. وكان قبل خروجه قد طلب أيضا تجهيز غداء زيادة لعدد من الضباط

ليلة الثورة
اليوم الثانى والعشرون من يولية سنة 1952 الساعة السابعة صباحا.. دخل جمال الحجرة وكان يلبس الملابس العادية.. القميص والبنطلون ولم ينم طوال الليل.. جلس فى حجرة السفرة يشتغل كالليلة السابقة.. حيانى واستعد للخروج واستبدل بملابسه العادية الملابس العسكرية وتناولنا الإفطار سويّا

خرج ورجع عند الظهر، وتناول الغداء مع الضباط وظل معهم فى الصالون وحجرة السفرة وقتا ثم خرج الضيوف. تحدث معى جمال وقال: لم لا تخرجين وتأخذين معك هدى ومنى وخالد وتذهبون للسينما والجو حار وتتسلون ويذهب معك إخوتى.. فقلت: نعم سأفكر فى الذهاب

وحيّانى وخرج. بعد خروجه وقرب المغرب فضلت أن أخرج أمشى بالقرب من الحديقة التى أمام قصر القبة، وكانت غير مزدحمة مثل الآن وأغلب البيوت فيللات والمشى لطيف بالقرب من القصر حيث رائحة الأزهار

خرجت ومعى هدى ومنى وخالد ومشينا حتى بعد الغروب ورجعنا وكانت الساعة قبل الثامنة.. قال لى شقيقه: إن أخى حضر من وقت قصير وسأل عنك وعن الأولاد وأخبرناه بأنك تتمشين عند قصر القبة. وبعد قليل حضر جمال وكان يلبس القميص والبنطلون ووجدنى فى الصالة مع الأولاد.. حيانى وقال: أنا جيت وسألت عنك ولم تذهبى للسينما.. فقلت له: إنى فضلت الخروج والمشى فى الهواء الطلق والأحسن ألّا أترك ميدو وأغيب عنه وقتا أطول.. فأخذ يتكلم مع أولاده ويلاطفهم ويقبلهم بحرارة ويقول لهم أسماء الدلع التى اعتاد أن يقولها لهم، ويقبل هدى ومنى وخالد وعبدالحميد وكنت أحمله على كتفى، وخرج بمفرده بنفس الملابس.. القميص والبنطلون

تناول الأولاد العشاء وناموا مبكرين كعادتهم، وظل ميدو البيبى حتى تناول وجبة الساعة التاسعة ونام.. وجلست مع الليثى وشوقى

وقبل الساعة الحادية عشرة مساء قمت ودخلت حجرة النوم. رجع جمال ودخل الحجرة وكنت مستلقية على السرير وكانت مضاءة

كان من عادته أن يغسل وجهه قبل النوم فقلت فى نفسى: إنه لم ينم ولا ساعة منذ يومين وها هو ذا الليلة سينام مبكرا.. وجدته بعد أن غسل وجهه فتح الدولاب وأخرج البدلة العسكرية ووجدته يرتديها.. فقمت وجلست وقلت له بالحرف: أنت رايح فين بالبدلة الرسمية دلوقت؟ وكانت أول مرة أسأله أنت رايح فين منذ زواجنا.. فرد علىّ بكل هدوء وصدر رحب قائلا: أنا لم أكمل تصحيح أوراق كلية أركان حرب ويجب أن أنتهى من تصحيحها، وغدا تكون كلها كاملة التصحيح، ومنذ يومين وأنا أشتغل هنا، والضابط الذى يجلس معى ونشتغل سويّا قال لى نسهر الليلة فى بيته نكمل تصحيح الأوراق، وسأذهب إلى الكلية وسوف لا أرجع البيت الليلة، وانتظرينى غدا وقت الغداء.. وحيانى، وقبل خروجه من الحجرة قال لى: لا تخرجى.. الصالة الآن يوجد فيها ضابط ينتظرنى.. وأغلق الحجرة بعد خروجه منها

بعد أن سمعت باب المسكن يقفل قمت وخرجت من الحجرة.. وجدت أخويه الاثنين جالسين فى حجرة المكتب فقلت لهما: إن جمال اعتقل.. فرد شقيقه ليثى قائلا: لا إنه لم يعتقل اطمئنى.. فقلت: إنه خرج وارتدى ملابسه العسكرية وينتظره ضابط كما حدث يوم أن اعتقله إبراهيم عبدالهادى

أنا شايفة.. البيت مقلوب من ساعة حضورنا من إسكندرية بشكل غير معقول، والضباط والسهر حتى الصباح.. أنا متأكدة أن رئيس الوزارة الجديد نجيب الهلالى الذى عين منذ يومين اعتقله.. فقال شقيقه: لا أبدا اطمئنى إنه لم يعتقل.. وكان على المكتب مصحف أخذه فى يده وحلف وأقسم إن جمال لم يعتقل. فسكتُّ وجلستُ فى الحجرة مع أخويه. سألنى أحدهما: هل تناولت العشاء؟ قلت: لا.. فقال إننا لم نتناول العشاء بعد.. فقمت وأحضرت عشاء خفيفا من الجبنة تناولناه فى حجرة المكتب. جلستُ معهما حتى قبل الثانية عشرة، ثم تركتهما ودخلت حجرة النوم.. واستلقيت على السرير.

بعد دقائق ــ وكانت الساعة الثانية عشرة ــ سمعت صوت طلقات رصاص كثيرة شعرت بأنها صادرة من ناحية قصر القبة.. فقمت مسرعة وخرجت إلى الصالة ووجدت أخويه فقلت: هذا الضرب.. الطلقات فى قصر الملك ولا بد أن يكون جمال من الذين يطلقون الرصاص ويهاجمون القصر.. وبكيت

استمرت الطلقات الكثيرة حوالى عشر دقائق ثم سكتت دقائق وعادت مرة أخرى لدقائق.. واستمررت فى البكاء فقال لى أخوه: إن صوت الطلقات كما هو معروف يصدر من الناحية المقابلة لها وليس من المكان الذى أطلقت منه، إنها ليست فى القصر ولا تنشغلى، ونظر إلى المصحف وهمَّ بأخذه فى يده فقلت له: لا تلمس المصحف، سوف لا أصدقك وأنت تحلف يمينا دون أن تعلم شيئا.. فرجع ولم يلمس المصحف

بقينا جالسين فى حجرة المكتب وشعرت بأن شقيقه يريد النوم فقمت ودخلت حجرتى.. ولم أنم

وبعد وقت وكل البيت هدوء وسكون، قمت فى الظلام لأرى الشارع بعد سماعى طلقات الرصاص الكثيرة، ومشيت لحجرة السفرة وفتحت الشباك أنظر إلى الشارع. وأنا واقفة فى الحجرة فى الظلام رأيت شقيقيه يدخلان وكانا فى الفراندة، وعند رؤيتهما لى قالا: إننا انتظرنا نومك حتى نرى من الفراندة ماذا حصل.. فقلت: وأنا أيضا انتظرت نومكما وقمت فى الظلام لأنظر من الشباك وأرى ماذا حصل. ورجوتهما ألّا يقفا فى الفراندة ويظهرا، وقلت: أنا متأكدة أن البوليس والمباحث يراقبون بيتنا

وبقيت ساهرة أنظر من الشباك إلى الشارع وأنظر من الفراندة، وأحاول ألّا أظهر لخوفى من مراقبة بيتنا، وكنت أرى الشارع من الفراندة بسهولة ووضوح كما وصفت البيت

كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل عندما رأيت شابا يقف فى ناصية الشارع.. وهو ميدان المستشفى العسكرى فى ذلك الوقت

رأيت الشاب طويل القامة يزعق بصوت عال ويقول: عندك.. ثم يتحرك ويمشى بخطوات ثابتة أسمع صوتها ويروح ويجىء ويقول: عندك يا جدع بصوت مرتفع. وأرى العربات تتحول وترجع من الشوارع الداخلية فى كوبرى القبة، ومنهم من كان يمر من الشارع الذى يقع يمين البيت المقابل لبيتنا

ولم أتبين أنه كان صوت جمال، وأن الشاب طويل القامة الذى يتحرك بخطوات ثابتة ويقول عندك يا جدع بصوت عال فى سكون الليل ويرجع العربات ويقفل الشارع هو البكباشى جمال عبدالناصر.. زوجى الحبيب

بقيت واقفة فى الفراندة والشباك ألاحظ هذا الشاب وهو يقفل الشارع وأنا قلقة وأقول: ماذا حصل وقت سماعى الطلقات؟ وكان همى ألّا يكون جمال قد أصيب فى هذه الطلقات

قبل الساعة الثانية صباحا رأيت العربات المصفحة والدبابات والجيش، وكان قد زود بأسلحة بعد حرب فلسطين، فرأيت وسمعت صوت الدبابات وهى تكركر وتمر فى الشارع وتمشى فى ميدان المستشفى العسكرى، وكنت أعرف شوارع ثكنات الجيش وأمر عليها فى خروجى، إذ كانت كلها قريبة من بيتنا.

رأيت أخويه يقفزان من الفرح ويقبلان بعضهما وقالا: افرحى افرحى.. فقلت: وأين جمال؟.. والطلقات التى سمعناها؟ وأخذت أبكى وقلت: الآن أنا فهمت.. إنه انقلاب عسكرى

وأخذ أخواه يهنئانى فكنت أسكت عن البكاء ثم أعود أبكى وأقول بالحرف: بس لو كنت أعرف فين جمال.. وطلقات الرصاص اللى سمعناها؟ قال شقيقاه: لقد أخبرنا قبل خروجه أنه ذاهب فى مهمة خطيرة: فإذا رأيتم الجيش نازلا والدبابات والعربات اعرفوا أنى نجحت، وإذا لم تروا شيئا اسألوا عنى غدا واعرفوا أنا فين. قلت مرة أخرى: أنا الآن عرفت أنه انقلاب عسكرى ونجح، بس أين جمال؟ أريد أن أطمئن عليه.. وكنت أبكى وبقيت جالسة حتى الصباح لم أدخل حجرة النوم . وفى الساعة السادسة والنصف صباحا يوم 23 يولية سنة 1952 سمعنا خبطا على الباب وفتح شقيقه، وكان الذى حضر ثروت عكاشة وطلب مقابلتى.. ذهبت له عند الباب فمد يده وهنأنى قائلا: أهنئك من كل قلبى.. نجح الانقلاب، فقلت على الفور: وفين جمال؟ قال بالحرف: هو قريب منك بينك وبينه خمس دقائق.. موجود فى القيادة العامة وطبعا تعرفينها؟ فقلت: أمر عليها كثيرا وأعرفها جيدا.. وقال: اسمعى البيان فى الراديو الساعة السابعة.. فشكرته وانصرف.

فتحنا الراديو لنسمع البيان.. وكان هناك عطل فى الإذاعة حتى الساعة السابعة والثلث.. وسمعنا البيان الذى قرأه أنور السادات.

فى الساعة التاسعة حضر صف ضابط وقال إنه من القيادة العامة فى كوبرى القبة، وإن الذى أرسله البكباشى جمال عبدالناصر ليخبرنى بأنه بخير والحمد لله، وأنه سوف لا يحضر وقت الغداء وموجود فى القيادة.

حضر أخى ودخل.. وكنا فى الصالة شقيقاه وأنا.. بعد أن صافحته قلت له يجلس فقال: أنا مستعجل وتركت مكتبى وحضرت، ويوجد عندى ناس ينتظروننى وتركتهم وقلت لهم سوف لا أغيب، وليس لدى وقت للجلوس.. وقال: أنا رأيت الشوارع فيها جيش ودبابات، والإذاعة محاطة بالجيش، وكل الميادين والأماكن المهمة فيها جيش، وسمعت أن الجيش قام بانقلاب عسكرى فانشغلت على البكباشى جمال، وحضرت لأطمئن، لعله لا يكون من هؤلاء الضباط لأن الملك سوف لا يتركهم، وسيعدمهم فورا، وأنا متأكد من ذلك.. فقلت له: اطمئن جمال لا يتدخل فى السياسة، وسألنى: متى خرج من البيت؟ قلت: كالعادة خرج قبل الثامنة صباحا، وصافحنى وخرج قبل أن نقدم له عصيرا أو قهوة.

فنظر لى شقيقاه وهما يبتسمان.. وابتسمت، وما إن سمعت باب عربته يقفل وتتحرك حتى ضحكت وشاركنى شقيقاه فى الضحك وقهقها، ووقفنا نضحك.. ولم أعر كلامه أى اهتمام، وكل ما قاله لى كان فى نظرى هراء بل أضحكنى.

كنا نستمع للراديو وقراءة البيان طول النهار، ونسمع صوت الطائرات وهى تحلق فى سماء القاهرة وتمر فوق كوبرى القبة باستمرار منذ الصباح. فى الساعة العاشرة مساء حضر جمال، وبعد أن هنأته من كل قلبى قال: سأبقى ساعتين فقط وأرجع إلى القيادة. وحلق ذقنه وأخذ حماما واستبدل ملابسه وجلس معنا فى حجرة المكتب. أخبرته عن أخى وحضوره فى الصباح وسؤاله عنه وقلقه عليه، وما قلته له.. ولم أذكر ما قاله لى عن الملك وعن رأيه فيما سيفعله، فقال لى: إنه سيدهش غدا إذ سيرانى فى الجرائد ويرى صورا لى فى عربة جيب، وقال إنه لف الشوارع الرئيسية فى البلد مع اللواء محمد نجيب ــ وكانت أول مرة أسمع اسمه ــ وإن البلد كلها خرجت لتحيتهم وكلها حماس

قلت له: إنى طول النهار أسمع الطائرات تمر من فوق البيت، وحكيت له عن سهرى طول الليل حتى الصباح، وقلقى عليه عند سماعى طلقات الرصاص.

قال جمال: لقد اقتحمنا القيادة العامة بفرقة من الجيش ومعى عبدالحكيم عامر، ولم يصب إلا اثنان فقط من الجنود.. واحد من حرس القيادة وواحد من الفرقة التى معنا. واستسلم كل الموجودين فى القيادة وكانوا مجتمعين، وأخذتهم واحدا واحدا وأدخلتهم فى مبنى المدرسة الثانوية العسكرية ــ وكان فى منشية البكرى فى ذلك الوقت ــ ثم قال: وسلمتهم للسجّان حمدى عاشور.. وضحك. وبعد أن تم كل شىء خرجت لأقفل الشارع وأرجع العربات المارة قبل مرور الجيش، وكنت واقفا على ناصية الشارع وركنت العربة الأوستن بالقرب منى.. وأضاف وهو يضحك: لِمَ تقلقين وأنا قريب منك على ناصية الشارع، والعربة الأوستن بالقرب منى فى ميدان المستشفى العسكرى؟ فقلت: إنك كنت قريبا ولكن بعيدا جدّا.. وكان يضحك

وتحدث عن الملك وقال: لقد أرسل الملك مبعوثا من قبله وأملينا عليه تغييرات وشروطا، وكل ما طلبناه منه وافق عليه فورا . وحدثته عن حضور ثروت عكاشة فى الصباح وتهنئته لى وقوله: اسمعى البيان فى الساعة السابعة.. وسمعته. فقال جمال: إنه أنور السادات، وقال: لقد كان هو وزوجته فى السينما، وعندما رجع لبيته وقرأ الورقة المكتوب فيها أن يحضر ارتدى ملابسه العسكرية وخرج مسرعا، وفى طريقه للقيادة عند مدخل مصر الجديدة منعه الضابط المكلف بالوقوف هناك لعدم معرفته كلمة السر، وبعد إلحاح سمح له الضابط بالمرور، وعند مدخل القيادة منع أيضا من الدخول فلف ودار حول القيادة دون جدوى، وأخيرا نادى، وصاح فسمعه عبدالحكيم وعلمت بحضوره ودخل القيادة عند الفجر، وفى الصباح أعطيته البيان ليقرأه فى الإذاعة

وكان جمال عبدالناصر يضحك وهو يحكى عن أنور السادات

وفى الساعة الثانية عشرة مساء قام جمال وقال لى: لا تنتظرينى فسأبقى فى القيادة.. وحيَّانى وخرج