Egyptian cinema: between adaptive and rebellious creativity

     كيف وصلت السينما المصرية ، الى هذا الحال ، الذى لا يرضى صُناع الفن السابع ، والملايين من عُشاق الشاشة الفضية ؟. 

       كمصريات ومصريين ، علينا أن نفخر ، بأن السينما المصرية ، هى أكبر صناعة سينمائية فى الشرق الأوسط، ، وقارة افريقيا . نحن أصحاب ريادة ،  حيث بدأت السينما المصرية فى 18 يناير 1896 ،  فى الاسكندرية ، بعد عشرة أيام فقط ، من عرض أول فيلم سينمائى وتجارى ، وصامت فى باريس ، 28 ديسمبر 1895 ،  فى الجراند كافى ، للاخوين أوجست لوميير 19 أكتوبر 1862 – 10 أبريل 1954 ، ولويس لوميير 5 أكتوبر 1864 – 6 يونيو 1948 . وانتقلت بعد ذلك ، الى بقية أوروبا ، وأمريكا ، وآسيا . 

     وأعتقد أن السبب وراء  وقوف مهرجان " كان " ، متفردا فى شعبيته ، وأهميته ، وشهرته ، ورقيه ، أنه يُقام  على أرض فرنسا ، التى احتضنت البدايات . فى الواقع ، فقد تأسس المهرجان ، لكى ينافس أعرق وأول مهرجان عالمى ، وهو مهرجان فينيسا ( البندقية ) 1932 .

    هذا العام  2026 ،  تبلغ السينما المصرية ميلادها  ، الثلاثين بعد المائة . حين تتلفت حولها ، لا تجد منْ يوقد  لها الشموع ، يرسل باقة ورد ، متمنيا لها الصحة والعافية ، وأن تخرج من أزمتها ، التى طالت .

    "  السينما المصرية فى أزمة  "  ... نعم ، أقولها ، بكل أسف ، وأسى . أنا أعتبر فترة الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينات والستينات ، من القرن الماضى ، الزمن الذهبى للسينما المصرية . وهذا ليس فقط من ناحية العدد ، الكم الذى يتم انتاجه سنويا . لكن أيضا من ناحية الكيف ، أى رقى  الجوهر الثقافى والقيم الثقافية ، المرسلة عبر المتعة الفنية .

      لم يقتصر الزمن الذهبى للسينما المصرية ، على تقديم  المبدعات والمبدعين ، أمام الكاميرا . بل امتد ليشمل الطاقم الابداعى المتكامل ، وراء الكاميرا .. التأليف والتمصير ، الاخراج والتصوير ، والمونتاج ، والماكياج ، والموسيقى التصويرية ، الديكور ، الملابس ، الاستعراضات ، الاكسسورات ، الخدع الفنية .

     كانت " الاسكندرية " فى ذلك الوقت ، مدينة للتنوع الثقافى ، " كوزموبوليتان " ، ومركزا للاشعاع الفنى ، والابداعى . وأصبحت الوطن الثانى ، الذى يحتضن جاليات يونانية ، وايطالية ، وأرمينية ، وفرنسية ، ولبنانية ، أمدت السينما الوليدة ، بالمبدعين فى تخصصات الفن السابع .

          وكانت مصر ، لا تزال تتمتع بالجو الثقافى الحداثى ، على الطراز الأوروبى ،انتهجه الخديوى اسماعيل ، متأثرا بجده ، محمد على باشا .

       شهدنا النهضة المسرحية والسينمائية ، حاملة للنهضة الثقافية ، والصحفية ، والفكرية . ومن الناحية السياسية ، نجد  ازدهار المقاومة الشعبية ، ضد الاحتلال الانجليزى ، بعد ثورة 1919 ، رجال ونساء وشباب ، مطالبة بالاستقلال ، بزعامة سعد زغلول ، ونزع الحجاب ( النقاب واليشمك ) ، بقيادة صفية زغلول ، وهدى شعراوى . وتم اطلاق أول دستور مصرى شامل ، للدولة المصرية الحديثة 1923 .  وعلى المستوى الاقتصادى ، كان أحمد عبود باشا ، يترأس  امبراطورية اقتصادية وطنية ، وفرغلى ملك القطن ،  يشتغلان لتحرير الاقتصاد المصرى من التنبعية الأجنبية . ولا ننسى كيف ساهم سيد درويش ، بأغنياته ، وموسيقاه ، فى تأجيج المشاعر الوطنية .

     وكان استوديو مصر 1935 ، ( الشركة المصرية للتمثيل والسينما ) ، الهدية الكبرى من طلعت حرب ، الى الشعب المصرى ، كأول استوديو سينمائى متكامل ، برأس مال مصرى ، مائة فى المائة ، 1935 ، وذلك بعد انشاء بنك مصر وشركاته المتعددة ، منذ 1920 .

   وقد تولى الفنان أحمد سالم  ، مهمة بناء ، وتصميم ، وادارة استوديو مصر .  وكان فيلم " وداد " أول انتاج له ، 1936 ، بطولة " أم كلثوم " ، و " أحمد علام " ، واخراج المخرج الألمانى " فريتز كرامب " وهو بالمناسبة ، أول فيلم مصرى ، يُعرض فى مهرجان سينمائى دولى .. مهرجان البندقية . وقد توجه الاهتمام الى " فريتز كرامب " بعد اخراجه للفيلم المصرى " لاشين " 1938 ، الذى منعته الرقابة من العرض ، بحجة اثارته للأمن العام ، حيث يصور ثورة الشعب ضد الفساد ، والظلم ، بقيادة " لاشين " ، ثم أجيز عرضه ، بعد تدخل من أحمد سالم ، وضغوط  من الصحافة المعرضة .

      فى بداياتها ، كان للمرأة دورا أساسيا ، فى دعم السينما المصرية ، ماديا وفنيا .عزيزة أمير ( أم السينما المصرية ) ، بهيجة حافظ ، فاطمة رشدى ، فاطمة اليوسف ، أمينة محمد .  ومن لبنان ، آسيا داغر ، مارى كوينى .

      وخارج الوطن ، كان لانتصار كمال أتاتورك ، على الدولة العثمانية ، 1923 ، واقامة دولة تركيا الحديثة ، دولة علمانية ذات نظام جمهورى ، عاصمتها أنقرة ، وليس اسطمبول ، لابعادها عن الارث العثمانى ، دورا كبيرا فى دعم النهضة فى مصر . 

        ليس مستغربا ، فى هذا المناخ ، أن يتم اختيار " القاهرة " من 1915 – 1925 ، أجمل ، وأنظف ، وأرقى ، مدينة فى العالم  .

       اذن يوضح  التاريخ ، أن " النهضة " ، هى منظومة مجتمعية متكاملة ، " خلطة " حضارية ، متفاعلة مع بعضها البعض ، " نهر " ينبع من روافد متنوعة . نهضة تبدأ بالضرورة ، بنظافة الشوارع .

      السينما المصرية ، لن تنهض الا بثورة ثقافية . ان الثورة السياسية 30 يونيو 2013 ، لم تتبعها ثورة مواكبة ، فى الفكر ، والعادات والتقاليد ، والمعايير الآخلاقية ، ودور الفن والابداع فى حماية مكتسبات الماضى ، ورفع سقف الحرية .

    لست أتفق مع الرأى ، الذى يشخص أزمة السينما ، بفقر أو قلة الامكانيات المادية . طبعا الفلوس مهمة . لكن السؤال فى أى قضية ، هو " مين اللى وراء الفلوس " ؟. وما هو المناخ الفكرى والثقافى ، المحيط بالفلوس ؟. 

    ولو افترضنا أن الفلوس ، فى أيدى أشخاص يطرحون  " رؤية " مستنيرة ، تخلق واقعا جديدا ، أو تعيد تفسير الواقع ، فان مقص الرقابة لهم بالمرصاد ، سواء جهاز الرقابة التابع للدولة ، أو الرقابة المجتمعية .

     ان المحظورات ، والممنوعات ، والمحرمات ، لا تبنى الدول ، ولا تصنع التقدم ، ولا تخلق مجتمعات صحية ، سوية ، متحضرة .

     يقول البعض أن أزمة السينما ، تتضح أكثر ، فى غياب التواجد العالمى للأفلام المصرية ، كما هو حادث هذا العام ، فى مهرجان كان 12 مايو – 23 مايو 2026 .

      لكننى أرى أن الأهمية العالمية ، هى تحصيل حاصل ، للآهمية المحلية . والأهمية المحلية ، تحصيل حاصل ، لجودة الفيلم " فكريا " ، و " ثقافيا " ، و " حضاريا " ، وجودة الفيلم فكريا ، وثقافيا وحضاريا ، هو تحصيل حاصل ، لحرية الابداع ، وكسر المحظورات ، وتحدى الممنوعات ، ومناقشة المحرمات ، فى اطار ممتع .