سعيد الكفراوى وقصصه القصيرة

مدونة سيد الوكيل ، في 20 أبريل 2009

قدم القاص والروائى سعيد الكفراوى مجموعته الأولى فى بداية الثمانينيات فلفت انتباه النقاد إلى المستوى المتميز الذى ظهرت عليه المجموعة بتناولها لطرائق من الأداء السردى لم تكن شائعة من قبل ، وهى طرائق تهدف فى معظمها إلى خلخلة المركزيات التقليدية مثل مركزية الحدث ، أو الراوى ، فضلاً عن الاكتشافات الأسلوبية التى خلخلت آلية السرد الوصفى واستبدلتها بأساليب تمنح فضاء أكثر رحابة لحضور الذات الساردة لتعلن عن نوازعها وأحلامها وهواجسها ، بحيث تحل الذات الساردة محل المركزيات القديمة التى كانت تعيش خارجها، ومن ثم تضمن للغة مستوى من التناسق الشعورى بين الذات والعالم والأشياء ( الذات والموضوع ) فتقترب التجربة القصصية من الشعر ويعيشان معاً فى فضاء واحد من السرد والغناء ، وبهذا الغناء تكتسب اللغة طاقة من الشجن والأسى ، فى حين يتجه السرد إلى استعادة الماضى وتنقيتة بحيث يبدو كل مافيه جميلاً وقابلاً للعمل فى الآنى بطاقة الحنين ( النوستالجيا ).

وهو موقف يختلف فى أهدافه عن الرومانسية الأولى كملاذ ( هروبى ) من قبح الواقع ، ويبرر ارتباطه بالواقع من حيث أن ما يتبقى فى الذاكرة هو صورة الواقع الذى نعرفه ، أو بمعنى آخر هو كل ما أدركناه ويهمنا فى الواقع ، إذ لا واقع خارج الذات ، بل هو جزء منها ، وبهذه الطريقة يندمج مفهوم الواقع الموضوعى بمفاهيم أخرى أكثر ذاتية كالخبرة الشخصية والذاكرة والمتخيل والأسطورى ، وبهذا الدمج يصبح الواقع أكثر شعرية ومن ثم أكثر انكشافأ وألقاً بما يتيح لنا رؤيته على نحو أكثر عمقا، لأن الواقع الخارجى سطحى وخادع ، فالجزء الظاهر من جبل الجليد لايمثلة أبداً ، وبهذا المعنى يصبح الإدراك نوعاً من الاستبطان والوعى كشفاً وبصيرة وليس تبصراً ، وهو نفس الموقف الذى راهنت عليه تجربة الشعر فى السبعينات عند كتاب قصيدة النثر على نحو ما يمثله بقوة أدونيس.

وهذه المجموعة احتوت مختارات من قصصه التى كتبها على مدار ما يقرب من ربع القرن، ومن ثم فهى تجسد مشروعه فى السرد القصصى الذى تخصص فيه ، فمعروف أن سعيد الكفراوى لم يكتب الرواية حتى الآن ، وهو يرى أن القصة الجيدة تمنح قراءها متعة مساوية للرواية ، وأنها فن صعب لايقبل التزيد أوالترهلات أو اللغة غير الفنية ، فهى فن الكتابة المصقولة ، والحقيقة أن كثيرا من قصص سعيد الكفراوى تظل عالقة بالذاكرة نتيجة لاحتشادها بشبكة معقدة من العلاقات السردية قوية الدلالة، ومرتهنة ـ فى نفس الوقت ـ بالمكان والزمان والشخصيات الحية ، فشخصيات سعيد الكفراوى ليست مجرد نماذج بشرية ، بل هى منتزعة من واقع تجاربه الشخصية ومشاهداته الثرية .

ى بهذا المعنى وجد مشروعه السردى الذى تحددت ملامحه منذ مجموعته القصصية ( مدينة الموت الجميل ) ، وظل يعمل على صقله وتطويره بإصرار ، حتى انتهى إلى مجموعة من الخواص المميزة ، التى تجعل القارئ يفطن بقليل من الجهد إلى أن سعيد الكفراوى واحد من الكتاب القلائل الذين امتلكوا مشروعاً سرديا خاصاً.غير أن أهم ما يميز هذا المشروع أنه لم ينطلق من الأساس الأيديولوجى ولا من نفس القيم الواقعية التى قامت عليها مشاريع الكتابة فى الستينات ، فمشروع الكفراوى هو مشروع جمالى بالدرجة الأولى .

والناقد الكبير محمد برادة فى مقدمة كشك الموسيقى : ( .. عند سعيد الكفراوى ومعه آخرون ولا شك ، نحس أن صوت الذات لم يعد يرضى بأن يظل قابعاً فى الخلف ، متدثراً بـ ( المعادل الموضوعى ) ، وبالمعاينة الباردة ، إنه على العكس ( يهجم ) على كل ما هو ملتصق بكينونته ، الطفولة ، العلاقة بالأم ، القرية ، لحظات الحب ، المدينة المفترسة ، الوحدة ، الموت … وفى ثنايا الكتابة والشكل ، يشعرنا بأنه يريد أن يتبين موقع ذاته من كل ذلك ،لايريد أن يتخفى وراء عجائبية الوقائع وطرافتها ، ( وهى كثيرة وحاضرة ) ، وإنما يريد أن يقترب من تلك الحقائقية التى تستعصى على الوصف لأنها محفورة فى المسام ، تشعل الذاكرة وتذكى الحنين ) .

وعالم الطفولة يبرز على نحو خاص فى تجربة الكفراوى ، ويأتى مفعماً بالطزاجة والعفوية والدهشة التى تسم ممارسات الأطفال وألعابهم وأغانيهم وتشوفاتهم وأحلامهم البسيطة المستحيلة ، وعلاقاتهم المشتبكة بالأماكن والأسرار الصغيرة والأشياء الخاصة التى تتغير بفعل المخيلة من العادى إلى المقدس ، ولعل هذ القداسة تمتد إلى بعض الشخصيات التى يرتبط بها الطفل على نحو تخييلى كشحصية عازف الرباب أو شاعر القرية أو شيخ الكتاب أو الجد الذى يحاط ـ عادة ـ بهالة أسطورية وتنسب له بعض القدرات الخاصة التى تقترب به إلى منطق الخوارق أحيانا ولاسيما فيما يتعلق بقواهم الجسمانية وشجاعتهم فى محاربة الجان أو لصوص الطرق ، وهكذا تحمل مثل هذه الشخصيات بعداً أسطوريا .

والراوى فى قصص الكفراوى غالباً ما يكون طفلاً أو رجلاً كبيراً يستدعى الطفولة ، إذ تبدو الطفولة هى كلمة السر فى قصص الكفراوى ودافع الإلهام العفوى والخيال السحرى اللعوب .

ففى قصته المدهشة ( تلة الملائكة ) نجد هذا الراوى الطفل ، وهو يحكى عبر مخيلة مفعمة بالخيال عن عالم الغجر الذين يسكنون التلة البعيدة ويثيرون المخاوف والهواجس فى نفوس الصغار بعالمهم الغامض وأهازيجهم الساحرة ، إنه عالم يثير دهشة وفضول الراوى / الطفل ، الذى يضيئ الفانوس ويمضى لاكتشاف عالم التلة المثير .

تشظي المكان

أحياناً اشعر بأن ثمة قصة قصيرة بقوة رواية كاملة ، قد يرجع هذا لاتساع الفضاء الزمنى الذى يتحرك فيه السرد ، لكن هذا وحده لايكفى ، فهذا الحراك يجب أن يكون على قدر كبير من التنوع والتعدد بما يضمن للنص قدراً كبيراً من الديناميكية ، وهو تحريك مكتنز بالعلامات الجمالية والدلالية التى تدخل فى تفاعل مع بعضها البعض من ناحية ومع القارئ من ناحية أخرى ، إن هذا التحريك يهدف إلى شيئ واحد ، أن يفتح الأفق القرائى على آخره .

لابورصا نوفا .. واحدة من القصص التى تحضر فى أفق قارئها بقوة رواية.

إذا كانت مجموعة ( مدينة الموت الجميل )”1″ تشير الى نفسها بقوة فى تجربة سعيد الكفراوى القصصية ، فان قصته البديعة ( لا بورصا نوفا ) تبرز بتفرد خاص بين قصص هذه المجموعة ، ليس فقط لكونها تتصدر قصص المجموعة أو لاسمها اللافت للانتباه ، ولكن ـ وهذا هو المهم ـ لاحتشادها بالكثير من العلامات والسمات الجمالية والدلالية ( لغة وتقنية ) ، وهى علامات تفيض على مساحة زمكانية كبيرة وتلامس مناطق عديدة من وعى الذات الساردة ، فهى على المستوى الزمنى تستقطع رحلة غير هينة من الوعى الريفى إلى الوعى المدينى ، فضلاً عن تجربة السفر إلى الخارج والتى يمكن احتوائها عبر المكان الصحراوى كرمز يضرب إيقاعيا فى خلفية الوعى ، وحيث تخضع كل من هذه الأمكنة لمنظومة من القيم والسياقات المعرفية والجمالية تختلف فيما بينها على نحو لافت ، ومن ثم فإذا كانت ( مدينة الموت الجميل ) تطرح علامة أسلوبية على المكان تكتنز بالدلالة وتشكل أفقاً مكانياً لحركة الذات الساردة ، فإن قصة (لابورصا نوفا ) تفتح قوساً خاصاً داخل هذا الأفق ، فلابورصا نوفا هو اسم أحد فنادق الدرجة الثالثة يعينه السارد فى ميدان محطة مصر ليكون أول لافتة تقع عليها عيون النازحين من القرى والمدن الأقليمية إلى العاصمة ، فهو بؤرة مكانية صغيرة داخل فضاء المكان ( المدينة) ، ولكنها تحتشد بدلالات الاغتراب ، ليس فقط بوصفه ( الفندق) موطن الغرباء وهوامش المجتمع النازحين ، فاللفظ الأجنبى الغربى لاسم الفندق ، يعمق هذه الدلالة فى اللاشعور ، كما أن كلمة ( البورصاً ) تسقط على نمط العلاقات داخل هذا المجتمع ، حيث كل شيئ قابل للبيع والشراء حتى الحب على نحو ما سوف نرى ، وفى النهاية فكلمة مثل ( نوفا) قد تشير إلى معنى الحياة الجديدة التى سوف يلقاها قروى نازح إلى القاهرة ( مدينة الموت الجميل ) .

الثراء الدلالى ، والتعدد المثير لمستويات وعى السارد بالمكان وتداعياته اللغوية ، يقدم ضمانات النص فى قدرته على التقليل من سطوة النمطية الأسلوبية ، بحيث يمر عليها القارئ مرورا عابرا بفضل الاشتغال الفنى ، وعلى الرغم من أن موقف الذات الساردة هو موقف نمطى تماما ، إلا إننا ، أثناء قراءتنا للنص لا نستشعر وجود النمط فى أى لحظة ، أعنى لا نستشعره كعائق ، وس

وفى هذه القصة يمتزج البعد التخييلى بالثقافة الدينية على نحو رائع ، فالطفل يمضى إلى تلة الشياطين / الغجر مدفوعا بالفضول الذاتى لكنه يحتمى فى فضوله بتخيله أن فانوس رمضان له القدرة على تبديد وحشة الظلام، وتظهر الثقافة الدينية عندما تمده بيقين على قدرة شهر رمضان على سجن الشياطين ووضعها فى الأصفاد ، وبهذا المعتقد الذى يبلغ حد اليقين يذهب الطفل إلى التلة ، وهناك يتجسد المعتقد ويتحول الخيال إلى حقيقة ، حيث يجد التلة تعج بالملائكة فعلاً ، تستقبله الملائكة فى طقس تطهير مستمد من الثقافة الدينية أيضاً ، عندما تنزع قلبة وتغسله ثم تعيده ، ليمضى بعدها الطفل أكثر يفاعة وثقة فيما يعتقد .

وهذا التماس السردى الشعرى هو المسؤل عن الحضور الصوفى الشفيف فى تجربة سعيد الكفراوى على نحو ما تمثله بعض قصص مجموعته ( كشك الموسيقى ) مثل قصة ( تلة الملائكة ) ، ( فى حضرة السيدة ) ،( بيت للعابرين ) .



اترك تعليق