فلنشجع الجزائر

جمال الغيطانى
أخبار الأدب 6 ديسمبر 2009

إنه الجنون‮..‬

لا أجد وصفاً‮ ‬لما جري عقب مباراة الجزائر ومصر في الخرطوم إلا الجنون علي الجانبين،‮ ‬لا أستثني أحداً‮.. ‬مباراة كرة تتحول إلي سبب للقطيعة ومنطلق لتداعيات ستترك جراحاً‮ ‬صعبة الاندمال بين الشعبين،‮ ‬حتي بعض الأصوات العاقلة انحدرت مع السيل الذي تفجر ليجرف ويدمر التاريخ المشترك والأواصر،‮ ‬وكل ذلك بسبب مباراة كرة،‮ ‬ما استوقفني هو تلك الأصوات التي ارتفعت ضد العروبة والقول بأننا فراعنة وأننا وأننا‮.. ‬إلخ‮. ‬حتي في‮ ‬غمرة الانفعال يجب ألا ندفع بالثوابت إلي بؤرة الأحداث العابرة مهما كان حجمها‮. ‬بداية العروبة ليست شعاراً‮ ‬يمكن العدول عنه،‮ ‬وليست لباساً‮ ‬يسهل خلعه وارتداء‮ ‬غيره،‮ ‬كما أنها لا ترتبط بفترة معينة ولا برئيس أو ملك،‮ ‬العروبة مكون رئيسي من مكونات الشخصية المصرية،‮ ‬وإذا كان البعض يريد أن يتنصل منها فليكف عن الحديث باللغة العربية ويبحث عن لغة أخري‮. ‬إن وضع العروبة في تعارض مع تاريخ مصر الفرعوني أو القبطي خطأ جسيم وعمل ثقافي مضاد للمصريين،‮ ‬إن تاريخ مصر مسار طويل له خصوصيته يتكون من عناصر عديدة متفاعلة مع بعضها البعض،‮ ‬ثمة تغير واستمرارية وتلك هي عبقرية المصريين في البقاء والاستمرار والإبداع المستمر الخلاق رغم صعوبة الظروف ومحن التاريخ وتعدد الغزوات‮.‬
لقد كان الموقع محنة بقدر ما كان مصدراً‮ ‬للعبقرية‮. ‬هذه قضية ثقافية الحديث فيها ليس ترفاً،‮ ‬إن وضع مكون في تعارض مع مكون آخر أمر خطير وله نتائج بعيدة المدي،‮ ‬فالمكونات تتكامل ولا تتعارض‮. ‬وأذكر أنني تعلقت كثيراً‮ ‬بمصر الفرعونية في الخمسينيات والستينيات كرد فعل علي المبالغة في الخطاب السياسي حول القومية العربية وتحجيم الحقبة المصرية القديمة في المناهج الدراسية وكذلك التعريف بها،‮ ‬وكأن الإيمان بالعروبة يقتضي حذفاً‮ ‬لما كان قبلها،‮ ‬هذه الظاهرة تبدو خلال الأزمات السياسية مع الدول العربية وبعضها البعض،‮ ‬تعلو بعض الأصوات منادية بالقطيعة والانكفاء علي الذات والعزلة‮. ‬دروس التاريخ تعلمنا أن لمصر مجالا حيويا موازيا تماماً‮ ‬لوجودها ذاته‮. ‬لا يمكن‮. ‬بل ويستحيل فصل مصر أو استبعادها عن مجالها الحيوي الممتد افريقياً‮ ‬وعربياً‮ ‬وآسيوياً‮ ‬ومتوسطياً،‮ ‬لقد راعني تخطي البعض للخطوط الحمراء بالنسبة للجزائر‮. ‬هذه السهولة في المساس بثوابت وبقيم مستقرة‮.‬
إنني أطالب بمحاكمة لاعب الكرة السابق الذي أهان الشعب الجزائري وثورة الجزائر التي تعد من أعظم ثورات القرن العشرين والتي تضامن معها أدباء العالم ومفكروه وفي طليعتهم أحرار الفرنسيين‮. ‬لطفي الخولي‮- ‬رحمه الله‮- ‬هو الذي صاغ‮ ‬هذا التعبير،‮ ‬بلد المليون شهيد،‮ ‬وهذه ليست بلاغة سياسية،‮ ‬إنما حقيقة موضوعية لا يمكن محوها بالسباب والمعايرة،‮ ‬هذا السباب وتلك اللغة التي تعكس جهلاً‮ ‬بالتاريخ وحقائق السياسة والعلاقات تدين من تصدر عنهم أكثر مما تمس الموجه إليهم‮. ‬كان من الأمور الدامية للمشاعر رؤية الدمار الذي لحق بالمؤسسات المصرية العاملة في الجزائر،‮ ‬وأيضاً‮ ‬محاولة الهجوم علي سفارة الجزائر في مصر‮. ‬ليس من البطولة الهجوم علي مقر سفارة في بلد ما‮. ‬لقد أدانت الفيفا ما وقع للحافلة الجزائرية في مطار القاهرة،‮ ‬وإذا صح ما قيل عن إلقاء طوبة فهذا أمر شائن‮. ‬ليس من الشهامة التعبير عن أي فعل عدائي من البلد المضيف،‮ ‬نفس الأمر يقال بالنسبة لأولئك الذين هاجموا ما ينتمي إلي مصر هناك‮. ‬هنا لابد من تسجيل حقيقة وهي أن جزائريين هناك أمنوا المصريين المهددين ووفروا لهم الحماية من المجانين الكرويين‮.‬
قد يبدو رأيي نوعاً‮ ‬من الجنون في مواجهة الجنون الذي انطلقت منه كل الأفعال‮ ‬غير المسئولة علي الجانبين خلال الأسبوع الماضي‮. ‬إنني أتمني أن نشجع الفريق الجزائري في كأس العالم علي مستوي الإعلام وعلي المستوي الرياضي والإنساني‮.. ‬هكذا نثبت أننا كبار فعلاً‮.‬


رجوع إلى صفحة الحدث


اترك تعليق