شمس القاهرة .. ثلوج نيويورك من نوستالجيا الوطن ..إلى احتراقات الغربة


شمس القاهرة ، ثلوج نيويورك
إبــــــاء اســــماعيل
جسور 9 - 19 يونيو 2015


نصوصٌ شِعريّة تشدُّكَ إلى جذورِك و تحمل خصوصيّة وحدَتِها رغم اختلافها و تنوُّعِ موسيقاها. و كما أسْماها الشاعر فرانسوا باسيلي (شَظايا شِعرية من المهجر الأمريكي).
يعزف فيها على أوتار متعددة و متناغمة في آن.. جميع القصائد تصبُّ حول ثيمة العنوان ، عنوان الديوان. نتناول نصفه الأوّل: ( شمس القاهرة) الشمس هي حقيقة و رمز في آن . توحي لنا بالدفء ، بالوطن، بالأمّ، بالحبيبة ، و بكلّ ما هو حميمي و ترمز إلى الحقيقة الساطعة أيضاً. و في قصيدته التي تحمل ذات العنوان ( شمس القاهرة) يقول:
" واحترقت شفتاي/ ففي القاهرة / لا يقال سوى ما يقول الدعاة / أو ما يقول الطغاة / أو ما يقول الغزاة / و أنا قلت ما قلت دون أناة / و دون مراعاة / و مَن عرف الحق كيف يقول سواه؟" (ص. 16 )

و ( ثلوج نيويورك) توحي بالإحساس الفادح بالغربة و المعاناة و النزف الداخلي للروح!! .. فالعنوان بكل بساطة و بمعناه الحرفي ( شمس القاهرة )، بكل دفئها المعنوي و المادي، و( ثلوج نيويورك) بمعناها المعنوي و المادي أيضاً ..
والديوان قائم على المفارقات و المقاربات بين عشقه لمصر و الحياة اليومية و بين منفاه و كلاهما في النهاية يصبان في نهر واحد. و نتلمّس العمق الفلسفي الماورائي حين روح الشاعر تغادره كل فجر من نيويورك الى القاهرة لتبحث عن قوَّتها في مدينة ميلادها و هذا يشكِّل خصوصية لملامح قصائده في الديوان . تلك الروح ليس فقط تظل على حافة الموت ، بل تتوق الى ما بعده من الحياة.
في الديوان نصوصٌ جريئة تتناوَل موضوعة الحب بتفاصيله الصغيرة، لكن الشاعر يباغتك في سياق القصيدة أو في منتصفها أو نهايتها أنه يتحدث عن حالة حب لوطنه، للقاهرة، للنيل، لمصر . و هذا يحيلنا إلى ( بهيّة) رمز مصر في التراث . وللقارئ أن يستنتج ما شاء له. و نزعَمُ أنّ الشاعر كثيراً ما يلقي بغلالة شفافة على نصوصه الشعرية ليُسَلِّم أسراره العشقية للقصيدة و تختبئ وراء عباءة الوطن. هذه النصوص تُشكِّل ثنائية مدهشة في الواقع و تكررَ هذا في قصائد مثل ( زهرة لوتس تقومُ من النّوم)،و( زائرة الليل )، ( تفكُّ ضافرها و تُعانقني)، ( إنّي غريبٌ بدونك في الأرض)، (جسدٌ يذبلُ بين يديها)، ( اخرجي للحقول معي) و في قصيدته (جسم كالهلال فوق الناطحات) يقول:
" الثلج في الشارع الخامس /في نيويورك / سال من يديك و أنتِ تنظرين من بعيد / يا مصر لي / أحقاً هذا أنتِ / أم انصهر الخيال في الخيال ؟/ رأيت جسمكِ المائل للزوال يميل كالهلال فوق رأس الناطحات / جسمك المصلوب فوق الواجهات / في الزجاج / في الرخام / في النيون /جسمك الحنون / عارياً/ يمر في العيون في الظنون / كان حلماً بارقاً بالحانة السفلية / يا مصر." (ص.135)
الديوان يشعّ بالرموز الجديدة و القديمة ، الدينية و التراثية ، تعكس ثقافة الشاعر و تدخل في نسيج القصائد لتشكِّل عالماً شِعرياً ينسجم مع القصائد و يصبُّ في دلالات المعاني . من هذه الرموز: الذبائح، المدائح ،التراتيل ،الهيكل، مزامير، أخناتون، ، شهرزاد، شهريار، فرعون، مومياء ، فرح الاكليل، كاهن المعبد ، سنوحي، العشاء الاخير، زهرة اليورانيوم ، الأصفهاني . إنّ مفرداته و صوره الحية المستمدة من الواقع و التاريخ و التراث الذي يسكنه تُعطي لنصوصه الابداعية زخما حتى حين تتجلّى تساؤلاته في أبسط طفولتها و عمقها :
"سألت الأصفهاني / يا أصفهاني / ما هو الوطن؟/ قال ربما هو اللحن الذي يظل كالشجن / بعد رحيل الصوت و المعاني / ربما هو الحزن / و ربما الحلم الذي يظل مقبلا و راحلاً / منطفئا مشتعلاً / ربما هو خلاصة الاماني / و أجمل الاشعار/ و الاغاني." (ص. 40 ).
و لعلَّ من أكثر النصوص دراماتيكية، كانت بعنوان ( وردة في آفنيو أوف ذا أميريكا )- رغم أنّي أتحفَّظ على خلط اللفظ الانكليزي بالنص العربي على هذا النحو- حيث يضع الشاعر باسيلي أحرفه المشتعلة على الجرح العربي .. يرى في ذلك الشارع ما أطلق عليها ( وردة الرماد) ، الوردة التي سرقها الغرب من الشرق و أنشب أظفاره باسم الحريات و الديمقراطيات و استباح الأوطان و التراث و الثقافة.. يستحضرفيها الشاعر نزار قباني و أحمد شوقي و شهرزاد و يبكي على أطلالهم برمزية شفافة و يختصر لنا ألم الغريب عن أوطانه التي تحترق :

" لا رحم الله/ من أحرق البلاد و العباد / في مصر أو دمشق أو بغداد / لكي يقطف من وجوهنا المحترقة / وردة الرماد / و يبيعها في حوانيت الورود / للأغنياء في نيويورك / في آفنيو أوف ذا أميركا" (ص. 74-75 ) .

لنرى معاً ماذا اكتشَف بعد ثلث قرنٍ من غربته:

" اكتشفتُ بعد ثلث قرن/ أن شوارع نيويورك/ من فيرست آفنيو شرقا / الى التنث آفنيو غربا / و من شمال برودواي / إلى هاوستون ستريت جنوبا / تنتهي بي كلها / إلى ميدان الحسين / و مدخل الكنيسة المعلقة ! " ( ص. 36) .

و لعلّ قول الشاعر فرانسوا باسيلي في مدخَل الديوان يختصر لنا إحساسه و رؤيته:
"ما حاجتي للبكاء و نيويورك تُمْطِرُ في قلبي كلَّ يوم، و أنا أعلنُ للرائِحِ و الغادي: في البدءِ كانتْ مصر. "
قدَّمَ للديوان على لوحة الغلاف الأخير د. محمد سليم شوشة قائلاً:
" فرانسوا باسيلي صوتٌ شِعري مهجري له خصوصيّة، صوتٌ يناجي الوطن كما يناجي الصوفي ربّه، حالة شِعرية لا تختلف عن العشق الإلهي. .... هذا خطابٌ شِعريّ يتّسم بالإيغال في الشّاعرية و الصدق، و له ملامح سرديّة تجعل قراءته ممتعة إلى أقصى درجات المتعة، و يجعل شِعر المهجر نموذجاً ممتداً في الأدب العربي و نهراً متَصلاً عابراً للقارَات و صلة بين الأمم و الحضارات ..."
صدر الديوان عن مؤسسة سندباد للنشر و الاعلام بالقاهرة و هو الديوان الثالث للشاعر بعد "تهليلات إيزيس" الصادر عام 1998 و "تراتيل الهزائم الجميلة" الصادر عام 2010.
يقع الديوان في 160 صفحة من القطع المتوسط و يحتوي على أربعٍ و ثلاثين قصيدة .