حوار مع الشاعر إبراهيم عبدالفتاح




جريدة الرأي - حسين دعسة و زياد عساف


الشاعر ابرهيم عبد الفتاح
..و يجد الحب مع النهار مع الشاعر طريقهم الى الميدان..الى نبت الاصالة والحرية ، حاملا ضوء البدايات ..تلتقيه في غياهب العشق ويترك لك حرية النور والنيل والاثر.
انه الشاعر وأحد أبرز مؤلفي الأغاني في مصر والبلاد العربية ، من أعماله اغنية «لما الشتا يدق البيبان» مع علي الحجار، وديوان «صورة جماعية للوحدة»
..»أنا باعتذرلك ياندي عن ورد مافتحش
وباعتذرلك يامدي عن حضن مابيساعش
وباعتذر للنيل يروينا عطشناه
وباعتذر للخير عن بعضنا حشناه
وباعتذر ل الليل عن صبح مابيطلعش «..
..عن الحب في الاغنية وصورة الوطن والحياة ، وما آلت اليه الاغنية في ثقافتنا وزماننا، بكل ما فيه من الآهات .
..أحب عمان وسار في شوارعها من اطراف القلعة الى جبالها واثرها في وسط البلد، ويتفاعل مع مبدعينا في طريق الانجاز لمرحلة من الغناء الجميل.
انه الفنان الشاعر ابراهيم عبد الفتاح ، مشاء في عمان .



- تربينا على وجدان خرب وغير مكتمل، ، عبر أغان كرست للذل والهوان والضعف، هذا فيما يخص الغناء العاطفي إذا ما نحن حددناه بالعلاقة الغرامية، رغم ان بالعاطفة متسع لعلاقات كثيره؟
- الاغاني الاجتماعية تحمل تراثا ثقيلا من الاستسلام والسلبية والتي تجلّت في الامثال الشعبية «الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح»، «يا بخت من بات مغلوب.. ولا بات غالب»» بالإضافة لتراثنا المليء بالعديد والمراثي و»العدودة» تقال للميت والغائب والضرة وغيرها من الموضوعات.
أما الأغاني الوطنية فقد مرت بمنعطفات تاريخية تأثرت بها فمن الحلم بوطن عربي واحد ( الوطن الأكبر ) وانتهاء بالغناء للفرد مما رسخ للأحادية في النظر للأمور علي صعيد كل المجالات, ولك أن تتخيل أننا مازلنا نبحث عن عبد الناصر جديد وأم كلثوم أخري وفيروز ثانية , وقد يكون للسير الشعبية والملاحم أثرهما في تعميق الفردية علي حساب روح الجماعة .

الأغنية العربية إلى أين ؟
- الاغنية العربية جزء من المناخ العام، وطالما ان كل الاشياء في تدني فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على حال الغناء وقد تكون هناك بعض الاستثناءات يمكننا من خلالها تحديد المسارات التي تنطلق منها الاغنية المرجوة.
ولا بد من عمل خلخلة لكل الثوابت القديمة «ثقافية اجتماعية سياسية و زلزلة للقناعات القديمة وتغييرها. وقد تحمل بعض الفرق المستقلة بشارة من نوع جديد في ملامح التفكير في الأغنية واستطاع البعض الانتقال بها من فكرة التنظير الجاهز فيما يشبه بيان أو خطة عاطفية إلى فكرة اليومي والعادي والتحدث عن الحالة الذاتية في أدق تفاصيلها , مطلوب دائما من الفن التحلي بروح المغامرة حتى فيروز بعد هذا العمر وتراثها الكبير تكاد تكون غيّرت جلدها تماما مع زياد، بداية من «كيفك انت»، لو نظرنا لهذه الاغاني لوجدناها مختلفة من حيث المضمون والشكل عن كل ما قدمته وهذا يكاد يكون التجلي الحقيقي لمعنى المغامرة في الفن , كما فعل جيل الوسط في مصر ( منير والحجار ومدحت صالح ومحمد الحلو ) علي الأقل في البدايات وقد حققوا بمساعدة بعض الشعراء والملحنين نقلة نوعية في شكل ومضمون الأغنية , لكنهم ربما تراجعوا بعد ذلك مع ظهور موجات موسيقية مختلفة مثل ( حميد الشاعري وصلاح الشرنوبي فيما بعد ).

واقع الأغنية كنص؟
- الشعراء قديما كانوا طوال الوقت يتمثلون نسقا مميزا تكتب به الاغنية ولا نستطيع وقتها ان تتفاعل مع الغناء الذي خارج هذا النسق وهذا ينطبق على الكلام واللحن والأداء
وكان يوجد لجنة موحدة بالاذاعة والتلفزيون هي المسؤولة عن ترشيح الملحن والمطرب وكانت هناك حفلات بمثابة بوابات هامة للإعلان عن نجم غنائي جديد مثل ليالي اضواء المدينة وليالي التلفزيون وكان يوجد ما يسمى «خريطة الموسيقى والغناء والتي تراجع دورها تباعا حتي انحسر تماما بعدما انتشر سوق الكاسيت وأعقب ذلك الانفتاح الفضائي الهائل وبداية تحكم رأس المال في إنتاج الغناء الموجه ومع هذا الزخم فقد الإعلام الحكومي سيطرته ولم يعد هو الفلتر الوحيد الذي يمنح ويمنع .

ما تأثير هذا الانفتاح على الأغنية؟
- تأثيره حدد المشتغلين بعناصر الأغنية وساهم في أن اقتحم سوقها أنصاف وأرباع الموهبين وتقلص حجم وجود الشعراء الحقيقيون وكما حدث في بعض المهن التي تحقق ربحا سريعا وكبيرا أو مجدا وشهرة كالصحافة مثلا أو الإعداد التلفزيوني

اين انت من كل ذلك؟
- انا خارج المشهد الراهن لانه لكي ابقى فيه لا بد من تقديم تنازلات هي بالأساس فنية وهذا ما لا يمكن ان اقدم عليه.
فقط انشغل أحيانا بكتابة اغنيات تتعلق ببعض الافلام والمسلسلات بشرط ان تكون موضوعية وبعيدة عن الابتذال .

انا افهم ان ابتعادك الان بارادتك وحريتك الشخصية؟
من واقع ما يحدث الان في مصر، النص لم يعد هدفا نظرا لوجود جهتين أحداهما تجارية يهمها الربح والأخري سياسية يهمها ابقاء الوضع على ما هو عليه والانزلاق نحو الاسوأ.

ماذا عن بداية تعاطيك مع المجال الغنائي ؟
الحقيقة أني أعتبر نفسي محظوظا فقد كانت هناك اجواء مشجعة عندما تجد اصواتا مختلفة في توجهاتها وثقافتها فإن هذا حافز لي للانطلاق حسب توجهاتي فاستطعت تقديم ( لما الشتا يدق البيبان ) و ( عصفور ) لعلي الحجار ثم «بفرد ضلوعي لحد جرحك يا صديق» مدحت صالح، وعديد من الأغاني مع وجيه عزيز وطارق فؤاد وحنان ماضي وحسن فؤاد وأنغام وحفيد سيد درويش .

اريد ان اسمع رأيك حول صدى هذه الاعمال ذاك الوقت؟
الحقيقة كان رد الفعل رائعا ومدهشا، رائع لأنني لم أتخيله ومدهش لانه كان قد سبق كتابة الاغنية بسنين طويلة انشغالي بكتابة القصائد ولكن برغم هذه السنوات والنشر في بعض المجلات مثل «ادب ونقد» او «الثقافة الجديدة» لم يعرفني الناس سوي عبر الأغنية ثم بدأ يطلبني مطربات ومطربون وشركات إنتاج لكني كنت قد حددت سلفا بعض الشروط لاستمراري في هذا المجال وكنت أهتم بالكيف وليس الكم لأنني أعرف جيدا أن قبول عمل كثير معناه أن تقل الجودة

هل الفعل النقدي تلك الفترة متوازي مع طموحك ؟
- لا يوجد نقادا متخصصون في الأغنية للاسف بعد «فرج العنتري» و»كمال النجمي» ومن على شاكلتهم, بعدهم لا يوجد حالة نقد حقيقي للموسيقى والغناء، خاصة انه لا توجد حركة نقدية متابعة لقصيدة العامية المصرية.

عندما تحولت قصيدتك الشعرية الى اغنية وحملتها جسور الموسيقى الى الناس، هذا الشيء هل جعل ابراهيم عبدالفتاح يهتم بالاغنية ام بالمسرح ام التلفزيون «تترات مسلسلات»؟
- سؤال مهم لان كما قلت المجلات الأدبية كان يقرأها عدد قليل طوال الوقت تقول الشعر ولا أحد يسمعك ، الغنوة جعلت الناس تنتبه للأسم وهذا حملني مسؤولية تجاه كل ما انطق به، وبالتالي بدأت جهات مثل القطاعات الرسمية وبعض منتجين القطاع الخاص بتكليفي بكتابة اغاني ومسلسلات واوبريتات وايضاً مهدت السكة للعمل الاحترافي بالمسرح بعد سنوات من الهواية في مجال المسرح.

ما الذي ميز طفولتك ودفع مواهبك نحو الكتابة والغناء ؟
- البيت توجد به مكتبة لا بأس بها للوالد شعر ورواية وفلسفة والاغاني للاصفهاني ثم ميول الاب والام لنوع محدد من الغناء مثل ام كلثوم سيد درويش عبدالوهاب منيرة المهدية وصالح عبد الحي وغيرهم .
كنت عندما استمع لبعض الاغاني، اكتب كلمات بديلة على نفس اللحن ويمكن هذاعن غير قصد كان تدريب على كتابة شكل الغنوة «الفورم» وكيفية تقطيع الاغنية والكتابة الدرامية بالاضافة للشطط الشخصي والخيال عندما اقرأ «كلمات اغنية» ستغني في حفل قادم ، كنت اتمعن بالكلمات واحاول استحضار روح الملحن وأتخيل كيف سيكون اللحن وان اهم مصدرين لاطلاق طاقاتي كانا امي وخالي.
حيث كانت أمي طوال الوقت تغني وكانت تخصني بأغنية تقول : «حواليك جناين واجيك منين يا ابراهيم..» وكان يوجد في المنزل «البيك اب» الاسطوانات، كان التأثير الاكبر من قبل خالي مرسي ابو سيف، وهو الذي درب محمد طه على الموال والغناء الشعبي ، خالي لم يعمل في مجال الفن كون تقاليد ا تترتبط بالعائلة منعته من ذلك كان يغني في المناسبات العائلية الاعراس والافراح من ضمن المصادر التي اثرت بي، اذاعة ام كلثوم، الاسطوانات التي كانت عندنا لمطربين شعبيين منهم «خضرا محمد خضر» وعبده الاسكنداني» فايد محمد فايد، بالاضافة لكلاسيكات الغناء العربي ام كلثوم وعبدالوهاب وعبده الحامولي وصالح عبد الحي وفتحية أحمد وانعكس ذلك فيما بعد على مشاركاتي في الحفلات وبصفة خاصة الاذاعة المدرسية، كنت ارتجل رباعيات يومية تتعلق بالاحداث الجارية وقتها.

هل يوجد مصادر اخرى؟
- يوجد لدينا مكتبة لوالدي رحمه الله تحتوي علىشعر لشوقي وحافظ ابراهيم واسماعيل صبري باشا وهاشم الرفاعي وتقريبا اغلب اصدارات جماعة الديوان في العشر، بالاضافة للتراجيديات الشكسبيرية والسير الذاتية لادباء ومسرحيين عالميين إبسن «، «البيركامو» «هنري ميللر»وغيرهم بالاضافة للسير والملاحم الشعبية «السيرة الهلالية الزير سالم والمهلهل وشفيقة متولي وناعسة وايوب، وبهية وياسين»
وتأثرت بالصور الغنائية الاذاعية فقد دربتني على البعد الدرامي في كتابه الاغنية

ما هي قصتك مع الموسيقار الكبير «عبد الوهاب»؟
اول اغنية كتبتها وتكاد تكون متكاملة كانت اغنية «رأيك ايه» طبعاً سبقتها اغان كثيرة مع اصدقاء الحي من مطربين وملحنين «رأيك ايه» كانت الغنوة التي كتبتها على اعتبار ان تغنيها ام كلثوم وكان ذلك بعد لقاء سعت اليه فايدة كامل للقاء الموسيقار محمد عبدالوهاب «في السبعينات وحصل خلاف وقتها حول مفردة» «الكأس» لأنه في هذه الفترة كان قد انفتح السوق على الخليج مما جعل مفردة الكأس تعني الخمر وكانت بداية الأغنية تقول : الذكري بتنده علي ماضي كان قلبي قرب ينساه .. وبتملالي الكاس الفاضي وتقول لي أشرب واملاه.

ما انعكاس هذه التجربة عليك.؟
فكرة أن تكتب أغنية لأم كلثوم في مثل هذا السن الصغير كان حلما كبيرا وكان من الممكن ان يحدث لي احباط عظيم لولا ان عبدالوهاب اثنى على الكلمات وقال لي : « بكره لما تكبر ح تكتب بمرونة وسوف تقبل بالتغيير شعراء كبار غيرت لهم أم كلثوم كلمات كتير «.
- بعد ذلك وبشكل شخصي عندما عملت بكتابة الاغنية كاحتراف استفدت من هذه النصيحة وحتى اني غيرت من الكوبليه الاخير من اغنية «لما الشتا يدق البيبان» التي غناها علي الحجار واكتشفت مع التجربة أن هناك مفردات أحيانا تكون غير مستساغة في النطق أو يكون المطرب لديه مشكلة في نطق حرف بعينه بشكل سليم

ماأهم خطوة أثرت على مسيرتك في الكتابة؟

كان عندي حظ كبير ان اتقابل مع بعض الكبار، التقيت بعبد الفتاح مصطفى في برنامج اذاعي كانت تقدمه المذيعة والاعلامية هدى العجيمي، وكان برنامج اسمه «مع الادباء الشبان» , البرنامج يتضمن استضافة كاتب ناشئ وبحضور شاعر كبير لتقييم التجربة، عبدالفتاح مصطفى عقب على ما قرأته يومها قائلا : «ان هذا الشاعر رأسه كله عيون»، بعد اللقاء تحدثنا جانبيا وقال لي: «لا تكثف من الصور الشعرية حتى لا تشتت المتلقي».
والتقيت ايضاً مع الشاعر الغنائي عبدالوهاب محمد في شركة انتاج واثنى عبدالوهاب محمد على بعض النصوص التي كنت قد قدمتها للشركة وقال: «ان هذا الشاعر يذكرني بمرسي جميل عزيز» .