معرض فرانكفورت نقطة انطلاق وليس محطة وصول





طارق الطاهر يحاور المهندس إبراهيم المعلم
أخبار الأدب 23 مايو 2004



حقائق كثيرة غائبة عنا ونحن نتحدث عن الاعداد لمعرض فرانكفورت، وشائعات أكثر روجت عن فعاليات التخطيط لهذا الحدث العالمي، الذي اختار العرب ليكونوا ضيوف شرف هذه الدورة، ولكن كلمات المهندس إبراهيم المعلم رئيس اتحاد الناشرين المصريين والعرب وأحد المخططين الرئيسيين لهذا الحدث، كشفت لنا عن حقائق الأوضاع 'إيجابياتها وسلبياتها'، فبصراحة لم أكن أنتظرها، لأنه تخلي عن دبلوماسية الردود­ تحدث إلينا كاشفا عن رؤيته ليس فقط لما يجري من إعداد للمعرض، بل­ أيضا­ عن حقيقة وضع الثقافة العربية، مؤكدا أن المستوي العام للثقافة العربية ليس مرتفعا ولو كان كذلك لكنا ربحنا معركتنا مع إسرائيل
ومن هذا المنطلق فإن خطط التمثيل والإعداد لمعرض فرانكفورت أفضل من المستوي الحقيقي، ويجب أن نعترف أن حركة النشر في العالم العربي حركة وليدة، وحذر من أن نذهب لفرانكفورت واضعين في أذهاننا أننا 'سنضحك عليهم' أو 'علي أنفسنا'
ونقول ان مستوانا عالمي ومشكلتنا في الترجمة، وذلك غير صحيح، فلو كان مستوانا عالميا لتم ترجمتنا مثلما حدث مع نجيب محفوظ الذي ترجم إلي 32 لغة لأن إبداعه عالمي، ونفي المعلم تحديد دور النشر العربية المشتركة ب150 ناشرا فقط، مبينا أن باب الاشتراك مفتوح للجميع، حتي لو وصل عدد الناشرين إلي سبعة آلاف ناشر، وأن الجناح الرسمي سيضم ما بين 10 إلي 12 ألف كتاب، يتم اختيارهم بقواعد مهنية عالية المستوي، كما كشف عن عدم جدوي أن نقوم بترجمة أنفسنا، لذا فقد استبدل فكرة ترجمة الأعمال إلي اللغة الألمانية أو الإنجليزية، بإعداد دليل عن أهم الكتب متضمنا المعلومات الأساسية التي تتيح للناشرين الأجانب التعرف علي هذا الإنتاج، وبالتالي السعي إلي ترجمته وهذا أفضل للثقافة العربية، بدلا من أن نقوم بترجمة 'أنفسنا لأنفسنا'، وأوضح المعلم أن معرض فرانكفورت ليس معرضا ألمانيا، بل معرضا عالميا، لغته الأولي الإنجليزية، فهو السوق الأول للكتاب في العالم كله، وناشد رئيس اتحاد الناشرين الجميع بالضغط حتي لا يتأخر التمويل أكثر من ذلك، وإلا سيؤثر­ بلاشك­ علي خطط الإعداد، وأضاف أنه من العيب ألا تذهب الدول العربية مجتمعة وناشدهم بالمشاركة الفعالة.. فهذا المعرض فرصة ذهبية للجميع يجب اقتناصها والنظر إليه باعتباره نقطة انطلاق وليس محطة وصول، ومن هذا المنطلق اقترح بأن ننشئ صندوقا للترجمة وأن يبادر عدد من الدول العربية إلي تبني هذه الفكرة خدمة للثقافة العربية، وقد جاءت هذه الأفكار والرؤي في حوارنا معه وهذا نصه:

بداية ما دور اتحاد الناشرين العرب في الإعداد لهذا الملف؟
لابد أن نعرف أن جامعة الدول العربية هي التي بادرت بالسعي إلي معرض فرانكفورت والاتفاق مع الجانب الألماني للمشاركة كضيف شرف، فالفكرة والسعي من جانب جامعة الدول العربية، وليس من جانب وزراء الثقافة أو اتحاد الناشرين، وبعد هذا الاتفاق تم تشكيل لجنة عليا ولجان فنية وثقافية وقمت بالاشتراك في اللجنة العليا ممثلا لاتحاد الناشرين.. ومن هنا أحب أن أطمئن الجميع بأن الإعداد الذي جري والخطط التي وجضعت وتصورات الجناح ومشاريع المشاركة والاتصال مع الجانب الألماني، تتم بأجمل وأحسن مما يتصور أي انسان، ولو استمر هذا الوضع سيكون الاشتراك العربي ناجحا ومشرفا، وهذا الكلام لا يعني عدم وجود سلبيات في إطار أن مستوي الوضع الثقافي العربي ليس مرتفعا ولو كان كذلك لربحنا معركتنا مع إسرائيل، لذلك أقول ان خطط التمثيل أحسن من المستوي العام ومشرفه، ولكن التمويل لم يكتمل حتي الآن، لكننا سائرون في التخطيط والإعداد بدلا من أن 'نخلد أنفسنا ونلطم' فالتمويل أبسط شيء في الموضوع.. وهو شيء تافه فالمبلغ المطلوب من الممكن ان تدفعه أي دولة، ونحن نسير بخطي متميزة وأشاد بها فولكر نويمان رئيس معرض فرانكفورت في افتتاح معرض لايبزج للكتاب.
وأضاف المعلم: إن علي رجال الإعلام والمثقفين والمفكرين ممارسة ضغوطهم حتي لا يتأخر التمويل أكثر من ذلك، وإلا سيؤثر بلاشك علي خطط الإعداد ويفشل جزء مما تم التخطيط له.

هل تأخر التمويل حتي الآن.. هو الذي أضر بعملية ترجمة بعض المؤلفات التي اختيرت في قائمة تضم 100 كتاب؟
لا.. هذا السؤال يتطرق إلي شق مهني تدارسناه طويلا وهو هل الأفضل أن نقوم بترجمة أعمالنا بأنفسنا ونعرضها هناك.. أم أن نقدم انتاجنا بلغته الأصلية مع دليل يطبع باللغتين العربية والإنجليزية (لغة معرض فرانكفورت)، يتضمن معلومات عن الكتاب ومؤلفه ومحتواه وإذا اقتنع به أي ناشر عالمي يترجمه. بالتأكيد من خلال خبرتي في مجال النشر والثقافة، أقول إن الحل الثاني هو الأفضل لنا ولثقافتنا.
وأضاف: يجب ألا نضحك علي أنفسنا أكثر من ذلك.. فنحن منذ سنوات نترجم أعمالنا لبعضنا البعض، ولكن لا أحد في الخارج يقرأها أو يشتريها.. معرض فرانكفورت هو نقطة انطلاق حقيقية وليس محطة وصول، هذه الفرصة يجب أن نستغلها بطرق علمية ومهنية سليمة، تؤدي إلي رفع الصورة الظالمة عن العرب والمسلمين، مع الأخذ في الاعتبار أن الثقافة العربية لا تعيش أزهي صورها بدليل مستوانا في التعليم والصحة والديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة وتدني عدد القراء وعدد الكتب المطبوعة، بالإضافة للقيود المفروضة علي حرية التعبير والنشر، لذا أكرر بصراحة التمثيل الذي أعد حتي الآن أحسن من المستوي الحقيقي.

بصفتك عضوا في اللجنة العليا للإعداد للمعرض.. ما حقيقة قائمة ال120 أديبا ومثقفا، الذين تم أو يتم اختيارهم ليكونوا ضمن الوفد الرسمي ويشاركوا في الندوات والحوارات؟
بالفعل هناك قائمة من هذا العدد يتم اختيارها بناء علي ترشيحات من الجهات المعنية في الدول العربية واتحادات الناشرين، وسيراعي فيها تمثيل جميع الاتجاهات والتيارات.

هناك تخوف حالي لدي الشارع الثقافي من ألا تشمل هذه القائمة الرموز الحقيقية للثقافة العربية، بسبب مواقف بعضهم تجاه حكوماتهم أو من جراء آرائهم النابعة من ضمائرهم؟
القائمة لم تعلن بعد، ورغم ذلك أسمع أن هناك استبعاد لفلان أو علان، رغم أن الحقيقة غير ذلك، فبصفتي عضوا في اللجنة العليا وأحضر اجتماعاتها، لم يحدث تنبيها من عمرو موسي الأمين العام لجامعة الدول العربية أو من غيره، ليمارسوا ضغوطا لاستبعاد اسم أو إضافة آخر هذا شيء، أما الشيء الآخر فنحن نتلقي ترشيحات اتحادات الناشرين وهؤلاء لا يمثلون الحكومة، ولايزال البحث مستمر حتي يونيو لاختيار 120 مثقفا علي أسس من تميز وتنوع إبداعاتهم وكذلك قدرتهم علي المشاركة في الموضوعات والندوات التي سيتحدثون فيها، ويجب أن تعلم أنك لن تذهب إلي فرانكفورت لتكلم نفسك، ان هناك جانبا عالميا سيتكلم معك ويناقشك، ولا تتخيلوا الأمر أنه منافسة بين شخصين ينتهي بالتصفيق لأحدهما.. الأمر في فرانكفورت مختلف.. نحن ازاء حوار حقيقي يعرفون جيدا أبجدياته ومفاتيحه، فأمامنا فرصة حقيقية ليعرف العالم أدبنا ومبدعينا، وفي هذا الصدد اقترح أن نعلن عن ميلاد صندوق لدعم الترجمة، ممكن أن يبدأ بمبادرة من عدد من الدول العربية مثل مصر والسعودية ولبنان والمغرب.. ويهدف إلي تشجيع الثقافة، فهناك دول كثيرة سبقتنا في هذا الاتجاه مثل فرنسا، ألمانيا، انجلترا، وأمريكا ودول أصغر منهم مثل هولندا أو كندا.. فلو كنا نريد لمعرض فرانكفورت أن ينجح ويصبح نقطة انطلاق يجب أن نكون جادين، وأولي مظاهر هذه الجدية انشاء صندوق للترجمة، وقد عرضنا هذا الأمر علي فاروق حسني وزير الثقافة وأبدي موافقة مبدئية ويتم بحث الأمر برمته الآن، كما تبحث هذا الاقتراح­ أيضا­ السعودية وقطر وكذلك المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
وأضاف المعلم: يجب أن نتكاتف جميعا بطرق عملية لإنجاح هذا المعرض، فالنجاح مسئوليتنا جميعا، وألا ننظر باستمرار إلي ربع الكوب الفارغ، بل علينا النظر إلي الجزء الأكبر الممتلئ من الكوب، فالحديث عن السلبيات فقط أمر لن يفيد أحدا، لاسيما أنه من الضروري أن نضع الأمور في نصابها ولا نضحك علي أنفسنا، فحركة النشر في العالم العربي بدأت في مصر والشام عام 1850، أي بعد أوروبا ب400 سنة، وعدد من الدول العربية دخل هذا المجال منذ 20 عاما فقط، إذن هي حركة بكل المقاييس وليدة، بالإضافة إلي أنه لا يجب أن نزوٌِر الحقائق ونقول إن مستوانا عالمي ولكن مشكلتنا تحيز المترجمين العالميين ضدنا، هذا غير صحيح فلو كان مستوانا عالميا لقاموا بترجماتنا بدون تردد، فنجيب محفوظ مستواه عالمي، لذا ترجم إلي 32 لغة، الفنان عمر الشريف صاحب موهبة كبيرة أصبح ممثلا عالميا، د. أحمد زويل فاز بجائزة نوبل لنبوغه، ففكرة المؤامرة أصبحت الآن مرفوضة وعلينا أن نقدم إبداعنا للعالم برؤي مفتوحة وواضحة.

هناك إحباط لدي الكثير من دور النشر داخل مصر وخارجها من اقتصار المشاركة علي 150 أو 200 دار فقط.. فما رأيك؟
أرجو منك أن تعلن علي مسئوليتي الشخصية أنني أوجه الدعوة إلي جميع الناشرين الراغبين في الاشتراك أن يتقدموا بطلباتهم إما إلي اتحاد الناشرين العرب الذي تفاوض مع إدارة معرض فرانكفورت من أجل تحقيق مكان لدور النشر مثل تجميعهم بجانب بعض والإعلان عن إصداراتهم مجانا في دليل المعرض، أو أن يشتركوا من خلال إدارة المعرض مباشرة، فما ذكرته عن تحديد دور النشر بعدد معين كلام لا يمس الواقع بصلة، فمعرض فرانكفورت مفتوح للجميع، حتي لو كان الناشر يصدر مطبوعات ضد بلده أو حكومته، فهو معرض منفتح، ومن يطلق مثل هذه الشائعات هم أناس غير موضوعيين، بالإضافة إلي أننا بطبيعتنا نميل إلي تصديق مثل هذه الأقوال غير الموضوعية.


وماذا إذن عن أسس اختيار ال12 ألف كتاب التي ستعرض في الجناح الرسمي الممثل للثقافة العربية؟
بكل تأكيد هي أسس موضوعية، لأنها في النهاية يجب أن تقدم الوجه الحقيقي لأفكار ورؤي وإبداعات الثقافة العربية، وتقوم لجنة مختصة بهذا الاختيار، الذي سيراعي الجوانب المهنية مثل أنه لا يمكن أن نعرض كتابا في هذا الحقل العالمي، لا يحترم حقوق الملكية الفكرية، بمعني أننا نجد كتبا مترجمة لا تحصل علي حق الترجمة من الناشر الأصلي، مثل هذه الكتب تستبعد علي الفور، وإلا نكون أمام فضيحة عالمية، هذا أولا، أما ثانيا: لابد من مراعاة جودة الطباعة، ثالثا: أن تقدم موضوعات تعرض ثقافتنا بوجهها الحقيقي وألا تكون عبارة عن نشرات لهذا النظام أو ذاك.


أشعر باستغراب شديد أن تكون الترجمات المعدة خصيصا لهذا المعرض، تقوم بها مؤسسة دعم أدب أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية: إذ تقدم 36 ترجمة لأعمال جديدة من اللغة العربية إلي الألمانية، ونكتفي نحن فقط بتقديم دليل يتضمن معلومات عن الكتب والمؤلفات دون ترجمة فعلية.. وهذا الأمر­ أيضا­ تم تطبيقه علي كتب الأطفال، التي لن تترجم، بل سيتم عمل دليل يتضمن معلومات أساسية عنها.. ما تعليقك؟
كما سبق أن قلت المفيد لنا أن نفعل ذلك ونترك الناشر الأجنبي هو الذي يختار مّنْ يترجمه ويقوم بالتالي بتسويقه وفي ذلك نفع كبير للثقافة العربية.

أعتقد أنك في هذه النقطة تتحدث عن المفيد تجاريا وليس ثقافيا؟
لا.. أتحدث علي الاثنين معا.. لا يجب أن نهدر طاقتنا إلا فيما ينفع، جربنا لسنوات أن نترجم نحن بأنفسنا والنتيجة ترجماتنا نهديها لبعضنا البعض، نريد الخروج عن هذا الإطار، لاسيما أن فرانكفورت فرصة انطلاق حقيقية لثقافتنا نحو العالمية، والترجمة أحد أهم هذه النقاط، ولكن بالمفهوم الذي ذكرته وهو أن الكتاب الذي سيجذبهم سيقومون بترجمته.

باعتبارك رجل اقتصاد ما مكاسب وخسائر معرض فرانكفورت؟
أري نقطة السلبية الحقيقية ليست تأخير الميزانية المقررة حتي الآن، بل أري شيئا آخر وهو انه من العيب الا يذهب العرب مجتمعين الي هذا المعرض وان تعتذر دول أيا كان رأيها في الامين العام بالسلب والايجاب 'كل من عنده نخوة' وينتمي الي الثقافة العربية يجب أن يشارك كما انني اقترح علي أصحاب دور النشر أن يصطحب كل واحد منهم أبرز مؤلف لديه لان في ذلك توسيعا حقيقيا لدائرة المشاركة وأخيرا العالم كله ينتظرنا في فرانكفورت ويجب أن نكون علي مستوي هذه المسئولية.