أم كلثوم وفيروز، ديمي بنت آبه والمعلومة بنت الميداح، كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي... هل يمكننا حقا أن نحيا دون هذه الثنائيات اللذيذة؟ لا أظن ذلك.
وربما لا يعود ذلك إلى أن كل واحد منهم بلغ مرتبة استثنائية في مجاله فحسب، بل لأن هذه الثنائيات تجاوزت أصحابها، وصارت جزءا من الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم ونختبر بها مشاعرنا وأذواقنا وأحلامنا. ومن هنا راودني سؤال ظل يتردد كلما وجدت الناس يصرون على المفاضلة بين بعض هذه الأسماء مع بعضها الآخر. فهل نحن حقا مطالبون بالاختيار؟ أم أن الإنسان في نهاية الأمر يتشكل من كل ما يظن أنه متناقض؟
صباحات فيروز وليالي أم كلثوم
لا أتخيل صباحات أجيال كاملة دون فيروز، خصوصا صباحات الشتاء في المدن الخضراء الباعثة على البهجة والسلام، أو حتى في شرفاتنا المطلة على الأبنية الكالحة، حيث نورط فيروز في تفاصيل يومنا لنستعين بصوتها الملائكي برفقه وحنانه اللدني على استقبال النهار. وبالمقابل لا أتخيل ليالينا الطويلة من دون أم كلثوم، ليالينا التي لا ننعم فيها بالكرى دون جلال صوت "الست" وهو يحفنا، صوتها القوي هو الوحيد القادر على محاججة هذا الحلك كله، حلك العالم، وحلك ظلالنا المنهكة من ضوء النهار الخادش لأحلامنا والمؤجل لها، فهناك في العتمة حين يهدأ كل شيء لا يبدو قادرا على محاورة هذا الظلام والسكون كله إلا ذلك الصوت الجليل الذي يمنح الليل هيبته. فالذي يستقبل الصباح مقبلا على الحياة متحمسا لمشاركة الوجود جلسة شاي أو فنجان قهوة رفقة فيروز هو نحن، والذي يخلو ليلا إلى مستودع ذكرياته ومخبأ وحدته مع أم كلثوم أو إلى جلسة سمر تعبث برتابة النهار على أنغام صوتها فتساعده على التخلص من بقايا سماجة الروتين هو نحن أيضا، ليس لأننا شخصين أو لأننا متناقضين؛ بل كائن واحد يحتاج إلى هذين النموذجين معا ليكتمل.
ديمي والمعلومة... وجهان لذاكرة واحدة
إذا كانت فيروز وأم كلثوم تمثلان ثنائية عربية كبرى وسياقات عالمية أوسع، فإن للموريتانيين ثنائيتهم الخاصة أيضا؛ ديمي بنت آبه والمعلومة بنت الميداح، ولا أظن أن هناك شعبا ارتبط بصوتين كما ارتبط الموريتانيون بهاتين المرأتين، حتى إن الحديث عنهما لا يبدو حديثا عن الغناء وحده بل عن علاقتنا بالمكان، وبالذاكرة، وبالصحراء نفسها. وبالنسبة لديمي ليست مجرد مطربة كبيرة في نظر الموريتانيين وإنما هي رفيقة الحياة، رفيقة الطريق، والسفر، والحنين، والأيام العادية التي لا يحدث فيها شيء سوى أننا نحتاج إلى صوت يشبهنا، صوت ديمي الذي عمدتها صحراء "أرض الملثمين"؛ وانتدبتها الفيفاء فصارت لا حدود لها، وعابرة للزمان والمكان والحالة والوقت. ديمي التي لا تغني للمناسبة بل للحياة نفسها. حتى أنك تجد مريديها بحضرة صوتها في النهار وفي الليل، في الشتاء وفي الصيف، في المسرات والأوجاع، في الأفراح والأتراح، في الغسق والسحر، لأن صوتها ناي الصحراء ونشيد الوجود ومزمار الأبدية المتسامي على الامحاء والنسيان.
ولعل أكثر ما يفسر هذه العلاقة أنها لم تبقِ مسافة بينها وبين الناس. لكل موريتاني تقريبا حكاية مع ديمي أو مع صوتها وعنده معها علاقة شخصية جدا ومقدسة مستمدة بعلاقته بموريتانيا نفسها. يحلم أحدهم أن تغني في عرسه؛ فتأتي وتغني. يذهب إلى مناسبة وهو يرجو أن يراها فيجدها هناك. أيضا تتحدث بلسانه وتغضب بطريقته بشكل بالغ العفوية والبساطة، وتتصرف بتلقائية باعثة على القرب والتعلق، فتجدها ترفع سيجارتها في حفلة أو نشاط دون أي رسمية وتضحك على نكتة أو جملة طريفة بانشراح وببراءة طفلة لم تعرف العقد في حياتها، وفي موقف آخر تجدها غاضبة ومستفزة تحلف أيمانا مغلظة وتتكلم بلهجة حادة مطعمة بكلمات فرنسية حازمة في قناة الشعب -وهي الفنانة الأولى وسفيرة الشعب والدولة للعالم دون أي بروتوكول- حين شُكك في وطنيتها وتم استفزازها في برنامج كاميرا خفية، وتتوعد بمقاضاة تلك المجلة الخيالية التي زعم مقدم البرنامج أنها نشرت تصريحات على لسانها بهذا الصدد.
ديمي إذن تشكيلة من المشاعر الصادقة والحلوة وموهبة متفردة جعلت الإجماع عليها من الموريتانيين وسكان الصحراء الكبرى عموما ليس غريبا لدرجة أنه بعد العلم والنشيد تأتي ديمي وذلك لأنها لم تتصرف يوما كنجمة ولم تكن بعيدة من جمهورها وربما لهذا ارتبطت في الوجدان الموريتاني بحنو الأم أكثر مما ارتبطت عنده بالمسارح والسهرات، تحمل بسمرتها الداكنة وشعرها المجعد وعينيها الرقراقتين، شيئا من ملامح هذه الأرض، حتى يخيل إليك أنها لا تغني لموريتانيا بل تغني بصوتها.
وعلى الصعيد ذاته تقف المعلومة بنت الميداح لا بوصفها نقيضا لديمي وإنما بوصفها الوجه الآخر لاكتمال الصورة. تمتلك من عبقرية الأداء، وفرادة الصوت، والقدرة على التجديد، ما جعلها واحدة من أكثر التجارب الموسيقية خصوصية في الصحراء الكبرى، فكل آهة حب تطلقها، وكل ترنيمة تعزفها، تبدو كأنها درس مكثف في الفن ورسالة تقول إن هذه الأرض، التي يراها كثيرون هامشا بعيدا، قادرة على أن تنتج حداثتها الفنية الخاصة.
ورغم أن موسيقى المعلومة أكثر تعقيدا وأرعى للتجديد والتطوير وأكثر احتياجا إلى أذن مدربة، فإنها استطاعت أن تجد طريقها إلى البسطاء أيضا. ورغم نخبوية المعلومة أيضا وحضورها السياسي كعضوة مجلس شيوخ سابقا، إلا أنك تجد البسيط يحبها لسبب لا يعرفه ولا يمكن أن يحدده وربما ذلك السبب هو لأنها نموذج سامي لم تسمح له الظروف ببلوغه لأن الإنسان لا يحتاج دائما إلى تفسير إعجابه، بل يكفيه أن يشعر بأن من يقف أمامه يمثل صورة أرقى مما تمنى أن يكونه.
ولهذا لم أشعر يوما أن عليّ أن أختار بين ديمي والمعلومة رغم محاولة البعض التفضيل بينهما في بعض الأحيان، فالأولى علمتني كيف أحب المكان وأفتح حضني للريح، والثانية تذكرني بأن المكان نفسه باستطاعته أن يشكل المستقبل. الأولى تمنحني الطمأنينة، والثانية توقظ فيّ الرغبة في التجريب والتجديد. وكلتاهما بطريقتها الخاصة ساهمت في تشكيل ذائقتي، وفي الطريقة التي أنظر بها إلى الفن، وإلى موريتانيا، وإلى نفسي.
ميسي ورونالدو... طريقتان مختلفتان للحلم
الشيء نفسه يحدث بعيدا عن الموسيقى، ففي كرة القدم أيضا نجد أنفسنا أمام ثنائية ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو. ولا أعني هنا الانقسام التقليدي بين مشجعي هذا أو ذاك، بقدر ما أعني أن كل واحد منهما يمثل طريقة مختلفة في النظر إلى الحياة، ولهذا استطاعا معا أن يشكلا وجدان جيل كامل. فالذي يعشق ميسي لا يعشق أهدافه فقط، بل يعشق ذلك الهدوء المدهش الذي يسبق الانفجار، يعشق لاعبا يقرأ المباراة كما لو كان يقرأ كتابا، يتفحص الخصم، ويبحث عن المساحات الخفية ثم ينسل إليها بخفة تكاد تبدو غير معقولة، وحتى حين لا تنتهي مراوغاته بهدف؛ فإنها تترك في النفس شعورا بأن الجمال أحيانا يكفي وحده ليكون انتصارا. وكم كانت ليالي ميسي تعلمنا أن المستحيل قد يبدو في حضرة الموهبة، أمرا عاديا، وأن أكثر ما يدهشنا قد يكون بالنسبة إلى صاحبه مجرد تفصيل آخر في يوم عمله.
أما رونالدو فكان يقدم درسا مختلفا تماما فهو لم يدعنا نقتنع بأن المعجزة تولد مع الإنسان، بل بأن الإنسان قادر على صناعة معجزته الخاصة، فمنذ لحظة ظهوره بدا كأنه يهمس لكل من يشعر أن موهبته ليست استثنائية: يمكنك أن تعوض كل ذلك بالعمل، وبالعناد، وبالإيمان الذي لا يلين. ولذلك لم يكن الإعجاب برونالدو إعجابا بلاعب كرة فحسب، بل بفكرة كاملة؛ فكرة أن النسخة الأفضل من الإنسان ليست تلك التي يولد بها بل تلك التي يصنعها بنفسه، ولهذا كنت أقول دائما إن ميسي يلهمني لكتابة قصيدة، بينما يلهمني رونالدو لكتابة مقال. ففي ميسي شيء يجعل اللغة أكثر شاعرية، ويجعلك تؤمن أن العبقرية قد تكون خفة، وإيقاعا، ولمسة لا يمكن تفسيرها، وفي رونالدو شيء يدفعك إلى الجلوس أمام الصفحة البيضاء، حتى حين تعاندك الكلمات، لأنه يذكرك بأن الإلهام لا يكفي وحده، وأن الإنجاز ابن المثابرة بقدر ما هو ابن الموهبة. لذلك لم يكن أحدهما يلغي الآخر، فعلى العكس كلما ازداد اختلافهما ازددنا نحن غنىً بهما، ففي لحظات الانكسار نحتاج شيئا من عناد رونالدو لنقاوم، وفي لحظات الحيرة نحتاج شيئا من هدوء ميسي لنحسن قراءة الطريق.
نحن أبناء الثنائيات
لعله لهذا كله لا أستطيع أن أنظر إلى هذه الثنائيات بوصفها منافسات، ولا حتى خيارات يفرض علينا العالم أن نحسم موقفنا منها. فالسؤال الذي يطرح دائما: مع من أنت؟ يبدو لي سؤالا ناقصا؛ لأن الإنسان في نهاية الأمر لا يُبنى بالانحياز إلى نموذج واحد، بل بقدرته على استقبال أكثر من طريقة لفهم الحياة، ولذلك لم أشعر يوما أن عليّ أن أختار بين فيروز وأم كلثوم لأنني أحتاج إلى رقة فيروز في صباحاتي المشحونة بضجيج العالم، كما أحتاج إلى جلال أم كلثوم في ليالي التي تضيق فيها الروح بما حملته من النهار وربما يأتي علي أيام كاملة أستمع لإحداهن طيلة اليوم، ليس لأن إحداهما بديلا عن الأخرى، بل كلتاهما تعلماني كيف يمكن للموسيقى أن تمنح الإنسان أكثر من حياة داخل الحياة نفسها.
والأمر ذاته مع ديمي بنت آبه والمعلومة بنت الميداح لم تكن الأولى نقيض الثانية، بل كانتا طريقتين مختلفتين لفهم موريتانيا. ديمي أيقونتنا وصوتنا الخالد الذي يرافقنا كهوية للأبد جعلتني أحب المكان بكل تلقائيته وحنينه ودفئه الإنساني، حتى غدا صوتها امتدادا لحنو الأرض والأم معا. والمعلومة علمتني أن هذا المكان نفسه قادر على أن يبتكر وأن يحاور العالم بلغته الخاصة، وأن يحمل مشروعا فنيا لا يقل حداثة عن أي مشروع آخر، فكنت مع ديمي أتعلم الانتماء، ومع المعلومة أوقن أن الانتماء لا يناقض الطموح بل يمنحه جذوره.
ولم يكن الأمر مختلفا مع ميسي ورونالدو رغم إمكانية انحيازنا لأحدهما أكثر من الآخر كعشقي الشديد لرونالدو وتشجيعي الكامل له. إلا أنني أؤمن كذلك أننا جميعا في أوقات كثيرة نحتاج شيئا من نزق رونالدو القديم، وإصراره الذي لا يعرف المساومة، لنحمي أحلامنا من الذين يهوّنونها، ولنقاوم كل من يحاول إقناعنا بأن سقفنا أقل مما نستحق. وأننا في أوقات أخرى نحتاج هدوء ميسي، وصبره، وقدرته المدهشة على انتظار اللحظة المناسبة، حتى لا نستهلك أنفسنا في معارك لا تستحق ولهذا كنت أرى دائما إن ميسي يشبه الشعر لأن الشعر يحتاج إلى ذلك الوميض الذي لا يمكن القبض عليه، بينما رونالدو أشبه بالكتابة كصنعة فيساعدني استحضار نموذجه على التخلص من حبسة الكاتب بعض المرات، وكلاهما يجعلني كاتبة أفضل، لأنني أتعلم من كل واحد منهما ما لا أجده عند الآخر، وهذا ما تفعله الحياة، إنها لا تمنحنا نموذجا كاملا لنقتدي به بل توزع أجزاءنا على أشخاص كثيرين، وعلى أصوات كثيرة، وعلى تجارب متباعدة. نتعلم الرقة من أحدهم، والصلابة من آخر، والخيال من ثالث، والانضباط من رابع، ثم نمضي أعمارنا نجمع هذه الشظايا الصغيرة، حتى نصير من حيث لا نشعر خليطا من كل الذين أحببناهم، وأعجبنا بهم، ووجدنا فيهم شيئا يشبهنا أو قادرا على إلهامنا، ولهذا لا أؤمن كثيرا بفكرة الاختيار الحاسم بين الثنائيات، فالحياة أوسع من أن تختزل في صوت واحد، أو لاعب واحد، أو تجربة واحدة، ونحن لا نصنع ذواتنا من النسخ المتطابقة، بل من الاختلافات التي تتجاور داخلنا دون أن تتصارع. وربما لهذا لا تكون الثنائيات التي نحبها مجرد ذائقة فنية أو رياضية، بل مرآة صامتة تكشف لنا كلما تأملناها؛ ملامح الإنسان الذي نحن عليه أو الذي يمكن أن نصبح عليه.