حسنين هيكل في مقدمة كتاب سلامة أحمد سلامة

رسالة محمد حسنين هيكل لسلامة أحمد سلامة في كتابه الصحافة فوق صفيح ساخن

عزيزي الأستاذ «سلامة أحمد سلامة»

إنك تفضلت وأرسلت لي المسودة المطبوعة لكتابك الجديد «الصحافة فوق صفيح ساخن»، راغباً بطريقتك الرقيقة وأسلوبك الراقي أن أكتب مقدمة له، وكان أول ما خطر لي حتي قبل مطالعة الصفحات أن شيئاً تكتبه لا يحتاج إلي مقدمة تمهد له، لكني وقد عرفتك عن قرب وسعدت بزمالتك سنوات طويلة ـ قدرت أن نزاهتك واستقامتك الفكرية واعتزازك المهني، إلي جانب حياء إنساني أحبه فيك وأحترمه ـ كل ذلك ـ كله علي بعضه ـ كما يقولون ـ يفرض عليك نوعاً من الإباء والكبرياء يقيد قلمك فيما يتعلق بنفسك، ويمسك لسانك فيما يتصل بقيمتك، وتلك صفات الرجال الكبار الذين أصبح وجودهم نادراً في زمان امتلأ بالفراغ وتعمق في السطحية ـ علي حد تعبير صديقنا الكبير «كامل الشناوي»!

دعني أقل لك ـ في خطاب موجه إليك ـ وليس مقدمة لكتاب ـ إنني استمتعت بما قرأت، وظني أنه جاء في وقته موضحاً لقضية شغلتني كما شغلتك، وقد كتبت أنت عنها لأنك مازلت في الساحة الصحفية ـ وأما أنا فقد انصرفت عنها أتابع من بعيد، وكذلك فإني أستطيع أن أحس بهمومك ربما بأكثر قليلاً، مما يمكن أن يحس بها آخرون، فهذه المهنة التي أحببناها معاً تتعرض لتهديد ثنائي الخطر: من الداخل بسبب أحوالها الراهنة، ومن الخارج بسبب أحوال تكنولوجيا جاءت بها أزمنة جديدة.

إن كتابك عن «الصحافة فوق صفيح ساخن»، يعكس أسلوبك المستغني عن الإلحاح، فهي لمحات تعرض نفسها علي الناس، وتقوم بمهمتها في التنوير علي طريقة الفنار في اتساع البحر وعمقه، صرح يقوم شامخاً في قلب جزيرة من الصخر، وهو يدور علي ما حوله بومضات من ضوء نافذ إلي بعيد يهدي السائرين في الظلمات.

والفنار بالطبيعة لا يثقل علي الباحثين عن شعاعه، وإنما هو يتحرك علي دائرة كاملة، محتفظاً بموقفه ثابتاً لا يتغير، وهو ماض في حركته بنظام وثبات، وحتي إن ضربت الأمواج صخوره فهو مستمر في أداء دوره لا يتوقف ولا ينحرف.

دعني ـ يا صديقي العزيز ـ أؤكد لك أن كل السائرين في هذا الليل الطويل ينتظرون الشعاع، لا يضيق بومضاته غير القراصنة الصغار، فهم يفضلون البحر ظلاماً دامساً معتماً، لكي يتسللوا تحت خفائه، كما يفعل هؤلاء الذين نسمع عنهم من قراصنة البؤس علي سواحل الصومال.

اكتب ـ يا صديقي ـ وانشر وتكلم، ودع الأمواج تتكسر علي الصخر، ودع ومضات النور تلمع علي سطح البحر في كل اتجاه، وتنير كل بقعة تصل إليها، وأما الأمواج فليس في مقدورها غير أن تغسل الصخور كل مساء، وترتد عنها كل صباح.

سلمت ـ يا صديقي ـ وسلم عطاؤك نوراً وتنويراً.

محمد حسنين هيكل



اترك تعليق