|
|
|
بقلم:نعوم تشومسكي
ترجمة: د. حمزة بن قبلان المزيني
أستاذ اللسانيات في جامعة الملك سعود
read
article in English
[نشرت جريدة نيويورك تايمز الأمريكية في صفحة الرأي يوم الاثنين 23/2/2004م مقالا كتبه نعوم تشومسكي اللسانيُّ والناقد السياسي الأمريكي الشهير. ويحدث هذا لأول مرة في تاريخ هذه الجريدة. فقد تعرض تشومسكي لما يصل إلى حد الاستبعاد من الكتابة أو الحديث في وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسة، وكانت صحيفة نيويورك تايمز إحدى الصحف التي فرضت عليه ما يشبه الحظر الكامل. ومن أبرز الدلائل على هذا الاستبعاد أن هذه الجريدة لم تسمح حتى بنشر رسالة كتبها تشومسكي إلى باب "رسائل القراء" فيها قبل ما يزيد عن خمس وثلاثين سنة. إلا أنه يبدو أنها بدأت بتغيير سياستها نحوه في الآونة الأخيرة؛ فقد نشر ملحق مراجعات الكتب فيها قبل أشهر مراجعة لواحد من كتبه الأخيرة عن حادث الحادي عشر من سبتمبر والسياسات الخارجية والداخلية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية نتيجة لذلك. كما أجرى أحد محرريها مقابلة معه نشرتها قبل أشهر، وقد اتهم تشومسكي الصحيفة بتحريف كلامه فيها.
ومن المفاجئ حقا أن يرى اسم تشومسكي بين كتاب صفحة الرأي في هذه الصحيفة التي ظلت لسنين طويلة هدفا لنقده الحاد بسبب انحيازها لوجهة نظر الإدارات الأمريكية المتعاقبة وخنوعها لتأثير اللوبي الصهيوني في ما يخص القضية الفلسطينية، كما يقول. وقد نشرت الصحيفة نفسها في اليوم التالي عددا من التعقيبات المؤيدة والمعارضة لمقال تشومسكي في باب "رسائل القراء". وأعادت مجلة z المعارِضة نشرَ المقال، وأنا أترجمه عنها رغبة في إطلاع قراء جريدة الوطن الكرام على الموقف المبدئي المشرِّف لتشومسكي من القضية الفلسطينية ولكونه حدثا تاريخيا يستحق التسجيل].
من ردود الفعل الحكومية الفورية المتوقعة دائما أن تتذرع الحكومات بالاهتمامات الأمنية حين تقوم بأي عمل مثير للخلاف، وغالبا ما يكون هذا العمل ذريعة لشيء آخر. لهذا يجب أن ندقق دائما [في البواعث الحقيقية وراء ما تقوم به الحكومات من تصرفات]. ومن الأمثلة الدالة على هذا الجدارُ الذي تسميه إسرائيل جدارا أمنيا، وهو موضوع المرافعات القانونية التي تبدأ اليوم [الاثنين 23/2/2004] في محكمة العدل الدولية في [المدينة الهولندية] ذا هيج.
وربما لا يعترض إلا قليل من الناس على حق إسرائيل في حماية مواطنيها من الهجمات الإرهابية التي يمثلها الهجوم الذي وقع بالأمس، بل ربما لا يعترض أحد حتى على بناء [إسرائيل] جدارا أمنيا إن وُجد أنه يمكن أن يكون وسيلة ملائمة [لحماية مواطنيها]. ومن الأمور الواضحة كذلك تحديد المكان الذي ينبغي أن يبنى عليه هذا الجدار إن كان الأمن هو الباعث [الحقيقي] لذلك، أي: أنه يجب أن يبنى هذا الجدار العازل داخل إسرائيل، أي داخل الحد المعترف به دوليا، أي الخط الأخضر الذي رُسم نتيجة لحرب 1947ـ1948م. ويمكن لإسرائيل أن تجعل الجدار في هذه الحالة منيعا إلى الحد الذي ترغب فيه: أي كأن يكون محميا بالجيش من جانبيه كليهما، وأن يكون محاطا بحقول الألغام، وأن يكون عصيا على الاختراق. وسوف يسهم هذا الجدار حينئذ في تحقيق الحد الأعلى من الأمن، ولن يكون مثيرا للاحتجاج العالمي عليه ولن يمثل انتهاكا للقانون الدولي.
وهذه الملاحظة واضحة ولا تخفى على أحد تقريبا. ومن الشواهد على ذلك أنه في الوقت الذي تؤيد فيه بريطانيا المعارَضةَ الأمريكية لعرض القضية على محكمة العدل الدولية يكتب وزير خارجية بريطانيا، جاك سترو، أن الجدار "غير قانوني". ويقول أحد المسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية، بعد أن تفقد "الجدار الأمني"، إنه يجب أن يبنى على الخط الأخضر أو "حتى على الجانب الإسرائيلي من ذلك الخط". كما دعت لجنةُ تحقيق برلمانية بريطانية إلى بناء الجدار على الأراضي الإسرائيلية، وقد أدانت الجدار العازل بأنه "خطة إسرائيلية لتركيع المواطنين [الفلسطينيين]".
أما الغرض الحقيقي الذي بني هذا الجدار من أجله فهو الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين. كما أنه وسيلة لتحويل التجمعات الفلطسطينية إلى "زنزانات محصنة"، مما يجعل "البانتوستانات" التي أقيمت في جنوب إفريقيا سابقا، تبدو إلى جانبها كأنها رموز للحرية والاستقلال وتقرير المصير ـ كما يقول عالمُ الاجتماع الإسرائيلي باروخ كيميلنج الذي وصف حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين بأنها حرب "تطهير سياسية".
والواقع أنه قبل أن تبدأ إسرائيل في بناء هذا الجدار كانت الأمم المتحدة قدَّرت أنه نتج عن الحواجز الإسرائيلية ومشاريع البنية التحتية والمستوطنات تمزيقُ المناطق الفلسطينية إلى خمسين جيبا معزولا في الضفة الغربية. وفي الوقت الذي بدأ فيه الجدار يَظهر للعيان قدَّر البنك الدولي أنه ربما يكون من نتائجه عزْل ما بين مائتين وخمسين إلى ثلاثمائة ألف فلسطيني، أي أكثر من عشرة بالمائة من سكان الضفة الغربية، وأنه ربما ينتج عنه الضم الفعلي لما يزيد عن عشرة بالمائة من أراضي الضفة الغربية. وبعد أنْ نشرت حكومة أريييل شارون أخيرا الخارطة التي تبين اقتراحها صار من الواضح أن الجدار سوف يمزق الضفة الغربية إلى ستة عشر قطعة معزولة، ولا تزيد مساحتها جميعا عن اثنين وأربعين بالمائة من مساحة الضفة الغربية التي كان شارون قد أعلن أنه سوف يتنازل عنها للدولة الفلسطينية.
وقد استحوذ الجدار الآن على أكثر الأراضي خصبا في الضفة الغربية. وأهم من ذلك أنه وسَّع من سيطرة إسرائيل على مصادر المياه التي تعد أمرا مهما للغاية، وهي المصادر التي تستطيع إسرائيل ومستوطنوها استغلالها بالشكل الذي يشاؤون، في الوقت الذي لا يجد فيه السكان [الفلسطينيون في هذه المناطق] ماء للشرب.
ويُسمح للفلسطينيين المحشورين بين الجدار والخط الأخضر أن يتقدموا بطلب السماح لهم بالعيش على أراضيهم هم؛ أما الإسرائيليون فيتمتعون بصورة آلية بالحق في استخدام هذه الأراضي. وقد كتبت الصحفية الإسرائيلية أميرة هاس في الصحيفة [الإسرائيلية] هاآرتس أن "التعلل بالأمن واللغة البيروقراطية التي تصاغ بها الأوامر العسكرية وتبدو محايدة يخفيان وراءهما النية في طرد [الفلسطينيين]" وهو المشروع الذي ينفَّذ "بالتدريج، وبطريقة غير ملحوظة، وبأعداد قليلة كي لا يستطيع المجتمع الدولي اكتشافها ولا تكون سببا في إثارة غضب الرأي العام". والأمر نفسه صحيح في ما يخص عمليات القتل المطردة والإرهاب والفظائع والإهانات اليومية طوال الخمس والثلاثين سنة الماضية من الاحتلال الشرس، ذلك في الوقت الذي تصادر فيه الأراضي ومصادر المياه لصالح المستوطنين الذين يتلقَّون معونات ضخمة.
ويحتمل كذلك، كما يبدو، أن تنقل إسرائيل إلى الضفة الغربية المحتلة السبعة آلاف وخمسمائة من المستوطنين الذين أعلنت هذا الشهر أنها سوف تنقلهم من قطاع غزة. ويتمتع هؤلاء الإسرائيليون الآن بكميات ضخمة من المياه العذبة، في الوقت الذي لا يكاد فيه مليون من الفلسطينين يحصلون على مقومات الحياة الأساسية، وحيث يكاد المتوفر لهم من المياه لا يصلح للاستخدام الآدمي. ويمكن وصف غزة بالقفص، ذلك أنه في الوقت الذي تتعرض فيه مدينة رفح التي تقع إلى جنوبها للتدمير المقنَّن، فإنه يمكن منع سكانها من الاتصال بمصر وأن يمنعوا من الوصول إلى البحر.
ومن المضلِّل تسمية هذه السياسات بأنها إسرائيلية. ذلك أنها سياسات أمريكية إسرائيلية [حقيقةً] ـ والذي مكَّن لها هو التأييدُ الأمريكي لإسرائيل عسكريا واقتصاديا وسياسيا. وقد ظل الوضع على هذه الشاكلة منذ 1971م حين رفضت إسرائيل ـ بتأييد أمريكي عرضَ السلام الكامل الذي تقدمت به مصر، مفضِّلة التوسعَ على الأمن. كما استخدمت الولايات المتحدة في 1976م حق النقض ضد قرار لمجلس الأمن الدولي يدعو إلى حل يقوم على دولتين تماشيا مع إجماع دولي كاسح. ويحظى اقتراح الحل الذي يقوم على دولتين بتأييد أغلب المواطنين الأمريكيين الآن، ويمكن أن ينفَّذ فورا إن اختارت واشنطن ذلك.
ومن المحتمل أن تنتهي المرافعات في المحكمة الدولية بحكم استشاري يقضي بأن الجدار غير قانوني. ولن يغير ذلك من الأمر شيئا. ذلك أن أية فرصة للحل السلمي ـ والحياة الكريمة في المنطقة ـ إنما تتوقف على الولايات المتحدة.
* الوطن (العدد 1245)، 6/1/1425هـ/26/2/2004م
**********************
Back
to Top
© Arab World
Books |