اللغة الشعرية وأزمة الزمن في رواية " أنت وحدك السماء" للكاتبة هيام صالح


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

 

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 

 

دراسة د/ أحمد أحمد عبد المقصود مدرس مساعد – كلية الآداب بالفيوم


" عيناه ترحل بعيدا للقمر " ( قصص ) " وللجبل أغان أخري " ( متتالية ) " زهر الحناء " ( رواية ) " عزف منفرد " ( مجموعة مشتركة ) وأخيرا رواية " أنت وحدك السماء ".
هذه هي عناوين مجموعة النصوص التي صدرت للكاتبة الأسوانية هيام صالح والملاحظة الأولي – غير اختلاف أنواعها – أنها عناوين ذات طابع شعري خالص , ولولا الإشارة إلي نوعها الأدبي القصصي لظن القارئ أنها عناوين لدواوين شعر.
في الحقيقة تكشف رواية " أنت وحدك السماء" أننا أمام كاتبة مغرمة بشيئين : بلغة الشعر , وبالاقتباسات .
ما العلاقة بين الاثنين ؟ العلاقة أن جل الاقتباسات اقتباسات من شعراء قدامي مثل بشار بن برد ومعاصرين منهم عفيفي مطر وجويدة وأحمد الشهاوي وأمل دنقل ...إلخ وهم شعراء تختلف مشاربهم ويختلف شكل القصيدة والفلسفة الجمالية الكامنة وراءه عند كل منهم . وفي الرواية اثنان وثلاثون اقتباسا منهم اثنان وعشرون اقتباسا شعريا هذا بدون عشرة اقتباسات من الأدب المصري القديم لغتها شعرية خالصة , ولو كانت مقتبسة من نصوص قصصية . كثرة الاقتباسات وتنوعها تدل علي رابطة قوية بين الرواية والشعر , وتفسر لنا الطابع الشعري للغتها بشكل عام , وربما كنا أمام لغة قصصية تقول إننا أمام شاعرة ضلت طريقها إلي القص أو - وهذا هو الأقرب – إننا أمام قاصة مسكونة بالشعر.
رواية " أنت وحدك السماء" تصور عالما متدهورا من خلال عدة شخصيات , لكل منها أزمتها , وتشتبك الأزمات معا لتصور في النهاية زمنا مأزوما تعيشه الشخصيات . تري هل لهذا علاقة بالرواية ؟ بالقطع نعم . فالشخصيات المأزومة تنسحب إلي الداخل , ويفيض وعيها , وعندما يفيض الوعي الداخلي يكون هناك تركيز علي الذات, وتتحول اللغة إلي لغة غنائية تمتاز بالتكثيف والإيقاع , واستخدام الصور والرمز والتعبير عن ذات مأزومة . واللحظات التي تتخلي فيها الرواية نوعا ما عن هذه اللغة وتبدو لغة غير مثقلة بخصائص لغة الشعر الجمالية هي اللحظات الخارجية , عندما يتجه الراوي الغائب - قليل الحضور بشكل مباشر – أو إحدي الشخصيات إلي سرد حدث خارجي , أو عندما يكون هناك حوار خارجي . ومن ثم يعتمد السرد في الرواية بشكل أساسي علي تقنيتين تبدوان متعارضتين لكنهما في الحقيقة متكاملتان في تصوير ما يجري في الخارج وما يجري داخل الشخصيات : المونولوج الداخلي والحوار, وفي إطار هاتين التقنيتين تندغم الاقتباسات
تصور الرواية مجموعة من الشخصيات تعيش كل منها أزمة , وإن كانت أزمتها غير منفصلة عن أزمات الأخري. وتتكون الرواية من تسع وأربعين مقطعا ( أو فصلا ) مرقمة في كل مقطع مرقم تظهر شخصية ونعرف أزمتها من حوارها أو مونولوجها . وتظهر الشخصيات طبقا للشكل الخارجي
بالتبادل تظهر ثم تختفي تاركة مكانها لشخصية أخري ثم تعاود الظهور حتى تكتمل صورتها وأزمتها . ومن مجموع حيوات الشخصيات تكتمل الرواية .
وقد وسمت تلك الطريقة الرواية بالتعقيد الفني خاصة مع تقنية " التعليق " أو " الإرجاء " فصورة الشخصية وأزمتها لا تقدم دفعة واحدة , وكثير من المعلومات التي تكشف عن أزمتها ترجئ التصريح بها .
تفتتح الرواية بمنصور الذي يعد البطل ليس فقط بحكم مرات ظهوره ولكن بحكم علاقاته بالشخصيات الأخري التي منحته دورا محوريا وجعلته أكثر حضورا . وأيضا بحكم تصدير الرواية وخاتمتها إذ يتصدر الرواية علي لسانه مقطعا شعريا للشاعر فاروق جويدة وتختتم بمقطع من الأدب المصري القديم علي لسانه أيضا , وبين التصدير والختام يأتي الاقتباس كاشفا عن أزمته وأزمة زمنه ومجتمعه :
" "




ويكشف التصدير من خلال الاقتباس علي لسان البطل عن القضية الكبري في الرواية قضية التغير , تغير الوطن وتغير الشخصيات وتغير الزمن . تغير سلبي تكسرت معه العلاقات وفقد الشعور بالأمان وزاد الشعور بالغربة وتلك السمة العامة لتركيبة الشخصيات التي تعد شخصية منصور نموذجا لها , ويصور الحوار بين منصور وأمه هذا التغير في الفصل الأخير:

" "






ومثلما ينبئنا التصدير بطبيعة العالم الروائي المتدهور , ونمط العلاقات الإجتماعية البائسة يلخص الختام – في الحقيقة – خطابها وليس خطاب منصور فقط فهو خطاب لشخصيات بائسة.
فالرواية تفتتح بمنصور والشرطة تحقق معه بتهمة تهريب الآثار ويدخل السجن علي أثرها ويفقد حبيبته شمس التي تتزوج غيره ولا يستردها ثانية لا زوجة ولا صديقة فيتجه إلي العلاقات النسائية المتعددة .
أما شمس فتحيا حياة زوجية يملؤها الحزن بعدما فقدت حبها الذي لا تستطيع نسيانه مما يسبب لها الألم . وليست أزمة منصور في علاقته الخاصة بشمس فثمة أزمة تعصف بأختيه الطاهرة وصفاء وتهدد الأسرة بالانهيار فالطاهرة التي تركها زوجها جابر مع ابنتهما نهي وتزوج من أجنبية وسافر معها بعد أن أقامت له بازار وتنتظر عودته كل ليلة وعندما يعود بحيلة من الطاهرة إذ توهم منصور – الذي يستدعي الزوج – بأنها تقيم علاقات غير شريفة بسبب غياب زوجها , يكون الحب قد انتهي والمشاعر ذبلت وفي تلك اللحظة تتغني الطاهرة شعرا :
" "



هذا المقتبس نموذج لخطاب المونولوج الداخلي الكاشف بلغة شعرية عن أزمة الشخصية ومعاناتها الداخلية , وهو مونولوج يتفجر في لحظة الذروة وهي لحظة صدمة , لحظة لقاء الزوجة المنتظرة المستعدة للتسامح والزوج الغائب الذي قضي علي كل شئ لأنه فقد الحب .
ومن الملاحظ هيمنة أسلوب الاستفهام وهي هيمنة يفرضها الموقف فمن ميزاته أنه يعبر عن موقف المتكلم ومنظوره في لحظة التخاطب , ويقدم خطابا غنائيا عن الذات المتكلمة وما يختلج داخلها , ولذلك يتخذ مونولوج الزوجة صيغة تتجه نحو الزوج بوصفه مخاطبا .
يلخص المونولوج في جمل موجزة مشكلتها مع زوجها في مفارقة واضحة تصير معها الضحية متهمة وهي متهمة مرتين : مرة بالانحراف الأخلاقي ومرة باستدعائه إلي البلدة ليدرك زوجته فيحضر ساخطا بعد أن ترك أعماله وهو ما صورته رمزيا بجملة تستدعي بها أسطورة خروج آدم من الجنة .كما يصور التحول الذي أصاب علاقتهما وهو الوجه الآخر للتحول الذي أصاب جسد جابر عبر مجموعة من الصور البلاغية , فقد شاخت العلاقة بينهما ووهنت مثلما شاخ وجه جابر .
تصوير أزمة الطاهرة تصوير يحمل ملامح التصوير الشعري ولغته الغنائية والتكثيف والصور والرمز وهي سمات شائعة في الخطاب المونولوجى الذي تصور الشخصيات أزمتها من خلاله.
أما حنان فرمز التمرد علي وضع المرأة في المجتمع وعلي القيود التي يفرضها فتحول دون أن تعيش حياة طبيعية وهي تتمرد بسلوك ضد ما يرغبه المجتمع في قريتها إذ تنتحل اسم حنان وتتصل بشباب القرية ورجالها وتعري سوآتهم وتسبب في مشكلات للأسر , ويشيع ذكرها في القرية بفتاة التليفون المجهولة لكنها تنكشف بخطة محكمة يضعها خالد القادم من الشمال بالاتفاق مع أصدقائه والخطة بسيطة لكنها في الوقت نفسه تكشف الحرمان الذي تعاني منه الفتاة وحاجتها إلي الحب والحرية في هذا المجتمع الصغير المغلق الرابض في حضن الجبل . تعتمد الخطة علي استغلال مهارات ابن الشمال في منحها عبر التليفون ما تفتقد إليه وهو الحب والحرية والحركة والحياة التي يمثلها الشمال مقابل الجنوب في منظور صفاء :
" "

وتكون لحظة انكشاف أمرها أمام أصدقائه بعد أن تقرر مقابلة خالد لحظة الذروة
" "
هذه الكلمات بداية مونولوج طويل تتدافع فيه الأفكار ويصور شكل علاقتها بالناس والمجتمع الذي دفعها لتكون في مثل هذا الموقف وتأتي الاقتباسات - في هذا الفصل رقم ( 46 ) الذي يعد أكثر الفصول استخداما للاقتباس وأكثرها فنية في توظيفه – لتصور قسوة الموقف وصعوبته ومرة أخري يحضر أسلوب الاستفهام مصورا ما يفور في الداخل ومتخذا شكل خطاب موجه إلي مخاطب هو الذات نفسها , يتحول بعد إلي خطاب للمخادع الذي لم يشفع له ندمه:
" "




تقتبس صفاء أبيات للشاعر فاروق جويدة تصور حبها العنيف ومن ثم صدمتها الأكثر عنفا التي يبدو عنفها في عنف الكلمات والصور وربما لا تظهر ملامح اللغة الشعرية بالكثافة نفسها التي ظهرت بها في مونولوج الطاهرة , لكنها تعوض ذلك بسطور شعرية يلتحم بها خطاب الشخصية .
ويلاحظ – وهي ملاحظة تنسحب علي كل الاقتباسات الشعرية في الرواية – أن نظام كتابة الشعر يأخذ شكل النثر ومن ثم تندغم الاقتباسات الشعرية في الشكل الطباعي المرئي , كما اندغمت في السياق السردي المصور للأزمة , ومثل هذا الاندغام الطباعي يزيل الفوارق بين النثر القصصي والشعر.

**********************

Back to Top 


 © Arab World Books