طاقات الأسطورة ، فضاءات السرد في رواية ( أنت وحدك السماء )


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

 

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 

 

الكتاب: أنت وحدك السماء لهيام عبدالهادي صالح - مركز الحضارة العربية .
عرض سمير الفيل


انتهيت من قراءة رواية ( أنت وحدك السماء ) للأديبة الشابة هيام عبد الهادي صالح وقد تنازعتني بعض الخواطر المتباينة بين فرح وقلق ، ودهشة وتأنيب ضمير ، فالعمل يكشف كثير من الممارسات المسكوت عنها في صعيد مصر ، يتم بسطها هنا عبر أصوات متداخلة ، متعارضة ، لكنك بعد أن تطوي الكتاب ستشغلك على الفور تلك القضايا التي تناولتها الكاتبة بنوع من الإبانة الذكية أحيانا ، والغموض الفني الشفيف أحيانا أخرى .
يكاد الجبل أن يكون هو البطل في الرواية ، فهو يطل على المشهد الإنساني طول الوقت ، ويضفي على المكان كله سحرا ومهابة ، خاصة والقرية التي تجري فيها الأحداث مسكونة بالخرافة ، وأناسها يرضخون لتيار سري تحتي يؤمن بالجنيات والعفاريت والأرواح في العالم السفلي , وقد فطنت الكاتبة لأهمية أن تنسج من هذا المستوى الشفاهي من الحكي نصها الروائي .
* اللاتواصل وفقدان المعنى:
تطوع الكاتبة لغتها لتعبر عن أحوال الفقد الإنساني واللاتواصل ، وحين تخرج من التعميم إلى التخصيص تكتسب تجربتها بعدا إيجابيا ، فكل العلاقات التي تستعرضها عبر ( 49) مقطعا سرديا تمثل أصواتا متنوعة تفضي إلى هذا الخطاب الذي تؤسس له من خلال بنية السرد ، ولن يكون مستغربا أن نتلمس هذا القدر من العنف الذي تتسم به العلاقات الإنسانية مهما تزيت برهافة وشفافية ورومانسية محلقة ؛ فأبطال هذه الرواية يرسفون في قيود مجتمعية قاسية ، يودون أن يتحرروا من ثقلها دون أن يتمكنوا من ذلك . وهناك هذا الإحساس المتزايد بالرغبات المكبوتة والمصائر المتشابكة ، وعدم الفهم ، فالكل في محنة ، ولا يجرؤ أحد على أن يتمرد أو ينفلت من تلك الممارسات السقيمة فالتمرد معناه بكل بساطة النفي خارج الجماعة أو القتل ، لذا سنعثر دائما على ترديدات لهذا الفزع العام والشعور بالوحدة رغم أن مجتمع القرية يبدو متماسكا في الظاهر ، لكن النفوس الأبية لا يمكنها أن تقبل هذا النوع من التنميط المؤكد .
فشخصية مثل صفاء والتي تتورط في علاقة حب من خلال التليفون تمضي بها الأمور إلى فضيحة بكل معنى الكلمة حين توافق أخيرا على مقابلة حبيبها خالد ، وفي حرم الآثار تكتشف أن هناك أربعة أفراد من قرية يسكنها أقاربها يرصدون تلك المقابلة . مثل هذا المشهد الذي بدا كأنه صدمة هو امتداد للخط الذي رسمته الفتاة لكي تخرج من الدائرة فإذا الخط الكروكي المرسوم بالقلم الرصاص يتحول إلى مشنقة لها . ويتحول " نشيد الإنشاد " الذي ظلل مساحات واسعة من النص إلى خواء مبين .
وشخصية أخرى هي الطاهرة التي سافر زوجها للعمل في الخارج يبصرها شقيقها مع شخص غريب يتحضنان ، فيهبط من مكمنه في الأعلى ويتجه لغرفتها كي يخنقها فتصر على أنه مخطيء ، وأن الأمر قد اختلط عليه ، وحين يبصر جمرة نار تخبره أن حماتها هي التي تدخن الشيشة لكنها تخفي السر عن أقرب الناس إليها . مثل هذا التربص المستمر، واختراق المحرمات ، وتماهي التخييلي في الواقعي نبصره على امتداد الوحدات السردية الخمسين بإضافة الخاتمة التي تصنع قوسا نهائيا على مجمل الأحداث . أحداث ومواقف ومسارات حكائية تصنع شبكة من العلاقات المتراكبة والمقاطعة في دوائر سرد تخفي أكثر مما تعلن ، وتوميء أكثر مما تصرح ، وفيما يبدو فإن أحداث الحياة اليومية كانت هي مادة الحكي بعد أن يتم تحريرها من حيادها البارد فتدخل في أنساق شديدة الحميمية خاصة والكاتبة لجأت إلى نوع من المونولوجات شديدة الخصوصية تكشف عن دواخل الشخصيات ، أحلامها ، مخاوفها ، هواجسها . في دقة وأمانة يتم رصد الأحداث غير أن الكاتبة كانت تبسط كل حدث مبتوت الصلة بما قبله وغير متصل بما بعده . هي إذن تسقط عدسة الرؤية على كل مشهد على حدة لكي نعيد نحن ترتيب المشاهد ، بكل تشويشها ، ونتوء الحكي فيها ، بكل ما لا يصدق وما يمكن تصديقه بدون أدلة أو حجج أو براهين . مرئيات تنتقل من نطاق التسجيل إلى مناخات التوقع والتكهن . مهمة المتلقي في مثل هذه الحالة أن يقارن ويفحص ويحلل ، ويوازن بين الروايات المختلفة للحدث الواحد .
هناك نوازع جنسية ، وثمة مخاطر ترتبت على جشع الأهالي في الوصول إلى مرتبة الثراء نتيجة الحفر في باطن الأرض بحثا عن " المساخيط " ، ولكن الشيء الأكيد أن الكاتبة كانت تقوم بلعب فني بالأساس ينهض على حفر طبقات تلو طبقات في المادة السردية لجيولوجيا النفس البشرية كي تصل إلى أبعاد غير مسبوقة في الكشف عن حقيقة الأشياء ، وعن طبيعة المشاعر ، وسيتحمل القاريء عبء اكتشاف ما وراء المشهد ، فكل شيء هنا ، حتى لو كان الحب له جانب واقعي يمكن القبض عليه وتحديده إضافة إلى جانب سحري غائم مستتر غير مؤكد .
* صراع المتن والهامش :
المتن الذي نقصده هو الأحداث التي تجري في الواقع والتي تأخذ مساحة أكبر في الحكي ، ويقترن بها الهامش الذي يغادر مكانه التذييلي ليكون بين الأقواس ، وهو نظام قائم على التداعي الحر بين السرد العادي من جهة وبين الاستدعاءات التراثية والشعرية التي رصفت على مدار النص من جهة أخرى بحيث تقوم بدور تعضيدي مرة ، أو معارض مرة ، وفي بعض الأحيان يكون للهامش دوره في تبيان وجهة نظر الكاتب نفسه ، وربما في مرات أخرى يقوم بنفس وظيفة (الكورس ) في المسرح اليوناني القديم .
يبدأ التوظيف الحي للهوامش من قصائد نقرأها للمرة الأولى من الأدب المصري القديم ، مرورا بتراث فحول شعراء العرب كبشار بن برد ومأثورات لعمر بن الخطاب انتهاءا بشعر المعاصرين كالروائي الليبي ابراهيم الكوني والشعراء محمد عفيفي مطر وحسن طلب وأمل دنقل وصلاح والي وأحمد الشهاوي ونزار قباني وغيرهم . وهي عملية تثبيت ومحو دائمة نراها في المقاطع السردية خاصة في تلك التي يتحول فيها الخطاب الفني إلى رسائل حب مرسلة قد تكون محملة بشفافية البوح ومكابدات العشق رغم أن الكاتبة تلح في تذكيرنا كلما أوغلنا في تتبع الأحداث بعبارات تدحض فكرة أن الشعر له نفس الدور القديم ، وهي عبارة يتم بسطها من خلال الراوي الذي يبحث عن زوج العمة صادق بين المحتجزين ، وقد كانت تهمته انه أخفى العرائس الذهب ، وربما باعها لآخرين وتحصل بمفرده على الثروة . لم يسعفه المال في النجاة بحياته من أيدي المحققين الذين ضيقوا الخناق عليه حتى سقط بين إيديهم . يقول منصور في أسى : ( لم أعد أكتب الشعر ياصاحبي .. الزمن ليس زمن الشعراء . حين يتكلم المال ينصت الشعر . )"ص 15" .
وعلى الفور تستدعي الكاتبة نصا شهيرا لأمل دنقل كنا قرأناه في بداية السبعينات مع تفجر مظاهرات الطلبة في " أغنية الكعكة الحجرية : (( كان مثلي تماما ( وخزته عيون المحقق / حتى تفجر من جلده الدم والأجوبة ) )) " ص 15" . حين يقتل صادق في غرفة التحقيق أو زنازين التعذيب يرفض شقيقه أن يتقبل العزاء ، وهذا معناه أنه يستعد للأخذ بالثأر حتى لو كانت الحكومة هي قاتلته ؛ فالدم لا يذهب هدرا ، وهو المعنى الذي نسمع ترديدات قوية له على امتداد صفحات الرواية ، ونشهده في الصمت الذي تقابل به أخت القتيل خبر موت شقيقها ، وكذا العمة الملتفة في السواد ، وتمزج الكاتبة بين الحدث الواقعي الممعن في واقعيته وبين الهامش المأخوذ من الأدب الفرعوني بكل عناصره ورموزه حتى لتظن أن الهامش قد جاء ليكمل ما بدأه السرد الحقيقي بدون أي افتعال أو تزيين :
(( أتظنين أنه يمكنه أن ( يقاضي قاتله " ست " أمام محكمة " رع" ويدينه وتعودين به منتصرا وسط مريديه إلى معبد أبيدوس؟ )) ص " 33" .
في استدعاء هذه الرموز يتم الدفع بنطاقات أسطورية تنهض بعملية ربط الأحداث اليومية بعناصر تاريخية ، وهي لعبة فنية تمزج حيوية الشفاهي وخبرة التاريخي مع وجود فضاءات للمساءلة ، والكشف المستمر دون التورط الكامل في مسألة الحكي النهائي الناجز بصورة مغلقة .
ومثل هذا الاستدعاء يولد نوعا من الاكتمال السردي خاصة مع الفضاءات الواقعية التي يمكنها أن توميء أو تشير دون الرضوخ لقيد الإمكانية فثمة دوران دائم للحدث وهو يستعيد ملامحه وأنساقه حتى أن اسطورة شهيرة هي :" إيزيس وأوزوريس " يتم توظيفها ببراعة ، فتهبط من السماوي المقدس ـ حتى لو كان في أزمنة غابرة ـ إلى واقع النثار اليومي والمكرور ، فتنشأ من كليهما مادة للسرد يمكنك كمتلق أن تقلبها على أوجهها المحتملة :
(( ما تزال " إيزيس " تقف بجسدها النحيل ، وشعرها الذي يبدو ناعما تحت الطرحة الشفافة التي تحيط بوجهها المرتسم بحزن تتلقى العزاء في زوجها وابن عمها وحبيبها "اوزيريس " . تتأمل ست في خيلائه واقفا وسط أتباعه يبادلها كلمات العزاء . آه يا عمتي . أتنتظري انتهاء مراسم العزاء ( لتدوري تلملمين أشلاءه من النهر لتعيدي إليه أنفاسه بمساعدة " نفتيس " و" تحوت " فيسترد الحياة ، ويعيد النماء للأرض التي أجدبت ).. )) " ص 33" .
توق عارم للبحث عن الأشلاء وبعث المحب من سبات الموت ، وقد نصاب بالدهشة أن يكون منصور الذي عاش قصة حب عميقة لعدد من النسوة يحمل نفس الأفق الضيق الذي عادة ما يحمله المنخرطين في القطيع والملتحفين بملاءة القبيلة ؛ فهو يضيق على أخته الخناق متهما إياها بالسقوط ، وهو الذي يعرف أكثر من غيره أن الجسد يضج من شدة الحرمان ، وان الروح تتوق إلى التوحد بالحبيب .
تفصيلات عن ندوب القلب ، وخفقان النبض تمتح من ذاكرة تستدعي التراث الفرعوني بكل جلاله ، وعادة ما يكون الراوي هو منصور الذي يعتبر عصب العملية السردية فعنده تتقاطع الخيوط ، وتتشابك ثم تأخذ في التفكك والاتجاه لأمكنة متعددة ، والجميل أن تلك الوحدات السردية تبدو منفصلة عن الهيكل الرئيسي لكن النظر بإمعان للنص يحيلك إلى أن ثمة تماسك حي، و أصيل خاصة في تلك المناطق التي تجتزأ من النصوص الأدبية الفرعونية ثم ترصع بها الوحدات السردية الأصغر ، والتي أحصيناها فكانت 49 وحدة ، مع ما يعنيه الرقم الفردي من قبول وبركة ، ومدخل للتفاؤل حتى لو أن اليوم هو يوم حساب :
(( يا قلبي لا تشهد ضدي . لا تعارضني أمام عمتي . لا يعلو وزنك سوى لصالحي أمام سيد الميزان أوزيريس . لاتسمح أن تفوح من أسمي رائحة كريهة ، وأنت أيها العادل اوزيريس . لاتنطق بالحكم قبل أن تتأكد من سلامة الميزان )) " ص 53" .
ويظل النص قادرا على توليد حالات صراع مستمرة بين الواقعي من جهة عبر الأحداث الفرعية ، وبين الأسطوري محملا بالنسغ الحي للرمز من جهة أخرى .
* رواية أصوات :
من المؤكد أن التكنيك الفني في الرواية يتوزع بين عدة أصوات ، يقوم كل منها برواية الأحداث من وجهة نظرها ، ولهذا فسيكون من المقبول أن تتعرف على المشهد من عدة زوايا ، كما أن الكاتبة لجأت إلى فكرة الكولاج الفني ، ونعني بها أنها تقوم بعملية قص ولزق محكم لعدة وحدات سردية بناء على استبطان ما وراء الأحداث إضافة إلى البحث الدائم عن محمولات ترميزية لعدد من الحكايات الملتوية والمتعرجة التي لا يوجد لها سند مؤكد كواقعة ضبط صفاء في المعبد مع حبيبها التي تراه لأول مرة بعد أشهر قضتها معه على الهاتف ، ومثل شائعة أن منصور هو الذي قتل الحاج من أجل العرائس الذهبية ، ومنها مخايلة أم نهى الطاهرة وهي في أحضان رجل غريب ، وهي كما نرى أحداث جسيمة لا يمكن أن تمر مرور عابر لكن الغرابة تكمن في أن تلك الأحداث كلها غير مؤكدة ، فهي تتأرجح بين الواقع العياني الفعلي ، وبين التأويل المجازي المخاتل ، ولعل مسألة الأصوات التي جعلتها الكاتبة إحدى أهم خصائص روايتها قد أفضت إلى نوع من الإرتباك في التلقي إذ أن تلك الأصوات لم تكن ذات عناوين فرعية تشير إلى أصحابها وهو ما تطلب يقظة مستمرة من المتلقي خاصة وأن المسألة كلها خضعت لضمائر متشابهة ، وقد أنبنت الاسترتيجية السردية على هذا التماهي بين الأصوات ، وكانت كل حكاية يتم نسجها على مهل تختبر عبر الحوار أو الإشارة لإسم ما أو واقعة محددة لكشف قائلها ، أو راويها . وفي أحيان كثيرة كانت اللغة تصدح بموسيقى الشعر وتخالك في أفق رومانسي فياض بالعذوبة ثم ما تلبث أن تتعثر في وحدات سردية بحتة تعتمد على الوصف أو التقرير الذي قد يلخص فيعمي أو يستطرد فيفتت الوحدات إلى بنى أصغر فأصغر . وقد لاحظنا أن السرد كان يتم أحيانا بضمير المتكلم ، ثم يتجه إلى ضمير الغائب في وحدات مغايرة . لهذا لم تتناغم الوحدات تناغما كاملا ، غير أن الكاتبة اعتمدت على حيلة فنية أخرى ، وهي أنها تعاملت مع كل صوت كأنه الصوت الوحيد الذي يمتلك الحقيقة ، وأخفت انحيازها حتى وإن تحولت البوصلة في القسم الأخير لصالح النسوة المتعبات بحبهن الخائب : أمل ، شمس ، الطاهرة ، صفاء . وقد أفضى هذا التعدد في الأصوات إلى أننا بتنا لا ندرك البريء من المذنب ، فالكل يعترف بجزء من الخطأ القدري أما الخطيئة كاملة فدمها قد تفرق في الرواية ومع تعدد الأصوات .
اعتمدت الكاتبة كذلك على تبني فكرة البوح وأكدتها خاصة في تلك المناطق التي حاولت الوصول فيها إلى الأعماق الداخلية للشخصيات التي بدت حزينة ، قلقة ، ممرورة ، وظل الأفق محدودا وضيقا والشخصيات الفاعلة تتحرك حركة جزئية محدودة .
فهذا منصور يخاطب عمته التي تبدو في صمتها أقرب لتصديق إشاعة قتل زوجها بعد أن اختلفوا في عملية تقسيم الآثار " العرائس الدهب " ، ويبدو من خلال بوحه أقرب إلى إبراء الذمة من دم القتيل : (( يا عمة العالم ينضج أكاذيب . إفتحي التلفاز أو أقرأي جريدة . أنظري من نافذتك أو أخرجي خارج دارك . الناس أكاذيب بشفاه مبتسمة . الواقع ليس له طعم أو بطعم العلقم في حنكنا . نرش عليه بعض السكر ياعمة . الناس كذبة تسير على قدمين )) " ص 149" .
مادة السرد تستوجب الاهتمام بالحقيقة الداخلية للشخصية ، بل أن تلك الحقيقة التي نعتبرها نسبية تكون لدى الشخصية هي الحقيقة الوحيدة التي يعول عليها ودون ذلك هو الكذب والاختلاق .
هناك صوت أمل الذي يحتل مساحات واسعة من النجوى ، وهو حب يشتعل في الداخل وكل ما تستطيعه صاحبته أن تدونه في مفكرة صغيرة تخفيها عن العيون في مكان آمن :
(( يكفيني دفء يديك . لمس يديك . أتعمد أحيانا مصافحتك دون مناسبة . أشتاق لاسمي تردده هكذا دون وساطة " أمل " . دون أبلة " تسبقه . أقول في كل مرة سأدعه يقول " أحبك " لم أسمعها منك رغم كتابتها مرارا في أوراق تخبئها خلسة عن العيون . كل الوجوه تحمل ملامحك . كل الشوارع تحمل خطواتك . وجهك ينتظرني خلف كل النوافذ)) " ص 35" .
سنلاحظ أن صوت أمل يأتي على هيئة مونولوجات طويلة ليرطب أجواء النص القاتمة ، لكنه يقلل من اندفاع الأحداث فالحب هنا هو حالة من التأمل الصامت الهاديء ، وسيكون من الغرابة بمكان أن مثل هذه المونولوجات المشحونة بمشاعر ملتهبة وحنين قوي يقابلها رفض عام كلي وشامل على مستوى القرية لأي حب أو لقاء جسدي خارج نطاق الزواج . لهذا سنشعر بالقبضة القوية لسلطة المجتمع في تلك العلاقات ، حتى أن شخصية مثل شمس رغم اقتناعها بفكرة الحب إلا أنها ترفض أن يمسها حبيبها منصور إلا في حدود معينة ، رغم اعترافها له بحبها ، وهنا يكون الانشطار بين رغبات الجسد وبين التخوف من أقانيم الحرام والحلال:
(( هو الغبي . كيف يتصور أنني سأتعرى لرجل ليس حلالي . غبي )) " ص 74" .
كل مغامرات منصور تبوء بالفشل ، وأغلب مشاريعه العاطفية تنتهي نهايات مأساوية ، وقد كانت شمس هي الورقة الأخيرة على رهان مع نفسه انه ما زال ذكرا مرغوبا ، فتعريه تلك الرحلة التي صاحب فيها شمس، فقد تمسكت باهداب الفضيلة ورفضت أن تمنحه الشيء المشتهى الذي لا تمنحه لغير حلالها :
(( قدمني لسيدة على أنني أخته ـ رغم تباين ملامحنا أنا البيضاء بعيني العسليتين وهو شديد السمار بعينيه السوداوين وملامحه الوسيمة ـ أتتنا بزجاجة ماء مثلج . دخلت الحمام اغتسلت . وجدته أغلق باب الشقة بالمزلاج . يعلنون سخطهم ـ أقاربه ـ ويقولون إن الغربة أبدلت وجهه الوسيم وجها لتيس يضاجع الإناث أينما يجدهن . لا ينظر لفتاة إلا بشبق )) " ص 73.
كثيرة هي المشاهد التي تتداخل فيها الأصوات ، تعلن عن الحدث الواحد عبر وجهات نظر متباينة ومتقاطعة . فالمشهد السابق يراه منصور غباء من تلك المرأة التي خطط كي ينفرد بها ، بينما شمس تلقي عليه باللائمة لأنه لم يفهم طبيعة الأنثى ، ويبرز في نفس الوقت في الخلفية أصوات أقارب البطل برفضهم ما يحدث أمامهم أو يتوقعون حدوثه من خلفهم . وهذه الأصوات تصل إلى درجة الصخب حينا ، وتخفت لتبدو هادئة حينا آخر ، غير أنها وفي كل الأحوال تقوم بدور حيوي في التعقيب على الحدث الطازج من منظور ذاتي بحت . والصوت يتسلل إلى مناطق خفية ليستكشف مناطق وأغوار معتمة في السرد الذي لا يصور إلا الأفعال مبتوتة الصلة بجذرها الحي ودوافعها الكامنة في النفوس والسرائر.
* توسيع نطاق الأسطورة :
في ظل الغرائبية التي تسكن العالم تحيك الأسطورة مادتها لتقدم فهما مختلفا لمعنى الصيرورة . الأسطورة في نص حكائي مثل " أنت وحدك السماء " فيها محاولة لتفسير سير الأحداث ، وللتعبير عن مأزق الوجود من خلال تفسير ما يتحرك تحت السطح من تفاعلات بشرية وتقاطعات للمصائر ، مع تلك اللمحة التي تمنح الطبيعة بعدا تخييليا لا يمكن تجاهله أو إسقاطه .
سنجد عناصر ومفردات الأساطير تسكن النص السردي وتوسع من مساحة التخييل مع صبغ بعض المواقف بمادة غرائبية تعتمد إيجاد مسارب للحلم مع ما يمكن إضماره في المستوى السيكولوجي لتلك المادة السردية . هيام عبد الهادي صالح تتلمس هذا الحس الأسطوري وترغب في اكتشاف الخلل في الوجود ، وهي تدرك في ذات الوقت أن التصدي للعبث هو مسئولة تجمع المبدع بالمصلح الإجتماعي ، ، وهاهي دائرة الممكنات تضيق شيئا فشيئا لتقلل من فرص الانفلات من قسوة المكان . هنا يلجأ المبدع إلى الأسطورة باعتبارها حلا ممكنا للإجابة على الأسئلة الصعبة التي لا تغادر النص ولا تفارق الحدث . يحضر الجني ، وتسعى الحيات هنا وهناك ، وتظهر الشخوص وتغيب بلا منطق سوى منطق الفن الجميل الذي من حقه أن يعيد ترتيب الوقائع كيفما يراها هو :
(( أميراتي الثلاث الذهبيات كن بجواري . لمحت بارقة ابتسامة على ثغورهن وأنا أنادي الجني :
ـ سأعطيك كل ثوم الجيران والأقارب والمعارف والذين لا نعرفهم فقط . رد أيها الجني . ناديت . ناديت ولا مجيب . تزداد ابتسامتهن اتساعا . لابد أن الذهب ذهب بعقلي )) " ص 155" .
هي رؤيا ظهرت لمنصور ، وقد كانت حادثة الحفر واختفاء أميرتين ذهبيتين هي المحنة التي أدخلت منصور الحجز وأودت بحياة زوج العمة ، وفي نفس الوقت غضب الكبير . الجني يحضر هنا ليؤكد ما وراء المشهد من سحر ، وحتى الثوم يرمي بنا إلى حقول الخرافة وعقود من الأثر الشعبي المتوارث عبر العصور . وفي تعبير " الذهب ذهب بعقلي" جناس ليس لغويا فقط بل اتجاه لمفهوم عند العامة أن الثراء الفاحش يورد النفس الجشعة موارد التهلكة.
وفي نفس السياق تتحرك عناصر أسطورية لتؤطر الأحداث وتمنحها نكهة غرائبية فريدة كما في ذلك المشهد الذي تصدره الكاتبة بعبارة موحية من سردها بالنص حين تؤكد انه (( سرقنا وهو حي ويسرق منا أحلامنا بعد وفاته )) وهو مشهد يأتي بعد أن ألحت عمة منصور أن يأتي معها كي يزور رجلها ، وفي الجبانة يتجسد هذا المشهد الغرائبي بما فيه من تجسيد لأسطورة بعث حراس الميت :
(( أمامي يقف ابن آوى فاردا جناحيه يتناثر ريشه مشيرا به ناحية مدخل الجبانة . يرمقني بعينيه الحادتين . أنتفض رعبا ولا أقوى على السير)) " ص 46" .
وقد تشكل هذا المشهد في إطار الرعب الذي شمل الراوي وهو يقترب من قبره ، ولم تكن عدسة الكاتبة تتسع لهذا المنظر فقط بل أن الهيكل العظمي نفسه ظهر أمام منصور حاملا ملامح الميت حتى أن احد أسنانه الذهبية كانت تلمع في الشمس.
ومن ملامح الرواية أيضا هذا الظهور المفاجيء والاختفاء الخاطف للشخصيات حتى لتبدو لعين الراصد شخصيات تنبع من الأسطورة لا الواقع ، وتتحرك في نطاقات مغبشة بضباب ساحر فيما تكون الأصوات المدمدمة بالغضب هي التي تعقب أو تنسحب في عنفوان متمرد محسوب . تظهر البنات ويغبن ليغرقن في النهر أو ليذهبن كي يعشن عيشة أخرى تحت الأعماق ، والشخصيات التي تختفي تحدق في الماء طويلا قبل أن تختفي
(( بحثت عنها في اليوم التالي لم أعثر عليها . هل كانت جنية النيل ؟! أين لقيتها للمرة الأولى . احاول تذكر كل التفاصيل . الصغيرة والكبيرة . هل انشق النيل عنها ؟! بحثت عنها بطول المدينة لم أجدها . في قريتها التي ادعت أنها جاءت منها قالوا لا نعرف فتاة بوصفها واسمها ورسمها . هل ابتلعتها الأمواج ؟ ! )) " ص 63" .
تلتفت الكاتبة لمثل هذه الرؤى وتبسطها على مهاد تخييلي دون أن تفقد بريق الأسطورة التي تحول الموتى لأشخاص حقيقيين أو تدفع بابن آوى في صدارة المشهد ، أو غير ذلك من تضافر يجمع الغريب بالمألوف في ضفيرة سردية واحدة لاتشعر معها بنتوء ولا التواء .
ويمضي هذا الاتجاه في ثنايا النص الروائي فنراه في هيئة أخرى مع تلك التصورات التي تشف عن مشاهد لها ذات الحس الأسطوري في لقاء منصور مع الجني أو الثعابين والعمة تقلب عليه المواجع وتذكره باللحظة التي اكتشفوا فيها العرائس فتشاغل بالذهب مع عروسة واحدة وفي لمح البصر اختفت اثنتان وكانت المأساة :
(( لديك فرصة أخرى . الباب يحرسه ثعبان بسبعة رؤؤس . نظرت شكله مريع وشديد الضخامة ، والدخان ينفر من منخاري كل رأس . كل فم مفتوح على اتساعه وأسنانه مشرعة وحادة تنتظر من يفترسه والذيل يتحرك في كل الاتجاهات . سبع كلمات تقولها في فم البئر . كل كلمة صحيحة تسكن رأسا وتغفو . بالكلمات السبع مجتمعة يرقد الثعبان ويسكن ذيله . تفتح الباب بأمان وتعب من الكنوز كما تشاء . لديك سبع محاولات فقط لكل كلمة )) " ص 151" .
هناك رقم السبعة يكون دائما هو مفتاح الولوج للسر ودخول قدس الأقداس ، وفك الحيرة ، وهو الذي يعني الخصوبة والنماء فهناك الحبوب السبعة على رأس المولود كي تكون حياته غنية بالخير. مع الكلمات السبعة تغفو سبعة رؤوس للثعبان الضخم ، والرواية تضج بالمعتقدات الشعبية والوصفات البلدية فمثلا النوى المطحون يصلح لعمل لبخة تعيد الشعر بدل البروكة ، وهكذا . الأصوات تسرب مثل هذه المعارف وتضخها في أوردة النص حتى انك لو قمت بعمل مسح عرضي للرواية استطعت أن تعثر على عشرات الوصايا والنصائح المجربة ، لكنك في المقابل ستتوقف أمام شيء هام وهو أن هذه النصائح والأفكار لم تفلح قط في تجنيب شخصيات الرواية مآس وفواجع مست حياتهم ، ولم تمنحهم ما يطمحون إليه من شعور بالأمن والسكينة ذلك أن المكان بناسه وعلاقاته وسقوطه يمثل هذا التحدي الرهيب لكل طموحات الفرد لو فكر في أن ينسلخ عن واقع المجتمع وضوابطه الاجتماعية .
* عاطفة الحب . محددات رئيسية :
علاقة الحب التي هي ديدن الرواية علاقة متشابكة ، ترادف قيمة الحياة ذاتها ، ويكتسب الحب معنى إضافيا في قلوب استعمرتها القسوة طويلا ، وعن هذه العاطفة الإنسانية التي استقطبت مجمل الأحداث وطغت على الدسائس والخيانة والكراهية كمشاعر وأفعال سلبية برز الحب كمعطى يطهر النفس من شحها والقلوب الغضة من صقيع وحدتها .
كانت الطاهرة تريد أن تعيش حياة كريمة مع زوجها لكنه وبعد قترة قصيرة من عرسها تركها وسافر إلى الخارج ، فصارت خطواتها محسوبة وشاعت عنها الأقاويل .
هي تزفر محتجة لنصيبها في الاقتران برجل خدع كل توقعاتها حين " هج " مع الخوجاية وتركها تندب حظها . هو جابر الذي انتظرته طويلا دون أن يصحح خطأه المميت بالنسبة لها ، وهي تتألم فجسدها يضج بعنفوان الحياة وهي لا تجد من يهدهد روحها :
((حين يجيء صباح الجمعة . السيدات يخرجن تباعا يلقين بالماء ، والماء يضحك في طسوتهن ، وأنا ألقي بماء غسيل سراويل الصغيرة . ماء حزين لا يضحك . تتورد وجوه النسوة في تلك الصباحات وأنا أواري وجهي عنهن . أتشاغل باطعام الدجاج والبهائم أو أظل راقدة دون نوم حتى ينتهين من طقوسهن التي تشعل في جسدي النار )) " ص 41" .
شعور قاس بالوحدة ، وايماءات بالحرمان الموجع ، حتى أن الصغيرة نهى تحضر في النص من خلال لمحة سريعة تعيدها لذكرى الفراش الحلال مع زوجها.
وشخصية أخرى هي صفاء عاكست خلق الله في الهاتف ، لكن قلبها تعلق أخيرا بخالد وتوهج العشق وصار أقوى من أن تزحزحه تلك التقاليد الصارمة التي تقف حجر عثرة في وجه اللقاء المرتقب ، فكان اللقاء الذي عرفه كل أهل " الكسارة" وشمس التي حددت منذ البداية طبيعة علاقتها بمنصور ورفضت أن يستباح جسدها إلا لحلالها صورة أخرى من صور الحب المرتبك في الرواية .
ظلت أمل والتي أحبها منصور تعبر عن فيض حبها بطريقة تدوين خواطرها في مفكرة صغيرة كأنها تكتب حكاية لهذا الحب المجهض ، وهو الذي يمكن تلخيصه في عبارة وردت بالنص لكنها جاءت على لسان الطاهرة :
(( كل امرأة دون رجل هي خاطئة أو في طريقها للخطيئة )) " ص 41" وهو مفهوم يصلح تماما لتفسير العلاقات الشائكة داخل الرواية والتي تمعن تلك الكتابة الجارحة في فضح ما بها من تواطؤ وسرية .
حب تسيطر على أجوائه المفاجآت القدرية ، والمحددات الاجتماعية التي تسقط كل ما هو غير متفق عليه ؛ وهذا أدى إلى صراع دائم ومحموم بين رغبات الشخصيات المتمردة بطبعها وبين المؤسسة الاجتماعية التي تقوم بعملية الضبط بكل صرامة . هو حب يغترف من فيض الرومانسية ، لكنه يخضع للشرط نفسه ، تبوح به أمل ، ونحن ننقل من مفكرتها :
(( ولأنه أصبح جزءا مني وأصبحت قطعة منه أشعر بأحاسيسه . متى يحزن ؟ متى يغضب ؟ متى يغار ؟ متى يكذب؟ هو لا يستطيع قراءتي مثلما أقرأه . حتى عندما أراد البعد . من اول وهلة أحسست . بصعوبة منعت عبراتي عند وداعه . كنت منقبضة . أحس قلبي أنها النهاية )) " ص 55" .
البعد السيكولوجي يتغلب على البعد الاجتماعي مع هذه الفتاة المحبة التي تعيش الحب كأنه الهواء الذي تتنفسه ، وهي تمتح من موقف رومانسي مثالي لا يخضع للأرضي الواقعي بقدر ما يجنح إلى الإعلاء من قيمة العشق كمفردة غريبة في حياة قرية " الفرس" التي تنتمي إليها ، وربما كان الحب هو محاولة كي تتواءم الذات مع الجماعة في إطار مصالحة تمد كلا الطرفين بحاجته إلى الاستقرار غير أن الواقع المجتمعي يرفض ذلك بدليل أن هذه الزفرات التي خطت في المفكرة قد تم إخفائها خوفا من الوقوع في يد شخص ما قد يفسرها تفسيرا يجلب على صاحبته العار.
يعكس الجبل على عاطفة الحب ظلالا متدرجة ، وهو ما توصفه صفاء في حديثها إلى خالد . تلك العلاقة التي ستنتهي هي الأخرى نهاية مأساوية حين يراها أصدقاء خالها من قرية " الكسارة " في ردهات المعبد الفرعوني مع خالد :
(( الجبل يضيق الحصار علينا . لامهرب . لا مفر . الجبل يجثم على صدورنا يا خالد . يرقد ليلا كجثة مارد ضخم يرمقنا بنظراته المخيفة . ندخل الدور ويغلقون علينا الأبواب. من تتمرد " انظرن للجبل مخيف ويخرج منه عفريت يلتهم البنات اللاتي يلعبن أو يجلسن خارج الدور ليلا " نصرخ فارين للدار . في النهار يعكس صهده يبعثره علينا نارا تلسعنا وتلفح وجوهنا . أو يبعث ريحه المحملة بالرمال تصفع وجوهنا وطعامنا وفرشنا )) " ص 117 " .
هذا الاحساس القوي بسيطرة الجبل ورسوخه معناه أن هناك من القيود ما يمنع الروح من التحليق ، والنفس من الانفلات من ربقة تلك التقاليد التي تحاصر الفرد وتضيق عليه طرق حياته ، وإذا كان الحب محاولة جادة للانفلات من قسوة تلك الظروف فهو من جانب آخر قادر على أن يخفف وطأة القهر .
وقف منصور إلى جوار أمل في مشكلة تعرضت لها ، هي لم تحبه حبا كاملا ، ولكنها تمنح نفسها فرصة أن تختبر عواطفها فربما هناك عاطفة أخرى غير الحب يمكنها أن تجمعها مع رجل أحست بميل فطري له :
(( منصور يزداد تقربه مني يوما بعد يوم . ( بالقلب لم يعد متسعا للجروح) . قالت زميلة لاتحتاج المرأة يا امل لأكثر من رجل يشعر بأحاسيسها . يهتم بمصالحها . يثور لكرامتها . يشعر أنها ليست وحيدة في العالم . ليس بالحب وحده يتزوج الآدميون )) " ص 100" .
هناك اختلال ما في العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمعات المغلقة ، وثمة شروط في غابة القسوة تحرم المشاعر الوجدانية بين الغرباء وأيا كانت طبيعة الفكر الذي يحرك أنساق العلاقات الإنسانية فللعادات والتقاليد والأعراف قوة تغلب كل شيء ، ومن المهم أن ندرك أن الأفعال والأحداث تتشكل بناء على منظومة القيم السائدة والمواضعات الاجتماعية التي ألفها الناس . فحركة الشخصية مهما بدت خارج السياق ومتنافرة مع العرف الاجتماعي فهي وليدة نسق فكري وتراتب اجتماعي من الصعب الاطاحة به. ولو حدث وشردت امرأة عن الأعراف فسيكون في ذلك مقتلها دون ثرثرة أو كلام كثير ، فالقتل هنا يأخذ دوره كأحد عناصر الضبط الاجتماعي وبدونه يمكن أن تتفاقم الخطيئة . وكم كانت الكاتبة موفقة في استهلالها للرواية بصوت منصور في حوار صاخب مع رجل المباحث حين يبصر مشهدا له دلالته على مدار النص :
(( كانت جثة لامرأة طافية في النيل ـ كانت في ذاكرتي دائما وإن كنت لم أتعرف عليها ـ وجهها منتفخ وبطنها منتفخة وخصلات شعرها متآكلة تعلق بنبات ورد النيل . طرحتها تتماوج مع حركة الموج يدفعها ويروح يصفعها ويعاود صفعها مرات ومرات . جلبابها الأسود المبلل يكشف عن ردائها الداخلي بلونيه الأحمر والأبيض طائر ضخم يقبع على الصدر . البلل كشف عن تفاصيل الجسد المنتفخ الذي انتهكت حرمته وبانت تفاصيله )) " ص 12" .
يرتبط هذا المشهد المخيف بفكرة الانتهاك وتجاوز الخطوط الحمراء في علاقات الذكور بالنسوة مهما حملت من توصيف كالحب أو الإعجاب ؛ فالحرام والعيب والخطيئة هي الألفاظ الأكثر حضورا في ذات المشهد ويرتبط بهذا التأسيس لمفاهيم العيب والعار بعد تال يتمثل في قيم مثل " العقاب " و" القصاص " و" الثأر " ، وكلها مترادفات لمفهوم توقيع العقوبة العاجلة العادلة بالمفهوم القبلي على أي شخص يحاول أن ينتهك " سقف المحرمات " . ولو حاولنا أن نتتبع خيوط الرواية التي كتبتها هيام عبدالهادي صالح لوجدنا مدى القصور في هذه المفاهيم فكل العلاقات تنطوي على بذرة هلاكها لأن المؤسسة الاجتماعية تمنعها من الوجود تحت الضوء . هي علاقات مضمرة ، مختفية ، غائبة وتعمل تحت السطح . هناك علاقة منصور بشمس مرة وبأمل مرة . وعلاقة صفاء التي سمت نفسها ب" حنان " مع خالد ، وهناك الطاهرة مع الغريب الذي لا نتأكد من اسمه لكننا ندرك شناعة جرمه ، وهكذا . كل هذه العلاقات وغيرها تبدو كخطوط تتقاطع وتشتبك مع الخط الاجتماعي الذي يحرم ويجرم ويمنع كل علاقة خارج الإطار الرسمي المعلن . ومن المستحيل أن تنجو أية علاقة من المصير المؤلم . في ظل هذا المستوى من مستويات المعنى يكتسب الحب قوام الفجيعة وتسقط الدلالة على الحدث فتدمي عناصره مع أن الحب تجربة إنسانية خاصة جدا ولا يمكن أن تخضع لعوامل الضبط الاجتماعي فهي صلة شديدة الرهافة بين كائنين وفيها من السرية والخصوصية ما يمنع أن تكون مشاعا أو فضحا حسيا أو معنويا لما تمنحه للذات من فيض مشاعر أو إشباع نفسي مؤكد.
فهاهي أمل تواصل بوحها الفريد ، وتدون ما تشعر به من شوق وتوق عارم لمعانقة الحبيب في مفكرتها ، وفي كل تدوين تتفتح طاقة نور لنتعرف من خلالها على معنى مغاير لهذا العشق :
(( قال السحاب " يا نجمتي في السماء . أنت بعيدة وعزيزة ولا مرئية ، وأنا على البعد أعشقك . نعم لديّ نهر أرضي أغمره بمائي يكفيني ويفيض . لكنني ... أشتاق لضوئك يغمر روحي . أشتاق لإطلالة وجهك التي أعشقها ـ فقط ـ تعالي يا نجمتي ولا تخافي . أقتربي وادخلي جنتي " . كلمات السحاب حسمت تردد النجمة " لديه نهر ولا يحتاجني . يحتاج ضوئي فقط ليأتنس به)) " ص 44" .
في ظل هذا المستوى من البوح والنجوى يكتسب العمل الروائي دلالاته التي تفضي بنا إلى كون الحب آصرة رئيسية تربط بين المصائر ، مهما بدا ممنوعا ومفارقا للواقع الجهم القاسي ، فمن نطاق التجربة إلى مظان التحقق والكشف ينحو بنا السرد نحو تفهم كل تلك الحالات من النكوص ، والانسحاب الآمن نحو العزلة والتقوقع واللاتواصل تخوفا وابتعادا عن دوائر القسوة المفرطة . بدايات كثيرة كانت فرحة ومشرقة أفضت إلى نهايات مريرة حيث تعيش الشخصيات حالات متباينة من الإقدام والخوف ، والأمل واليأس ، وتوشك كل تجربة أن تقع في دائرة نهائية من قلة الحيلة والإحباط . وفي مشهد دال تلوم طاهرة شقيقها أنه لم يقتلها ، وتصله نهنهتها ، فهي تود أن تفارق هذا العالم الذي لم يورثها سوى الأحزان ، وهنا يستدعي منصور منظرا معبرا يكاد يكون هو المعادل الموضوعي للازمة كلها مع مشهد غراب اسود يحط على أحد الغصون:
(( بعد حين عاد ومعه أنثاه . حين حطا على الأرض كان يقترب منها وتتباعد . كانت تحجل قليلا بينما بقعة دماء مجمدة في أحد ساقيها . أطرقت بوجهها ترقب الشجرة التي ابتلعت الماء دون قطرة تتركها لها . أخذ ـ هو ـ ينظر حوله بقلق بينما لم ترفع ـ هي ـ وجهها الحزين عن الأرض اللينة )) " ص 82" .
نلاحظ هنا أن الغراب يقوم بدوره التاريخي في قتل من يعارضه أو يتصادم معه ، وهو ما لم يفعله منصور مع الطاهرة وإن بدا قريبا من التحقق في أية لحظة مناسبة. يأتي جابر لبؤرة الصورة فتتشاغل عنه الطاهرة بأشياء وأشياء دون أن تشكو أو تتألم ، وفي المقابل يقترب الغراب من أنثاه وتتباعد حتى يغيبا عن النظر ، وكأن هناك هجرا مضمرا ، وقتلا وشيكا . وقد توقفت أمام اختيار اسم تلك الشقيقة منكودة الحظ ، فهي " الطاهرة " ورغم دلالة الاسم فإن هذا لم يمنع الاتهام الموجه لها والمسلط على عنقها كحد السيف .
تمضي الأحداث بحلوها القليل ومرها الكثير ، وبين الحضور والغياب ، ومشاعر الحب التي تقزمها الواقع تمضى الرواية في الحديث عن ناس الجبل وبنات النهر . هل يمكننا هنا أن نعكس الآية ونقول بنات الجبل ورجال النهر ؟ فيما يبدو أن هذا أمر مستحيل مع تلك القوى الخفية والمعلنة التي تمارس قهرها على الجميع وإن اختصت المرأة بكثير من عنايتها الزائدة!

* الموت بأكثر من صورة :
إن المشاعر الأساسية التي تنتابنا مع انتهاء الرواية تفضي بنا إلى حقيقة أن الحب محرم ، والموت مؤكد ، وأن هناك من الأسرار ما لايمكن فضحه في قرى الصعيد التي ما زالت تسيد ذلك الحس القديم والمتوارث لخطيئة الحب بكل تجلياته . هناك دون شك مناطق ومفاهيم تستعصي على عقل الإنسان المتحضر ، ولكن كل هذه أمور لا شأن للواقع بها ، تمضي الحكايات متدافعة ويبقى السؤال معلقا دون أن يظفر كائن ما بالإجابة .
قد تشعر أن هناك قوى كونية هي التي تدير الأحداث لا قبل لأحد بردها أو إخضاعها لمنطق العقل ، وهي قوى تمارس عملها دون أن تعبأ مطلقا بمحاولات مستميتة ظلت تجاهد كي تفلت من الأزمة الخانقة التي قد تسد منافذ الهروب و تصل إلى الهلاك المحقق .
لكل شخصية سماتها الذاتية البحتة ، ولكن النسق العام الذي يؤطرها يضعها في نفس الدوائر الخاضعة دوما للمساءلة . منصور يدفع ثمن خطيئة أنه حفر وفرط في العرائس حتى لو كان ما حدث هو سهو لا أكثر ، والحاج صادق زوج العمة يذهب ضحية اللعب مع الكبار لعبا خطرا غير حميد ، أما الطاهرة فهي تشعر بوحدتها ويفور الجسد بالعنفوان وتركن إلى وحدتها ولا تسلم من الأقاويل . صفاء الذكية السمراء المحبوبة توشك أن تنجح في التخلص من تلك القيود اللعينة من خلال الهاتف فيكون في حبها نهاية مؤرقة وموجعة لحب كاد يتحقق ، تهتف بقلب سكنته الغصة أنها قد كفرت بكل شيء جميل ، أما خالد الذي جاء أعزبا غريبا بلا أهل ولا أقارب في هذه البلدة فمصيبته أعظم :
(( سامحيني أعجبني الدور . دور المخلص . أن اكشف لهم البنت التي أقلقت نومهم وهددت منازلهم المتصدعة بالسقوط . ( أحاول النوم الذي لا يحاولني ) . كنت أسمع صوتا لأمرأة ينادين في السحر . أخرج إلى الشرفة والقمر مظلم كئيب . أبحث . أنادي والجبل يردد الصدى لا أحد . لا أمرأة هناك . أعود لنومي أو أصارع أرقي حتى أقهره ويقهرني )) " ص 141" .
كان عارا وسقوطا أخلاقيا أن يقدمها لقمة سائغة لأهل بلدة " الكسارة " وهو الغريب الذي لم يخضع لمثل هذه الأعراف القاسية لكن فيما يبدو فقد أراد أن يقدم براهين جادة على انه مثلهم يضع كل الاعتبار للتقاليد والعادات الصارمة التي ترى في الحب خروجا عن النمط وعيبا . لم تمت صفاء ولا نعرف نهاية لها غير أن مشهد المرأة القتيلة التي جرفها التيار والتي تصدرت المشهد السردي بدت في الأفق وكأنها الراية السوداء التي ترفع للحداد وتشير إلى العقاب ، ففي الغرق في النهر تطهر وغسل عار أبدي . موت معنوي دائم أو موت مادي لحظي تخضع له النسوة كلهن في " الفرس " و" الكسارة " وكل القرى التي تبات في أحضان الجبل الشرقي ، فيما تهفو النفوس بحق للعدل والخير والجمال ، وهي قيم تبدو نظرية ومن الصعب أن تزحزح قيما أخرى أكثر أهمية كالشرف والعيب والحرام . مهمة صفاء أن تكشف الأوهام التي تعيشها بيوت كثيرة مغلقة على ما فيها من عورات ، وكادت أن تنجح في ذلك وتخترق تلك القشرة الصلدة لكن يبدو أن القانون الحاكم هنا كان يعني بأن تظل الأمور تمضي في مجراها القديم دون محاولة جادة للإزاحة . وفي منولوج أخير يدافع منصور عن اختياراته ويكشف لشمس حبه المستحيل بعد أن يرمي بكل الأخطاء التي ارتكبها على طبيعة الحياة من حوله :
(( كل العالم يكذب . كلنا كاذبون بدرجات متفاوتة . بنبرات صوت تختلف وقدرات على الإقناع مختلفة . الكذب أصبح طعام وشراب ولباس الناس منذ الخياط الذي حاك للملك الهواء لباسا يرتديه وسار الملك في موكبه بردائه الداخلي الذي بالكاد يخفي عورته ، والناس تصفق وتثني على عبقرية الحائك )) " ص 155" .
الكذب كما نرى في الرواية هو أحد الحيل الكثيرة للتحايل على الواقع والقفز من فوق أسواره ، ودحض قوانينه ، وكل من حاول أن يكون صادقا في مشاعره ، واضحا في أفكاره نال ما يستحقه من عقاب المجتمع الذي يتدخل في كل كبيرة وصغيرة مرتبطة بخصوصياته .
إبان الأحداث تبدو الأم في الخلفية صامتة أغلب الوقت ، تختصر رؤيتها للعالم وما به من تصدعات وشروخ في عبارات موجزة بليغة . المحن التي تمر بها بناتها وابنها تتجاوز قدرات الفرد على الصمود ، وربما لا ينفع معها غير الإيمان الحقيقي بما يحمله القلب الصادق والمحب للحياة من رحمة تجاه الآخرين .
وإن كانت مياه النهر تتخذ ذريعة للتطهير فالنار تقف في الجهة المقابلة . وفي مشهد مأساوي محزن ترتبك وأنت تصنفه هل هو واقعي صرف أم تخييلي محض تجد النار مشتعلة في هذا البيت بالذات بعد ان رأيناها تنشب في قصر كبير داخل المتن . النار مطهرة وهي عقاب ، كما أنها ولوج من الأبواب المغلقة تجاه انصهار مخيف :
(( أفيق على صرخة بل اثنتين . النار اشتعلت بملابس صفاء . تندفع طاهرة نحوها تحتضنها لتطفئها يشتعلان . بسرعة اندفع نحوهما انتش الكليم الصوف من فوق الدكة . أرفعه تتسمر يداي . ( لو تقتل قلبك يا منصور لماذا لا تدعهما يحترقان ؟! ألم تدع ربك أن يحترقا دونك ؟ ! هل أشعلت النار في نفسها عمدا أم نسيت قطرات الكيروسين المنسكبة على ملابسها فاشتبكت بها النار ؟ والثانية هل أرادت مشاركتها نفس المصير ؟ ) ألفه حولهما . أخمد حريقهما . ننكفيء ثلاثتنا على الأرض )) " ص 157"
هو مظهر من مظاهر الموت المؤجل وتأتي دعوات الأم الصالحة للرب ألا يفجعها فيهم فهم كلهم أولاد بطنها . ويأتي المشهد الختامي ـ الخمسين ـ للرواية دالا وموحيا حين يسكت كل كلام ، وينفض كل اعتراف وتسكن الفجيعة بيوت القرى دون استثناء حتى أن الأنفس بدت متفحمة وخربة ، هنا تحكم الكاتبة نصها بالبوح الأخير والاعتراف الذي يأتي على لسان منصور أكثر شخصيات الرواية تناقضا مع ذاته ، مع شقيقاته ، مع زوج العمة ، وفيها يكون هو لسان حال الجبل أو أحد تجلياته :
(( لقد كان صدعا في السد . تدفق منه الماء . وقد انفتح فمي للكلام ، وأعملت مجدافي لسبر الغور ، ونزحت مائي ، وروحت عما في جوفي ، وغسلت كتاني القذر . والآن قد انتهى خطابي ( أنا منصور ابن أمي وأبوي ) وانتهى بؤسي في حضرتكم )) " ص 158" .
ليست هذه نهاية واقعية لأحداث ومشاهد متكتمة وأسرار معلنة ومشاعر خبيئة ، ولكنها مجرد محطة للاستراحة . ربما تستريح النفوس قليلا والأجساد كثيرا ، بعدها تواصل القرية ظلمها لبناتها ، وتواصل أمل تدوين أفكارها ، وتشق الكاتبة عصا الطاعة فتعلن عن خروجها المؤكد عن منطلقات واقعها . وهي بهذا تستحق القتل في عرفهم طبعا ، أما أنا فأستطيع أن أزعم أنها ـ أي هيام عبد الهادي صالح ـ قد قدمت رؤية فنية وفكرية جادة أربكتنا بجرأتها وعليها أن تواصل ما بدأته إن كـُـتب لها عمر جديد!
دمياط في 24 / 1 / 2006

**********************

Back to Top 


 © Arab World Books