35 شاعراً عربياً ينشدون حرية العراق






بقلم: سامي كريم
الحياة 2003/09/14



"أحزان حمورابي: قصائد من أجل حرية العراق"، كتاب من اعداد الشاعر حلمي سالم وتقديمه، صدر حديثاً عن "مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان". يضمُّ قصائد لخمسة وثلاثين شاعراً مصرياً وعربياً، ينشدون قصائدهم من أجل حرية العراق، ضد استبداد صدام حسين والاستعمار الأميركي، على السواء. من الشعراء المشاركين في الكتاب من الدول العربية المختلفة والأجيال المتنوعة: أدونيس، محمود درويش، سعدي يوسف، نزار قباني، مهدي الجواهري، هاشم شفيق، محمد الفيتوري، فاروق شوشة، الأبنودي، فاروق جويدة، فاطمة ناعوت، حسن طلب، عبدالمنعم رمضان، أمجد ريان، شعبان يوسف، محمود الشاذلي، أحمد سويلم وسواهم. وتتصدر الكتاب مقدمة للناقدة العراقية المقيمة في القاهرة فريال غزول.
ومن مقدمة غزول وعنوانها "العراق وطن الشعر": "يرتبط العراق ارتباطاً حميماً بالشعر، فالقصيدة تعويذة العراقيين في عذابهم وأشجانهم، وفي مواجهتهم الطغاة والغزاة. وفي العراق يتبوأ الشعر المقام الأرفع بين الأجناس الأدبية، فكل أزمنة العراق - قديمها وحديثها - زمن شعر بامتياز وإصرار. والعراقيون شعراء بالفعل أو بالقوة - كما يقول المناطقة - فهم يقولون الشعر أو هم متذوقون له، مأخوذون بإعجازه، ومعتصمون بحبله. ولا تنبع شعرية العراقيين من خصوصية إبداعية فيهم، بل تنبثق من تاريخ يزدحم بالنكبات والكوارث. فالشعر قرين الألم وملاذ له (...). العراقي، إذاً، شاعر لا بالسليقة، بل لأنه منذور للمآسي والأوجاع. وكما يقول الشاعر: "أنت العراق، وأنت الحزن والألم" (فاروق شوشة).
تنطلق شاعرية العراقي من انفتاح عينيه "على ظلام بلا مشاعل" (عبدالوهاب المؤدب) واستبصاره للمشهد: "المدينة مطوية في الرماد" (محمود نسيم)، أو كما تقول شاعرتنا نازك الملائكة: "وها نحن، حيث بدأنا، نجوب الظلام الفظيع/ شتاء يموت، وأسئلة لم يجبها الربيع". ومن هذه الزاوية ندرك المعنى الأعمق لمحمود درويش عندما يقول: "فكن عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي!". تبدو معايشة الألم وكأنها شرط لا مفر منه للشعر. وعراقنا يطفح بالأسى، فمن تراجيديا جلجامش الى شهادة الحسين، ومن الغزو التتري الى الغزو الأميركي، فقد "جاء التتار قديماً من الشرق، والآن هم يقبلون من الغرب" (أحمد سويلم).
من هنا يصبح الشعر مرجعاً وملاذاً، كما يقول عبدالوهاب البياتي: "أقرب وجهي من وطن الشعر" (...).
في القرن العشرين نهض العراق بعد استقلاله وساهم بثروته الطبيعية والبشرية في أن يكون بلداً مرموقاً إقليمياً، وعضواً في هيئة الأمم المتحدة منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية، لذا كان احتلال العراق اليوم ورجوع الاستعمار القديم والمباشر تحت راية أنغلو - أميركية الى المنطقة صدمة سياسية وهزيمة للمعايير الأخلاقية والقانونية والإنسانية. إن غزو العراق والتحكم الأجنبي في مستقبله وثرواته وكيانه خطوة مفصلية في مسار هيمنة قطب واحد وإملاء إرادته على العالم في استبداد لا مثيل له في التاريخ، وعلى رغم مناهضة الرأي العام وهيئة الأمم المتحدة للحرب الاستعمارية، "حرب على الماء والشجر، وعلى / الطيور ووجوه الأطفال" (أدونيس).
وقد سجل الشعراء على اختلاف لغاتهم مواقفهم المعادية لهذه الحرب المدمرة وخرجت الجماهير بالملايين في تظاهرات كاسحة لتمنع وقوعها في العالم كله، بما في ذلك في المعسكر الاستعماري، كما جاء في قصيدة محمد الحارثي: "سيتظاهرون ضد الحرب/ في واشنطن، لندن، وسيدني. لكن من سيصغي إليهم/ في الغابة؟"(...).
وقفت الجماهيد ضد الحرب كما وقفت من قبل ضد حصار استمر أكثر من عقد من الزمن فرضته الولايات المتحدة على العراق وحرمت العراقيين من الدواء ومن أبسط المستلزمات الطبية، ما أدى الى موت أكثر من نصف مليون طفل عراقي "أطفال بغداد الحزينة يسألون/ عن أي ذنب يقتلون" (فاروق جويدة).
فالحصار يحد أبناء الشعب وفئاته الضعيفة والمستضعفة أكثر مما يؤذي الطبقة الحاكمة والمتحكمة. وعلى علم العالم بهذه الجريمة الإنسانية في حق الشعب المظلوم استمر تطويق العراق وتجويعه ومن ثم غزوه ونهب ثرواته، بما في ذلك متاحفه وآثاره لبيعها في الأسواق الدولية تحت أنظار الغزاة وتواطؤهم: "القراصنة هناك عند الأفق، يقصفون الحضارة، ويشعـلون الحـروف" (أمجد ريان).
أثارت الحرب الأخيرة على العراق بعنفها وقوتها التدميرية ومجيئها "بعاصفة من النيران تجرف ما يصادفها" (محمد سليمان)، باستنكار الشعراء، فالشاعر العربي - سورياً أو مصرياً، فلسطينياً أو سودانياً - يشعر بأن العراق ركن من أركان وطنه الكبير وينفعل بما يجرى له(...).
وتتوالى الاستعارة عند الشعراء، فالأطفال يرضعون "لبن الموت" (محمود الشـاذلي) في "مدن حلت زنانيرها كالساريات "(هاشم شفيق)، ففي "هذا الليل المزهر في بغداد،/ باقات باقات تتشظى" (إلياس لحود)، حيث يصبح "أوسع المدى أضيقه" (حسن طلب)، وتصبح "المحنة الحياة لا الموت" (حلمي سالم). وهناك حيث "غربان من الفولاذ تنقض" (علي جعفر العلاق) "تنام البلاد على نخلة الموت" (علي الشلاه).
تتجاور أبيات الشعراء وتتحاور عندما تقع الواقعة وتتجه "أقدام المارينز صوب دجلة" (فاطمة ناعوت)، يقول الشاعر البصري سعدي يوسف: "كان النخل في البصرة يهتز/ وكانت طائرات تعبر اللوحة كالبرق/ وكان الرعد يهوي في دمي مثل الرماد" (...).
إن ما يجمع هذه القصائد - التي اختارها الشاعر حلمي سالم، وأعدها في ترتيب أبجدي والمكتوبة منذ عـام الوثـبة العراقية (1948)، حتى سقوط بغداد في أيدي المحتلين (2003) - يجمعها على تفاوتها في المقاربة والغرض، وتنوعها في تناول موضوعها وصوغه حضور العراق تضميناً أو تصريحاً. ومن المدهش في هذه القصائد عند تتبع طرائق استدعائها للعراق هو تواتر الإشارة الكنائية له عبر شعرائه المحدثين، فالقصائد تتضمن ذكراً للشعراء العراقيين أو تناصاً معهم: بدر شاكر السياب ("عراق، عراق، وليس سوى العراق")، نازك الملائكة، محمد مهدي الجواهري، عبدالوهاب البياتي، بلند الحيدري، سعدي يوسف، سركون بولص، هاشم شفيق، ويضاف الى هؤلاء شاعر العود العراقي نصير شمة. إنهم وجه العراق المشرّف وممثلو ماهيته الحضارية، ففي الذاكرة الثقافية يغيب قيصر ويبزغ المبدع(...)".