فرانسوا باسيلي في ديوان شمس القاهرة.. ثلوج نيويورك


د. عبد الناصر عيسوي

المصدر: الحوار المتمدن 8-9-2014

شمس القاهرة ، ثلوج نيويورك

على الرغم من وضوح التضادّ والانقسام في عنوان الديوان، وضَعَ الشاعر تحت عتبةِ العنوان عتبةً تفسيرية أخرى تزيد من معنى الاغتراب، وهي "شظايا شعرية من المهجر الأمريكي"، مما يؤكد لنا أنه شاعر "مهجري" وأن ما يحتويه الديوان من قصائد لا يعبر عن الوحدة بقدر ما يعبر عن التشظي.

ويضم الديوان الذي بين أيدينا أربعًا وثلاثين قصيدة، موزعة على أقسام الديوان الأربعة، يضاف إلى تلك القصائد الافتتاحيات الشعرية الأربع للأقسام الأربعة. هذه الأقسام جاءت تحت عناوين: (عالم أول- الشمس)، (عالم جديد- الثلج)، (عالم ثالث- الأرض)، (عالم رابع- البعث).
وقد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى المعنى الساذج للشمس، لكن قراءة قصيدة "شمس القاهرة" يُطلعنا على أنها لم تكن للدفء، فإنها للإحراق، حيث نجد الشاعر يقول:

"في القاهرة/ لهَوْتُ مع النخل والنحل والنيل/ وفي نزق العشق في لفحات الهوى/ لثمتُ فم الشمس فاحترقتْ شفتايَ/ وسال الكلامُ كفولاذ مصهور/ قلتُ لا بأس، لا نور/ إلا من النار/ ولا عشق إلا بمحرقة تفني العاشق في المعشوقْ/ واحترقت شفتاي بما لا يقال/ ففي القاهرة/ لا يقال سوى ما يقول الدعاة/ أو ما يقول الطغاة/ أو ما يقول الغزاة/ وأنا قلتُ ما قلتُ دون أناة/ ودون مراعاة/ ومن عرف الحق كيف يقول سواهْ؟/ فاحترقت شفتاي/ بما ظل مرتعشا في دمي/ من سر الأسرار/ قلت لا بأس، لا نورَ/ إلا من النار/ وحين أتى الوقتُ ودعتُ أهلي/ وعانقتُ الشمس على مهلي/ ودخلتُ طقس الاحتضار".

لقد صار المهجر منفى في قصيدة بعنوان "صدرك أرحب من منفاي"، حيث يقول:
"الجداولُ تلك التي تترقرقُ من صخرة القلب/ أين تسيل؟/ والطيورُ التي هاجرتْ/ ستعودُ لأيِّ نخيل؟/ نعم إنَّ صدركِ أرحبُ من أرض منفاي/ لكنَّ نجمكِ مَرَّ وأومأ لي/ أن أهيِّئ نفسي لهذا الرحيل/ فسافرتُ. من يومها لم أحط رحالي/ ولا كان لي في الليالي دليل/ ولا طل بدرٌ كوجهكِ أتبعُهُ/ وعلى جسدي إذ أخِرُّ يميلْ".

كما يبدو الاغتراب جليًّا في قصيدته المقطعية "الأغاني التي ليست للأصفهاني"، وخصوصًا في المقطع الثالث بعنوان "الأغاني"، حيث يقول:
"كلما سمعتُ الشعر والأغاني: عانيتُ ما أعاني/ بكيتُ فجأةً سألتُ الأصفهاني/ يا أصفهاني/ هل بكى الذين كانوا يسمعون في ذلك الزمانِ/ مثلما بكيتُ الآن؟/ هل من المعقولِ/ أن تنوح الروحُ كالأرغول/ في الليل هكذا/ وتلتوي في الريح من تباريح زماني/ عند سماع الشعر والأغاني؟/ سألتُ الأصفهاني/ يا أصفهاني/ ما هو الوطن؟/ قال ربما هو اللحن الذي يظل كالشجن/ بعد رحيل الصوت والمعاني/ وربما هو الحزن/ وربما الحلم الذي يظل مقبلاً وراحلاً/ منطفئًا مشتعلاً/ ربما هو خلاصةُ الأماني/ وأجملُ الأشعار/ والأغاني".

ويضم الديوان عشرة مقاطع قصيرة تحت عنوان "شكاوى جديدة للفلاح الفصيح"، يقول في المقطع الأول:
"للفلاح الفصيح شكواهُ/ لداود مزاميرُهُ/ للأصفهاني أغانيه/ أما أنا/ فحين يجيءُ ميعادي/ سأذهبُ إلى قبري/ وفي داخلي نشيدُ بلادي/ مصرُ تقول لي/ نشيدي ليس أيَّ نشيد/ نشيدي لا يُغنيه/ سوى قلب شاعر/ أو روح شهيد".
ويتخذ الشاعر أقصر طريق للشاعرية في مقاطع قصيرة جدا، كما يقول في المقطع الخامس:
"عجبتُ لقومي/ يحاربون حتى الموت/ من أجْل الحرية/ ثم يُسلمون أمرهم/ لأول طاغيةٍ/ يقابلهم في الطريق".

ويصل الاغتراب مداه في المقطع التاسع، حيث يحمل الشاعر مصر كلها بكل ملامح الأرض والنيل والناس، فلا يجني إلاَّ مناظر خلابة فارغة من المعنى، لا تُسمن ولا تُغني من جوع:
"يحمل المصري أرضه/ ونيله ونخله وأهله/ ويزرعها كلها في أرض منفاه/ وبعد سنواتٍ/ في موسم الحصاد/ يجني زهورًا خلابة/ بلا رائحة/ وفواكه زائدة الحجم/ بغير طعم/ فيمضي ما بقي من أيامه/ في مجاعة/ لا يشبعها شيء".

وبعد جولة طويلة من الشاعر في أنحاء نيويورك، شرقا وغربا وشمالا وجنوبًا- لم يعثر الشاعر إلا على ملامح مصرية تشير إلى الأصالة بطرفيها الإسلامي والمسيحي، ولا شك أنه في جولاته تلك كان يشعر باغترابه الروحي، حيث لا يعثر على روحه إلا في مصر، فهو يقول في المقطع العاشر والأخير:

"اكتشفتُ بعد ثلث قرن/ أن شوارع نيويورك/ من فيرست أفنيو شرقا/ إلى إلتنث أفنيو غربا/ ومن شمال برودواي/ إلى هاوستون ستريت جنوبا/ تنتهي بي كلها/ إلى ميدان الحسين/ ومدخل الكنيسة المعلقة".

لقد صار الوطن فكرة هلامية من الدخان قائمة في ذهن الشاعر فقط، حيث لم يعد له وطن يداوي اغترابه، في قصيدة له بعنوان "وطن من دخان"، والتي يختمها بقوله:
"لي وطنٌ ليس يشبه مصر/ ولا مصر تشبهه/ فأين ستهجع روحي في الأرض؟ وهل بعد مصر لها مطرحٌ/ أو مكان؟".

لقد صار الاستقرار الروحي للشاعر يعني مصر، وماعدا ذلك فهو اغتراب، وليس مجرد غربة مكانية، فإنها الروح المغتربة التي لا يقر لها قرار.