سونامي الثورة العربية

علاء الدين الاعرجي
سونامي “الثورة  العربية/العالمية  الكبرى، هل سيغير وجه العالم؟
بذرة صالحة للوحدة العربية

علاء الدين الأعرجي

نحن أمام حدث تاريخي عظيم سيغير وجه المنطقة، بل سيغير وجه العالم، لان هذه المنطقة المشحونة بالأزمات المتفجرة، هي واحدة من أهم مناطق العالم على الصعيد الجيوبوليتيكي،الإقتصادي والإستراتيجي، (الموقع والسياسة  والمال).
والأمر المبشر الآخر في هذه الثورة العربية الكبرى أنها كشفت عن هذه المشاعر الجيّاشة التي كانت تقبع في نفوس الشعوب العربية:التضامن والتلاحم الوثيقين فيما بينها،مما يمكن أن يشكل قاعدة للوحدة العربية المنشودة ، كما شرحتُ في الفقرة 7 أدناه.
*       *      *
العروش تحترق والكراسي تتهاوى
نعم، هم يتحسّسون عروشهم وكراسيّهم  التي أصبحت تهتز بعنف! وراحوا يقدِّمون التنازلات المُذلة، ويجتمعون ببعض المعارضين المتعاونين معهم،  بل يغدقون على المواطنين، الذين عانوا من الظلم والحرمان عشرات السنين، بعض  العطايا التافهة أملا ً بإسكاتهم. مما يقدم دليلا إضافيا على ركاكة نظامهم وذعرهم على مصيرهم الذي سيكون كمصير مبارك المُذِل اومصير ابن علي المخزي أو نهاية جاوجيسكو القاتلة.  فضلا عن أن هذه العطايا الشحيحة تدل على إغفال مصالح شعبهم طيلة هذه المدة الطويلة، بل الاستهتار  بمقدراته ومعضلاته خلال مدة حكمهم.
الملوك والزعماء العرب الذين وصلوا إلى السلطة  بطرق  غير شرعية  ومنها الإنقلاب او التوريث أصبحوا يرتجفون هلعا ً، بعد أن انتشر شرر الثورة التونسية  فأوقد فتائل  المتفجرت  القابعة أو النائمة في شوارع الكثير من البلدان العربية ، فتفجرت اولا ً في شارع مصر الكنانة كأكبر دولة عربية من حيث السكان، وأكثرها أهمية على مختلف الأصعدة التاريخية والسياسية والجيوبوليتيكية والمصلحية بالنسبة “للآخر”، وما يترتب على كل ذلك من ثقل هذه الدولة، من حيث النتائج والتأثيرات المتفاعلة والمتوالدة، سواء على الصعيد العربي أو على صعيد العلاقات مع “الآخر”، (أمريكا وإسرائيل) ومصالحه الحيوية في المنطقة العربية. ومن المتوقع جدا أن تنتشر هذه الثورة في معظم البلدان العربية، ان لم يكن جميعها. كذلك فإنها مرشحة للانتشار في دول غير عربية أهمها إيران التي بدأت فيها فعلا .
استعراض وتحليل
وسنحاول فيما يلي ان نتعرض لأبعاد هذه الحركة وأهميتها وملابساتها، في نقاط :
1- من النادر حصول ثورات شعبية تلقائية سلمية، تغير النظام في الوطن العربي كما حدث في تونس خلال الشهر الماضي(17/12/2010-15/1/2011) ، ثم  تلتها، (في 25/1/2011 –11/2/2011) مباشرة ثورة الشعب المصري الخالدة، الأكثر أهمية وخطرا، التي حققت الانتصار الأعظم في إسقاط ذلك النظام القاهر الذي ظل جاثما على رقابهم ثلاثة عقود، فدمَّر البلاد والعباد، وسوَّد وجوه العرب على جميع المستويات. ومن المرجح ان تتبعها حركات وربما ثورات أخرى، نلاحظ معالمها منذ عدة أيام، في مختلف البلدان العربية، ومنها الجزائر واليمن والأردن والبحرين وليبيا، والسودان،ومن المرجح أن تنتقل إلى العراق  والمغرب  والسعودية والكويت وسورية ، مما سيغير وجه المنطقة، على مختلف الأصعدة، ثم العالم .
2- باستثناء ثورتي السودان  الشعبيتين  في عامي 1964و1985، ووثبة العراق الجبارة في عام 1948، فإن معظم الحركات العربية  الأخرى التي أسقطت الحكومات والأنظمة انطلقت من صفوف الجيش، وقلبت الأنظمة بالقوة، بما فيها  حركة الضباط الأحرار في مصر، والحركات الإنقلابية الثورية  في العراق وسورية والسودان وليبيا والجزائر واليمن وتونس، وغيرها من الحركات التي بلغت قرابة  ثلاثين انقلابا، تميز بعضها بالعنف والدم. والأستثاء  الآخر يتعلق  بالانتفاضتين الفلسطينيتين الباسلتين، مع أنهما أجهضتا لأسباب متعددة معروفة، ولكنها لا تدخل في صميم موضوعنا الراهن.(انظر مقالتي ” هيكل والبقال الفيلسوف؛ الانتفاضة في عامها الخامس”13/10/2004، القدس العربي)
3- هذه الإنقلابات/الثورات التي نالت معظمها رضا  معظم الشعوب العربية، في البداية، إذ ْ حررتها من نير الاستعمار أو التبعية،  تحولت أخيراً إلى أنظمة قمعية استبدادية ظالمة وفاسدة، لم تحقق لشعوبها الحد الأدنى من الحياة الكريمة والتقدم المنشود.(مصر العراق اليمن ليبيا الجزائر السودان تونس سورية). (مصر عبد الناصر تختلف بشأنها الآراء وتحتاج إلى بحث منفصل ).
44- تأخر العرب كثيرا عن اللحاق بالحركات التحررية والديمقراطية التي حدثت في العالم خلال العقدين السابقين، ولاسيما في أوربا الشرقية وأمريكا الجنوبية. وغالبا ما كانت معظم آراء المحللين  تفسر ذلك بالسياسات القمعية الشديدة التي اتبعتها الأنظمة العربية، بتأييد وإسناد مباشر أو غير مباشر من الدول الإمبريالية الكبرى  وإسرائيل، حفاظا على مصالحها، مما أدى إلى تأخر هذه الحركات، إلى حدّ كدنا نيأس من انطلاقها. بل بتّ ُ أفسر ذلك في بعض كتاباتي أيضا بأسباب تاريخية تتعلق بخضوع الشعوب العربية لعصور طويلة من السلطة الاستبدادية التي كان يتمتع بها الحاكم بأمره، خلال فترة الـ 14 قرنا الماضية، بل خلال آلاف السنين(حكم الفراعنة) ، وخضوع الرعية المطلق له، وأستشهد أحيانا بقول بعض رجال الدين سابقا ً” من اشتدت شوكته وجبت طاعته”. ولكن هذه الحركة غيرت الموقف بما فيه رأيي، وأعطتني بعضا ً من الأمل الواعد، شريطة ان تكون النتائج بمستوى المقدمات. وذلك بسبب الأخطار الهائلة المحيقة بهذه الثورات الشعبية،سواء من الداخل أومن الخارج.
5- تأتي أهمية الثورة المصرية الشعبية أيضا  من  موقع مصر الجيوبوليتيكي،”: فهي قلب العالم العربي ورئة العالم  الإسلامي، وحجر الزاوية في العالم الأفريقي”كما يقول جمال حمدان في “عبقرية المكان”. نضيف إلى ذلك موقعها المجاور لإسرائيل، ومعاهدة الصلح معها التي تضيف بُعدا ًاستراتيجيا خطيرا إلى هذه الحركة التي ما زالت تراقبها إسرائيل بقلق كبير على الرغم من تصريح رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يتمتع بالسلطة العليا، بالتزام السلطة بجميع الاتفاقيات والمعاهدات المعقودة مع مصر.  فإسرائيل تحسب حساباتها بدقة، لأن أي نظام بديل لذلك النظام المصري البائد – الذي كان يحافظ على مصالح إسرائيل بكل إخلاص وتفان، بصرف النظر عن مصالح بلده وأمته- سيعرض هذه العلاقة “الحميمة” للخطر. يقول بنيامين نتنياهو: “إن نوايا السلام يمكن ان تتغير غدا نتيجة للظروف او لاستبدال الحكام في الدول التي وقّـعَتْ على سلام معنا”( كتابه “مكان تحت الشمس”  ص315، الترجمة العربية)  وهو يحتاط لذلك فيقول: ” إن قوة الردع الإسرائيلية لا تحول دون خروج العرب لمحاربة إسرائيل، فحسب، إنما  أيضا دون خرقهم لوضع السلام معها”( ص312-313، المصدر نفسه ).
6- هذه الانتفاضات/الثورات التي  تعمّ معظم البلدان العربية، إذا توسعت وحققت الآمال المعلقة عليها، لاسيما في تغيير الأنظمة العربية الفاسدة، يمكن أن تعتبر ثورة عربية /عالمية بكل المقاييس. ذلك لأنها سوف لا تغير فقط الخارطة الجيوبوليتيكية للوطن العربي، بل يمكن أن تغير جميع الأوضاع في الوطن العربي، مما يفضي إلى تغيير جذري للعلاقات القائمة بين العرب من جهة وأمريكا وإسرائيل، من جهة اخرى. وتحوِّل هذه  العلاقة من علاقة قائمة على الخنوع والتنفيذ والإذلال، إلى علاقة قائمة على الندية  والحرص على مراعاة المصالح الحيوية للبلدان العربية، في المقام الأول. لذلك كرر الرئيس أوباما في اعقاب هذه الثورة المصرية قائلا”إن الأوضاع سوف لن تكون كما كانت”.
7- هذا التضامن والتجاوب، بل التفاعل والتلاحم بين الشعوب العربية، الذي ظهر في الفترة الأخيرة، منذ أحرق محمد البوعزيزي نفسه في 17/12/2010، فأشعل ثورة تونس الخضراء، التي امتد حريقها إلى مصر وبقية الوطن العربي؛ قد يشكل بذرة صالحة للزرع في تربة هذا الوطن الخصبة، لتصبح نبتة ثم شجرة تحمل ثمرة الوحدة العربية  أو الاتحاد العربي على الأقل،  في مجتمع مترابط  في عناصر أساسية أهمها اللغة والثقافة والإقليم والتاريخ بما فيه التراث،  والهموم المشتركة والتطلعات المستقبلية الواحدة، والمصالح المشتركة، وذلك أسوة بـ”الاتحاد الأوربي” الذي لا تتوفر بين الدول الأعضاء فيه معظم هذه العناصر باستثناء المصالح المشتركة، ومع ذلك تحقق ونجح.
8- أتذكر أنني قرأت رأيا معتبرا للطبيب المفكر الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه “روح الثورات والثورة  الفرنسية”  مفاده، إننا نخطئ حينما نحاول أن نعزو أسباب الثورة(أية ثورة، وأضيف أية “ظاهرة إجتماعية”)  إلى سبب معين أوأسباب محددة، لأن هذه الأسباب قد تتجاوز تصوراتنا وتحليلاتنا غالبا. وقلت في مناسبة سابقة:” إن الأحداث التاريخية الكبرى، التي قد تغير وجه العالم، أو تـُعَـدِّل المسيرة التاريخية لشعب من الشعوب، في أي زمان ومكان، لن تتحقق من فراغ، بل من تراكم أسباب ونتائج متعددة، قد تعود جذورها إلى عشرات أو مئات السنين، أحيانا. ومن خلال تراكم وتفاعل وتكامل تلك العوامل، يتـشكل ويتبلور تدريجيا ذلك الحدث التاريخي الخطير ثم يتفجر فجأة. ويصدق ذلك على جميع الثورات والانقلابات الشعبية، بما فيها الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية  والثورة الروسية والثورة الإيرانية،”(انظر مقالتي بعنوان” من أهم  أسباب أحداث 11سبتمبر:الظلم الدولي  والفجوة المتسعة بين المتخمين والمعدمين، صحيفة القدس العربي، 14/9/2010).
9-  ويمكن أن نضيف إلى تلك  الثورات هذه الثورة الشعبية التي بدأت في تونس وتفجرت في مصر. فبناء على “النظرية المادية التاريخية” القائمة على الفكر الماركسي، إن التغيرات الكمية التدريجية الصغيرة، تسفر، في الغالب، عن تغير نوعي كبير ومفاجئ،  هائل وصادم أحيانا. فلم يكن يتوقع أحد أن تتفجر الثورة التونسية الشعبية  أولاً   كشرارة توقد الثورة المصرية التي  ستوقد ثورات أخرى تنتشر في طول الوطن العربي وعرضه.(وأنا أكتب هذالمقال(15/2/2011)  بدأت التظاهرات تعصف في البحرين ، كما عمت التظاهرات الجزائر واليمن  والاردن وليبيا منذ أيام).
10- كانت هناك فكرة سائدة تخدم إسرائيل والدول الغربية التي لها مصالح في المنطقة ولاسيما أمريكا، وهي أن العرب لايقبلون الديمقراطية بل لا يؤمنون بها خاصة وأنهم يستشهدون باتجاهات الإسلاميين الملتزمين الذين يعتبرونها مخالفة للشريعة. والرد على ذلك يمكن ان يكون؛ أولا: إن الديمقراطية  هي نوع من الشورى المتطورة، “إذ تتغير الاحكام بتغير الازمان”، وثانيا: الشريعة وجدت لمصلحة البشر، كما يقول الفقيه المصري جلال الدين السيوطي . وقد خالف الخليفة عمر بن الخطاب الشريعة في ثلاث حالات، لأنه وجد أن اجتهاده يتفق مع مصالح الأمة أكثر(انظر كتاب الدين والدولة وتطبيق الشريعة، محمد عابد الجابري). ومن جهة اخرى أثبتت هذه الثورة، التي لا تنتسب إلى أي تيار سياسي او ديني، مدى تطلع العرب إلى الحرية  والديمقراطية. علما أن الديمقراطية ليست هدفا محددا ، يمكن تطبيقه بين يوم وليلة، بل هي نظام متنوع  ومتدرج كعملية process ، تجري خلال فترة، قد تطول او تقصر، وتتطور أو تتجمد، تبعا لمدى تفهم  الشعب أوممثليه موجبات هذا النظام،  وحماسة ذلك الشعب وعقلانيته في اتباعه أوتطويره وتحسينه، وتجاوز العقبات التي تحول دون ذلك.

11- لا شك أن هذه الثورات القائمة أو المتوقعة في الوطن العربي ( ولاسيما الثورة المصرية) ستتعرض لعقبات كثيرة ولمؤامرات متعددة  من الداخل والخارج ، وذلك لوجود قوى داخلية وخارجية شديدة البأس، لها مصالح معينة ترتبط بإجهاضها. أو قد تتعرض للاختطاف من بعض الانتهازيين الذين يبتغون الوصول إلى السلطة، أواستعادة الحكم الفردي أو الفئوي، أو القائم على إيديولوجيّة معينة أو عقيدة دينية، ربما بتشجيع أو توجيه او إغراء  من الآخر، في الداخل،مثل فلول النظام السابق؛  أو في الخارج؛ إسرائيل أو بعض الدول الاستعمارية. لذلك تحتاج  هذه الحركات إلى تنظيم ثوروي متين يستند إلى جناحين: جناح يتمتع ببنية  مؤسسية رصينة يعلن عن أسماء أعضائها ، و جناح آخر بديل يتولى الإدارة في حالة تعرض أفراد الجناح الأول للاعتقال، يتكون من أفراد غير معروفين لدى السلطة والجمهور. وهذه النقطة بحاجة إلى بحث منفصل.
12-  وأخيرا وليس آخرا، يجب أن نشير فقط ولو باختصار إلى أن هناك  ثلاثة عوامل مباشرة ومتفاعلة، أو مترابطة، يعود لها الفضل الأكبر في قدح الشرارة الأولى لاندلاع  هذه الثورة العربية/العالمية.الأول : إقدام الشهيد  محمد البوعزيزي(تونس) على إحراق نفسه، في 17/12/2010، مما أجج الثورة التونسية، التي أشعلت الثورة المصرية  و حفزت  الشعوب العربية الأخرى على الثورة على أنظمتها الفاسدة لإسقاطها. ثانيا: استشهاد خالد سعيد(الاسكندرية، يونية/حزيران 2010 ) بعد  تعرضه للضرب بوحشية من جانب زبانية النظام البائد، وهذا الحدث يرتبط بالعامل الآتي. ثالثا:ظهور البطل وائل غنيم على  مسرح الحدث المعلوماتي الثوري بتخصيص صفحة تحت عنوان “كلنا خالد سعيد”، على الفيسبوك، وحشد الآلاف من الشباب المشارك في الصفحة  وحثهم على الخروج والتظاهر في يوم 25/1/2011. مما أشعل الثورة المصرية التي أسقطت النظام المصري، في يوم 11/2/2011. فهذه العوامل الثلاثة تعاونت وتفاعلت لإشعال فتيل قنبلة الثورة العربية/العالمية الكبرى.
والخلاصة أن هذه ليست فقط  ثورة تونسية او مصرية أو أو . . . ،  بل هيّ ثورة عربية/ عالمية بكل معنى  الكلمة، لأنها، ستغير موازين القوى والعلاقات الدولية  في المنطقة، بل جميع قواعد اللعبة التي كانت جارية منذ عقود طويلة. فهي ستغير علاقاتنا بالغرب وأمريكا وإسرائيل، كما ستغير العلاقات فيما بين البلدان العربية، وبينها وبين الدول الإسلامية الأخرى وبقية دول العالم . وكل ذلك يتوقف على تخطيها العقبات والوقوف في وجه المحاولات الحثيثة الجارية من أجل إفراغها من محتوياتها وتحطيم بنيتها، والحديث يطول.

  1. د/ يوسف محمود الصديقي

    المقال ممتاز واريد ان اطلع على
    المزيد مما كتبب في هذا المجال ونشكر للكاتب على ماكتب



اترك تعليق