المسؤول عن مذبحة القديسين: التهريج الامني وهمجية العبادة

 
فرانسوا باسيلي

يناير 2011

‘التهريج الأمني’ و’همجية العبادة’ تعبيران ليسا من عندي وإنما استعرتهما من آخرين لأنهما الأكثر دقة في تحديد أسباب مذبحة كنيسة القديسين بالاسكندرية ليلة استقبال العام الجديد 2011.
‘التهريج الأمني’ عبارة استعرتها من الرئيس حسنى مبارك. ولكنه للأسف لم يكن يصف بها تقصير الأمن في حماية كنيسة القديسين رغم تهديدات علنية ضدها من قبل تنظيم القاعدة بالعراق والذي يضم مصريين، وإنما قالها عام 1997 على أثر مذبحة دير حتشبسوت التي ذبح فيها الإرهابيون عددا من السياح أثناء زيارتهم للمعبد المصري القديم بصعيد مصر، والتي تقاعس فيها الأمن عن الوصول إلى مكان الحادث إلا بعد وقت طويل، فوصف عندها الرئيس مبارك ما حدث بأنه ‘تهريج أمني’ وأقال وزير الداخلية وقتها، وكان الرئيس محقاً في قوله وفعله، ولكنه لم يقل نفس الكلمة عن الإهمال الفادح للأمن وفشله المخزي في حماية واحدة من أكبر كنائس الاسكندرية رغم وجود تهديدات علنية مسبقة، فإذا لم يكن هذا ‘تهريجا أمنيا’ أدى إلى مقتل أكثر من عشرين وجرح حوالي مئة مواطن فما هو الوصف المناسب له إذن؟!
وإذا أقيل وزير الداخلية على أثر مقتل عدد من السياح الأجانب فلماذا لا يقال عقب مقتل أبناء الوطن؟ هل هم أقل قيمة وأرخص دما؟!
لهذا، ولغيره الكثير، قامت مظاهرات للأقباط في كل مكان بمصر، راح الإعلام المصري الرسمي يحاول أن يظهرها وكأنها مظاهرات من أجل تدعيم الوحدة الوطنية، وقامت فعلا مظاهرة لأجل هذا في حي شبرا بالقاهرة رفع فيها شعارالهلال مع الصليب، ولكن معظم المظاهرات الأخرى كانت تعبيرا عن غضب الأقباط للتهريج الأمني الذي لم يشجبه الرئيس المصري، فالأمن لم يضبط المرور والدخول والخروج من الشوارع المحيطة بالكنيسة ليلة رأس السنة، رغم ما يقال عن وجود أكثر من مليون جندي تابعين للأمن في مصر رأينا كيف يستأسد بعضهم ضد شباب مسالم مثل خالد سعيد، الذي استشهد على يد نفس رجال الأمن بالاسكندرية الذين فشلوا في حماية كنيسة كانت مستهدفة.
ولكن التهريج الأمني الذي أعنيه هنا، والذي لم يشجبه الرئيس مبارك، أقصد فيه الأمن المصري بمعناه الأوسع، أمن مصر القومي وسلامة الوطن ككل، وقد حدد كثير من المفكرين المصريين، ومنهم الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، أمن مصر القومي بأنه يتركز في قضيتين أساسيتين، هما وحدة مصر الداخلية بين المسلمين والأقباط، وقضية تأمين مياه النيل، وللأسف الشديد فإن كل محبي مصر لا بد أن يعصر قلوبهم الألم إذ يشاهدون كيف تتعرض مصر اليوم لأخطار حقيقية تهدد أمنها في هاتين القضيتين الأساسيتين، فمياه النيل أصبحت مهددة نتيجة للإهمال المصري لعلاقاته الأفريقية لعقود متواصلة، وهذه قضية تحتاج دراسة منفصلة. ولكننا اليوم بصدد هذا التهديد الخطير للوحدة المصرية بين الأقباط والمسلمين.
التهريج الأمني الذي كان يجب أن يشجبه الرئيس مبارك بدأ مع ذلك التجاهل الفج الذي مازال مستمراً إلى اليوم لتوصيات لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الشعب المصري ورأسها الدكتور العطيفي عام 1972 على إثر أول حادثة عنف إرهابي ضد الأقباط في مصر في مطلع عهد السادات حين أحرقت كنيسة الخانكة بالقاهرة، رغم أنه لم تقع حادثة عنف واحدة طيلة سنوات الثورة قبل ذلك في عهد عبد الناصر، لأن توجه ناصر كان قوميا مدنيا يفصل بين الدين والدولة ولا يسمح بالتهريج الأمني ضد الأقباط وكنائسهم ومتاجرهم وبناتهم القصر! وهكذا نجد نظاما يتعمد تجاهل توصيات مجلس شعبه ورئيسه الذي عينه بنفسه، رغم أنه لو كان قد تم تفعيل هذه التوصيات منذ ذلك التاريخ قبل حوالي أربعين عاما لما كان حال ‘الوحدة الوطنية’ قد وصل إلى ما هو عليه اليوم.
التهريج الأمني الآخر حدث في مطلع القرن، حين قام العشرات من قرية الكشح و قراها المجاورة في صعيد مصر باقتحام بيوت العائلات المسيحية بالقرية لذبح وقتل وترويع مئات الأقباط الآمنين منهم نساء وأطفال وشيوخ، مما أدى في النهاية لمقتل واحد وعشرين قبطيا وجرح عشرات آخرين ولم يستطع الأمن، ويقول الكثيرون من الأقباط أنه لم يرغب، في أن يحمي الأقباط رغم أن الهجوم على مساكنهم استمر طوال الليل إلى ظهر اليوم التالي، كما لم يقدم أدلة ضد المتهمين، مما أدى في النهاية إلى الحكم على شخص واحد بتهمة حيازة سلاح غير مرخص وبضعة أشهر سجن، ولأن الوقت كان وقت أعياد، فقد طلب القاضي من ‘المتخاصمين’! أن يقبلوا بعضهم بعضا في قاعة المحكمة! وخرج قتلة الواحد وعشرين قبطيا مطلقي السراح يسرحون ويمرحون في أنحاء الكشح إلى يومنا هذا. ومع ذلك لم يصف الرئيس مبارك ما حدث بأنه ‘تهريج أمني’ ولا قام بعزل وزير الداخلية!
لا يتسع المقال لسرد تفاصيل التهريج الأمني المماثل في أعداد لا تحصى من حوادث العنف والقتل والتدمير ضد الأقباط التي تنتهي دائما بعقوبات رمزية هي أقرب للضرب على أيدي الأطفال مع توبيخ لهم لتعكير صفو الوحدة الوطنية! آخر القائمة حادثتان قريبتان الأولى هي مذبحة نجع حمادي التي أطلق فيها المسلحون النار على الشباب الخارجين من صلاة عيد الميلاد منذ عام مضى، وألقي القبض على المتهمين ومنهم ما يدعى بالكموني، وهو المساعد الأول لنائب مجلس الشعب عن الحزن الوطني الحاكم ويدعى ‘الغـول’! وهذا ‘الغول’ هو الذي سبّ نائبة مجلس الشعب جورجيت قليني لأنها طالبت بالتحقيق العادل في هذه المذبحة، فماذا حدث؟ أعاد الحزب الوطني اختيار ‘الغول’ لمجلس الشعب في الانتخابات الفاضحة الأخيرة للمرة الرابعة أو الخامسة لا أذكر! أما ضحايا مجزرة نجع حمادي فما زالوا ينتظرون قصاصا لا يقع وعدالة لا تأتي! فالقضية في حالة تأجيل ‘مزمن’، مثل النظام المزمن الذي يشاهد كل هذا دون أن يفزع أو يجزع أو يتحرك!
أما آخر حوادث التهريج الأمني قبل مذبحة القديسين فهو ما حدث من قِبل أمن محافظة الجيزة التي قامت بضرب المتظاهرين الأقباط بالرصاص الحي فقتلوا منهم من قتلوا وجرحوا وسجنوا عشرات آخرين، بعد أن انتفض الأمن لأن الأقباط قاموا ببناء مبنى لخدمات أرادوا أن يصلوا فيه دون ترخيص! رغم أن القاهرة وبقية مدن مصر أصبحت تبني مبانيها بأسلوب التراضي والرشاوى والاتكال على المولى حتى غطت المباني العشوائية والأحياء العشوائية والمدن العشوائية أنحاء مصر شمالا وجنوبا. ولكن الأمر استدعى استنفارا أمنيا مهولا يستخدم الرصاص الحي ضد الجماهير عندما تعلق الأمر بمبنى لصلاة الأقباط، في كل دول العالم المتحضر تستخدم قوات الأمن خراطيم المياه والرصاص المطاطي لتفريق المظاهرات، ولكن أحدا لم يحاسب أمن الجيزة على استخدامه الرصاص الحي لقتل المواطنين الأقباط ولا أقيل من أمر بذلك، ولا حوسب محافظ الجيزة، ولا وصف رئيس البلاد هذا كله بأنه ‘تهريج أمني’!
أما ‘التهريج الأمني’ الأخطر من هذا كله فهو موقف النظام ممن يحرضون على قتل الأقباط علانية، وكتابة، ولا يستدعيهم النظام حتى للتحقيق. فقد قام من يطلق عليه لقب المفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة بتأليف كتاب منذ سنوات قليلة قام الأزهر بنشره وتوزيعه مجانا يكرر فيه فتوى أو قولا للأمام الغزالي تبيح قتل النصارى! وعندما افتضح الأمر بعد توزيع آلاف النسخ من هذا الكتاب الآثم تعلل مؤلفه بأن هذا ليس قوله هو وإنما هو قول الإمام الغزالي!
ولماذا تنشره اليوم أيها المفكر الإسلامي الكبير؟ ولماذا لم توضح أنه فكر إجرامي آثم تؤثمه كافة الشرائع والقوانين في بلاد الأرض؟!
وفي حادث أقرب وقع منذ شهرين طلع علينا ‘مفكر إسلامي كبير’ آخر هو الدكتور العوا يعلن في الفضائيات والجرائد أن كنائس أقباط مصر مكدسة بالأسلحة والذخائر وأنها قيد الإستخدام ضد المسلمين في أية لحظة! هذا التصريح المدهش والخطير بكل المقاييس لم يقابل من الأمن المصري بأي إهتمام أو تعليق وكأن الامر يخص دولة أخرى!
لو كان النظام يأخذ مسؤوليته عن أمن مصر بالجدية اللازمة لأمر بالتحري الفوري في هذا الإتهام الخطير واستجلاء الأمر ثم القيام بعقد مؤتمر صحافي متلفز يصرح فيه بنتائج التحقيق ومحاسبة المسؤولين أيا كانت النتائج، ولكن الامر ترك لكي يظل أمرا مريباً وشكا كئيبا يضمر في نفوس البسطاء ممن لا يجدون أي تكذيب رسمي لادعاءت العوا فيستنتجون أنها لابد أن تكون صادقة! ونفس الإهمال وقع لاتهامات العوا للقيادة الكنسية بأنها ‘تعتقل’ السيدتين وفاء وكاميليا لمنعهما من الأسلمة، ولا يقول الأمن شيئاً عن الأمر الذي يؤجج المشاعر ويبث الكراهية والفرقة في نفوس أبناء الوطن الواحد،إلى حد أن تخرج مظاهرات مؤسفة من الشباب المسلم الغاضب يشتمون فيها بابا الاقباط ويدوسون صورته بالأقدام في الشوارع وكأنه صار عدوهم الاول، فهكذا قال لهم ‘المفكرون الاسلاميون الكبار’! ويفشل الأمن في أن يعلن حقائق الأمور وأن يحل هذه المشكلة بشكل علني تتكلم فيه السيدتان بحرية في برنامج تلفزيوني عن حقيقة معتقداتهما، لكنهم تركوا مشكلة سيدتين تهدد أمن مصر القومي وهم يتفرجون، ولا يشجب رئيس البلاد هذا كله بأنه ‘تهريج أمني’ ولا يقيل وزير الداخلية المسؤول!
‘التهريج الأمني’ الذي تعيشه مصر هو أن مثل هذه التحريضات الإجرامية السافرة ضد الأقباط ‘بالجملة’ كطائفة وكأقلية، وضد معتقداتهم وكتبهم المقدسة، تنشر في صحف الدولة الرسمية بشكل متواصل ومعتاد ومنتظم، وتذاع في قنوات التليفزيون الرسمية والخاصة ويعامل مروجو هذه السقطات الفكرية والتحريضات السافرة على أنهم من كبار مفكري مصر، وتفتح لهم صفحات ‘الأهرام’ و ‘الأخبار’ ومجلات ‘الأزهر’ والفضائيات، ليبثوا سموما ضد الأقباط طائفة وقيادات ومعتقدات، ولا تتحرك الدولة أو رئيسها لوصف هذا كله بأنه ‘تهريج أمني’!
هذا التهريج الأمني هو الذي أدى إلى مذبحة القديسين، سواء كان منفذوها من داخل مصر أم خارجها. أما تعبير ‘همجية العبادة’ فقد استعرته من الشيخ خالد الجندي وسمعته منه في اللقاء الذي قدمه برنامج ‘مصر النهاردة’ في اليوم التالي للمذبحة، حيث قال ما معناه إن المتطرفين من المسلمين الذين يمكن أن يعتقدوا أن خصومتهم للأقباط هي تقرب من الله، وأن قيامهم بأعمال عنف ضدهم هو نوع من الجهاد، وصف هذه بأنها أفكار وتوجهات ضالة ومنحرفة ولا تمت للإسلام، وإنما هي نوع من ‘همجية العبادة’ وقال إن العبادة الإسلامية الحقة لا بد أن تكون رشيدة، تلتزم روح الدين ومقاصده الأصلية السامية، والتي يجب أن يفسرها دعاة على علم وخلق وحكمة ودراية وليس كل من هب ودب.
النظام المصري مسؤول لأنه ترك ‘همجية العبادة’ تتفشى في مصر بين الجهلاء الذين فشل النظام في تقديم تعليم سليم لهم على مدى ثلاثين عاما ويزيد تخرج فيها جيلان كاملان من الشباب الأمي ولو كان يفك الخط، لأنه شباب وقع في أحابيل مجموعة من الأدعياء المتخفين في هيئة ‘دعاة’ سمحت لهم غفلة النظام المصري بالظهور والرواج في القنوات بل وفي القطارات والحافلات وأماكن العمل ينشرون خرافات وجهالة وظلامية وكراهية لم تعرفها مصر الحضارة من قبل بهذا الحد من السقوط وبهذا الشكل من الفجور، لقد تمت عملية تجهيل هائلة وكاملة للشعب المصري الذي تغيب على أثرها في غياهب قرون سحيقة مضت راح يستعيد فكرها وزيها وسلوكها ليعيش بها في القرن الواحد والعشرين فبدا في شكل مسخ فكاهي لا يمت إلى العصر بصلة وهو يرفل في سراويل استوردها من أفغانستان وباكستان، وفي سلوكيات استوردها من الوهابية السعودية متوهما أنه قد أحيا بذلك الصحوة الإسلامية، بعد أن كان هذا المصري هو الذي يصدر الحضارة والعلوم والفنون والرقي إلى خلق الله في كافة البلاد حوله.
المسؤولية السياسية والأخلاقية عن مذبحة القديسين لم تبدأ في ليلة رأس السنة، ولكنها مسؤولية قديمة فشل النظام المصري في القيام بواجبه نحوها منذ ثلاثين سنة، فكيف له أن يأتي اليوم ليبكي بدموع التماسيح على الوحدة الوطنية النازفة؟
إن يديه على الخنجر وبصماته وأقواله وسلوكياته المتراكمة تؤثمه وتدينه، يقول اينشتاين أنك لا تستطيع أن تخرج من المأزق الذي أنت فيه بنفس الفكر الذي أوصلك إليه في المقام الأول، ولذلك فلا أمل عندي أن يقوم النظام الذي أوصل مصر إلى المستنقع الحالي بإخراجها منه، الأمل الوحيد هو في نظام جديد في كل شيء: رؤية وإرادة وقيادة.

الرجوع الى الصفحة الرئيسية للحدث



اترك تعليق