الدولة المدنية هى الحل

د. عماد جاد

المصدر: الأهرام اليومى


لا توجد كلمات فى قاموس لغتنا الوطنية بإمكانها أن تعبر عن حالة الصدمة التى أصابتنا من هول بشاعة جريمة «كنيسة القديسين» بالإسكندرية ليلة رأس السنة، ولا يوجد لدى أكثرنا حصافة ورباطة جأش، من المنطق ما يسعفه للإجابة على تساؤلات طفلة صغيرة خرجت من أتون النيران المشتعلة لتقول لماذا يفعلون ذلك؟ لماذا يريدون قتلنا؟
فى المقابل كانت هناك كتيبة من الكتاب والمحللين، جاهزة على الدوام وباستمرار، لترديد عبارات لم يعد يؤمن بها أحد، ولا يوجد من هو على استعداد هذه المرة لمجرد سماعها. ورغم ذلك فهناك من خرج ليقول أنها مؤامرة خارجية، وانقسم أنصار ترويج نظرية المؤامرة إلى فريقين، فريق وجه أصابع الاتهام إلى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، فخرج من اللحظة الأولى ليقول “الموساد. الموساد” وفريق آخر وجه الاتهام إلى تنظيم القاعدة فى الخارج، مؤكدا أنها مؤامرة تستهدف مصر وأمنها وأن مصر بخير والمصريين فى رباط إلى يوم الدين.
وفى الحقيقية فإن الحديث عن العامل الخارجى هو محاولة للهروب إلى الأمام وفيه من إعفاء للنفس من المسئولية بأكثر مما يحمل من قناعة ذاتية أو حتى محاولة للفهم. وبالطبع فإن حديث المؤامرة الخارجية يلقى آذانا صاغية، فقد اعتدنا على ذلك وأصبحنا أسرى التفكير وفق نظرية المؤامرة، وفى ظل هذه الأجواء يكون فى الحديث عن “الموساد” الإسرائيلى ما يريح النفس ويعفيها من المسئولية، فمصر مستهدفة والموساد يسعى إلى المساس بوحدتنا الوطنية، ولما لا وهناك من يرى أن الموساد يقف وراء التفجيرات الإرهابية فى شرم الشيخ، العريش وطابا، وأحداث العمرانية وقصة أسماك القرش وصولا إلى جريمة كنيسة القديسين، وهو حديث ينطوى على مبالغة شديدة وخطرة أيضا، فهو حديث يقدم صورة أسطورية للموساد الإسرائيلى مع أنه جهاز استخبارات عادى جدا، له من الإخفاقات أكثر مما له من النجاحات، ونجاحه يعتمد على “شراء عملاء محليين” أى “خونة”، فقد اغتال المناضل الفلسطينى يحيى عياش بشراء إبن شقيقته، وإغتال الشيخ أحمد ياسين بشراء أحد المقربين منه الذى ذرع أجهزة دقيقة فى كرسيه المتحرك فسهل عملية رصده وضربه بعد ذلك، أيضا عملية إغتيال القيادى فى حركة حماس، محمود المبحوح جرت بتجنيد أحد أبرز المقربين منه، ومن ثم فالحديث عن وقوف الموساد خلف مثل هذه العمليات يعنى أننا مخترقون من هذا الجهاز، كما أن كيله الضربات فيه إهانة لأجهزة الأمن المصرية وهو أمر لا أعتقد أنه صحيح.
الحديث عن مسئولية تنظيم القاعدة أيضا لا يخلو من مبالغات شديدة، صحيح سبق للتنظيم وهدد باستهداف الأقباط، لكن الصحيح أيضا أن ذلك يعنى وجود شبكات محلية أو خلايا مصرية على تواصل «فكري» على الأقل، تحركت وجهزت المتفجرات، ودخلت بها مدينة الإسكندرية وذهب المنفذ أو المنفذون إلى محيط الكنيسة فى ليلة ساهرة وجرت عملية التفجير. وهنا فإن أسئلة كثيرة تظل دون إجابات مثل ماذا فعلنا فى مواجهة مناخ طائفى محتقن فى الإسكندرية، فمنذ شهور والجماعات السلفية تنظم مسيرات كل يوم جمعة تجوب المدينة وهى تصب جام غضبها ولعناتها على الكنيسة المصرية، رأسها والجسد أيضا. كما أن الكنيسة نفسها سبق استهدافها.
ما أود التأكيد عليه هو أن الجريمة صناعة محلية، قد تكون هناك امتدادات خارجية، لكن المكونات التفجيرية والبشرية محلية الصنع، وإذا كان المكون التفجيرى يمكن العثور عليه وشراؤه أو تركيبه، فأن الأكثر خطورة هنا هو العنصر البشري، أى الشخص أو الأشخاص الذين قرروا تفجير أنفسهم لقتل أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم مسيحيون، والسؤال هنا ما الذى أوصل شريحة من المصريين إلى هذه الحالة الذهنية والنفسية؟ الإجابة باختصار أنه نتاج طبيعى لمكونات أدوات التنشئة التى تعمل منذ أوائل السبعينيات، فمنذ مجيء الرئيس السادات بدأت عملية تغيير شامل فى طبيعة المجتمع المصري، جرت عملية تغيير للطبيعة المصرية، الروح المصرية، جرت عملية تشويش للنموذج المصرى فى العيش المشترك والحياة المشتركة. جرى كل ذلك عبر تغيير مناهج التعليم كى تجعل من المصرى المسيحى إنسانا بلا جذور تاريخية بأرضه، تشكك فى صحة عقيدته. ترافق مع ذلك سياسات إعلامية طائفية، مع دور سلبى لرجال الدين الذين ألحوا على شباب مصر بأنه ليس فى تاريخه العظيم ما يدعو إلى الفخر، وأن تاريخه محل الفخر بدأ مع دخول العرب فقط.. ترافق مع ذلك انسحاب الدولة من ممارسة دورها فى مجالات محددة، وبدا الأمر وكأنه سحب لمظلة الوطن من فوق رؤوس مواطنين، وجدوا أنفسهم فجأة دون سقف أو مظلة تحمي، فلجأوا إلى الكنيسة التى تمدد دورها واتسع، واستراح طرفا المعادلة لذلك. الدولة تتعامل مع الأقباط باعتبارهم طائفة أو ملة، تتحدث إلى «كبيرهم»، والأقباط أو شريحة كبيرة منهم وجدوا فى داخل أسوار الكنيسة ما اعتقدوا أنه الأمن والحماية.
ونتيجة هذه المعادلة تراجعت الدولة المدنية، تبدل الدستور وتغيرت مواده، وكانت قيم المواطنة والمساواة والعيش المشترك قد فارقت النفوس والعقول والقلوب قبل أن تطمسها مواد دستورية جرى تعديلها لفتح عدد مرات الترشح لرئاسة الدولة. إننا نجنى ثمار الخلطة التى تشكلت منذ بداية السبعينيات، وهى ثمار مرة للغاية، وباتت تهدد الوطن بالإنفجار، وتحد من حصانته فى مواجهة الخارج، وإذا كنا نشعر بالفعل بخطورة ما جرى فى الإسكندرية، فلنفارق الكلمات إلى الفعل، ننتقل من التصريحات إلى الممارسة على الأرض، لقد تبدلت مصر وتبدل معها المصريون مسلمين ومسيحيين، والأجيال الجديدة ليس أمامها قدوة أو نموذج، ولم تعش الحياة المشتركة التى كانت سمة مصر حتى منتصف السبعينيات، والحل لن يأتى من الخارج، الحل لابد أن يكون صناعة مصرية. والقرار بيد الدولة المصرية، التى بيدها غالبية أدوات التنشئة من تعليم وإعلام وخطاب ديني، كما أنه بإمكانها أن تحدث تغييرا حقيقيا فى مصر بأن تجند قدراتها وطاقات أبنائها من أجل وضع أسس دولة مدنية عصرية وفق خطط زمنية محددة.

الرجوع الى الصفحة الرئيسية للحدث



اترك تعليق