طارق علي.. مسافر زاده الثورة


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
لوحة الرسائل
رأى وكتاب
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

 

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 

 

ترجمة وتقديم:طلعت الشايب
أخبار الأدب مايو 2004

عندما أوقف رجال الأمن الألمان طارق علي في مطار ميونخ بعد أحداث سبتمبر 2001 بفترة قصيرة، كان السبب ­ كما قالوا ­ هو ذلك الكتاب الصغير الذي كان يحمله معه والذي يحتوي علي مقال لكارل ماركس بعنوان 'الانتحار'!
وبعد تفتيش حقيبته طلبوا منه أن يترك الكتاب 'بعد الحادي عشر من سبتمبر لا يمكن أن تسافر بكتب كهذه!' وعندما هدد بالاتصال بعمدة ميونخ ­ وكان قد حاوره عن الأحداث في مناسبة عامة بالمدينة قبل فترة ­ تركوه يكمل رحلته.
المؤكد أن أفراد الشرطة الألمانية كانوا يعرفون ذلك المسافر جيدا كما يعرفه الكل في دوائر السياسة والثقافة والأمن في العالم، وفي الغرب علي وجه الخصوص، وذلك لأن سجلاته لديهم متضخمة بالمعلومات التي تقول إن ذلك المقاتل الثوري علي أكثر من جبهة والمولود في لاهور '1943' صاحب تاريخ مقلق ­ هذه الأيام خصوصا ­ وصاحب فكر تصادمي منذ شبابه الأول. فهو رئيس اتحاد طلاب جامعة البنجاب، ومنظم وقائد المظاهرات العامة ضد الدكتاتورية العسكرية في باكستان في الستينيات، وهو الشاب 'الطائش' الذي أبعده أهله للدراسة في بريطانيا ­ حرصا علي سلامته ومستقبله ­ عملا بنصيحة عمه الذي كان رئيسا للمخابرات العسكرية الباكستانية آنذاك. ثم هو رئيس اتحاد طلبة جامعة اكسفورد في 1965 حيث كان يدرس الفلسفة والسياسة والاقتصاد، وهو عضو محكمة جرائم الحرب التي شكلها 'برتراند راسل' وزار كمبوديا وفيتنام '1967' في إطار نشاطها، وهو أحد رموز الحركة الطلابية العالمية في 1968 ومحاور ومناظر كيسنجر ومايكل ستيوارت عندما كانت حرب فيتنام في ذروتها.. ترك طارق علي حزب العمال البريطاني ليصبح زعيما للتجمع الماركسي الأحمر ­ IMG ­ و الشعبة البريطانية من الأممية الرابعة، والتي انشق عليها أيضا بعد أن ابتلعت الاستهلاكية راديكالية الستينيات.
هل قلنا إن طارق علي مقاتل شرس علي أكثر من جبهة؟ في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات كان رئيسا لتحرير صحيفتي 'القسم الأسود' و'الخلد الأحمر' فكتب حول تطورات السياسة العالمية مناهضا للحروب واستغلال الشعوب، كما كتب لصحف أخري مثل 'نيوستيتسمان' و'الجارديان' ورأس تحرير مجلة اليسار الجديد وقدم لطبعة جديدة '1970' من تأريخ شاخت مان: 'السنوات العشر الأولي للحركة التروتسكية' '1923 ­ 1933'، وأشرف علي تحرير كتاب 'الإرث الستاليني وأثره علي السياسة العالمية في القرن العشرين' ­ 1984 ­
طارق علي الذي يزور القاهرة الآن بدعوة من الجامعة الأمريكية له أكثر من 14 كتابا في التاريخ والسياسة والأدب، كلها مثيرة للجدل، وهو كاتب ومخرج سينمائي وروائي ومحاضر يتصدر المؤتمرات المناهضة للحروب والعولمة علي النموذج الأمريكي والأصوليات الدينية والإمبراطورية وحروب الإبادة في أفغانستان وصربيا والعراق وفلسطين.
من أعماله المنشورة : 'باكستان: حكم عسكري أم سلطة شعبية؟'، و'هل تبقي باكستان؟' و 'نهرويون وغانديون: سلالة هندية حاكمة' و'سنوات حرب الشوارع: سيرة ذاتية للستينيات' و'الثورة من أعلي: الاتحاد السوفيتي إلي أين' وله كتاب عن تروتسكي للمبتدئين.
وفي عام 2002 صدر له 'صدام الأصوليات: الحملات الصليبية والجهاد والحداثة' 'ننشر في هذا العدد فصلا منه'، الذي يعيد فيه قراءة التاريخ الإسلامي منذ العهد الأول إلي أحداث سبتمبر التي يراها صدام أصوليات ليس إلا. ولطارق علي خماسية إسلامية صدر منها ثلاث روايات هي: ظلال شجرة الرمان وكتاب صلاح الدين وامرأة الحجر، وكان قد شرع في كتابة الرواية الرابعة 'ليلة الفراشة الذهبية' عندما وقعت أحداث سبتمبر 2001، ويحاول في هذه الخماسية أن يصور الحضارة الإسلامية علي نحو يقول عنه إنه سباحة ضد التيار، وله ثلاثية عن سقوط الشيوعية صدر منها 'افتداء' و'الخوف من المرايا'، أثارتا نقاشات مهمة في الأوساط الادبية وترجمت الي عدة لغات، وله مسرحية قصيرة عن العراق وأوبرا عن الامام الخميني، ثم مؤخرا كتاب عن بوش.. في برج بابل!
طارق علي ينطلق في مناظراته ومحاضراته ومجمل كتاباته السياسية والفكرية اليوم من أرضية محددة، أبرز معالمها:
الولايات المتحدة هي 'الامبراطورية' والامبراطورية تعني الولايات المتحدة. 'التحالف' ضد الإرهاب يعني الولايات المتحدة 'العولمة' تعني ما تريده الولايات المتحدة للعالم
'الاصوليون المتحجرون' في العالم الاسلامي لم يختلفون عن الفاشست، نفس الأفكار الفلسفية عن الدم والأرض والدين، والاسباب هي نفس الاسباب:
سقوط اليسار والخلل الاجتماعي الأقرب للخواء
وسياسات الليبرالية الجديدة
طارق علي مسافر زاده الثورة!


رسالة إلي شاب مسلم

صديقي العزيز،
هل تتذكر يوم أن اقتربت مني بعد انتهاء مؤتمر معارضة للحرب في شهر نوفمبر عام 2001 (كنا، علي ما أعتقد، في جلاسجو). وسألتني ما إذا كنت مؤمنا؟ لم أنس أثر الصدمة التي ارتسمت علي وجهك عندما كانت إجابتي بالنفي، كما لم أنس تعليق صديقك الذي قال 'لقد حذرنا آباؤنا منك'، ولم أنس الاسئلة التي بدأ كلاكما تصويبها نحوي مثل السهام. كل ذلك جعلني أفكر، وهذا الكتاب هو ردي لكما وعلي كل الآخرين الذين وجهوا لي اسئلة مشابهة في أماكن آخري في اوروبا وأمريكا الشمالية، إنه أمر وثيق الصلة بالتاريخ وأرجو أن يكون كافيا. عندما كنا نتحدث قلت كلما إن نقدي للدين ولمن يستخدمونه لأغراض سياسية لم يكن محاولة مني لادعاء الدبلوماسية أمام الناس، لأن الذين يستغلون الدين ويتلاعبون به كانوا يستخدمونه دائما من منطلق اخلاقي لمواصلة أهدافهم الأنانية. صحيح ان هذه ليست القصة كاملة، فهناك بالقطع رجال دين مخلصون في بقاع كثيرة من العالم، يناضلون بحق الي جانب الفقراء ولكنهم دائما في صراع مع الدين المنظم. الكنيسة الكاثوليكية مثلا كانت تضحي برجال الدين من بين العمال والفلاحين الذين نظموا انفسهم ضد الظلم والاضطهاد، كما تعامل آيات الله في إيران بعنف شديد مع المسلمين الذين كانوا ينادون بالراديكالية الاجتماعية.
ولو كنت ممن يؤمنون بأن هذا الاسلام الراديكالي هو طريق الانسانية الي الأمام، لما ترددت في الجهر بذلك مهما كانت النتائج.
أعرف أن كثيرين من أصدقائك يتغنون باسم اسامة بن لادن، وأعرف انهم ابتهجوا في الحادي عشر من سبتمبر 2001، لم يكونوا وحدهم، حدث ذلك في كل أنحاء العالم، ولكن ذلك لاعلاقة له بالدين. أعرف طلابا في الارجنتين انسحبوا من قاعة الدرس عندما وجه مدرسهم النقد لأسامة، أعرف شابا روسيا أرسل تهنئة بالبريد الالكتروني لأصدقاء له يعيشون خارج نيويورك، كانت رسالته كلمة واحدة: 'تهنئتي' وكان ردهم 'شكرا: كان عملا عظيما'، كما أذكر أننا تكلمنا عن الجماهير الذين رفضوا ان يقفوا في مباريات كرة القدم دقيقتين حدادا فرضتها الحكومة، وبدلا من ذلك كسروا الصمت بهتافات معادية للولايات المتحدة، علي أن لاشيء من ذلك كله يمكن أن يبرر ما حدث. إن ما يكمن وراء السعادة بانجاز الاخرين ليس شعورا بالقوة وإنما ضعف شديد.
لقد عاني شعب الهند الصينية علي يد الحكومة الامريكية أكثر مما عانت أي دولة اسلامية، فقد تعرضوا للقصف خمسة عشر عاما كاملة وفقدوا الملايين من الأرواح، فهل فكروا في قصف أمريكا؟ الكوبيون والتشيليون والبرازيليون لم يفعلوا ذلك، شعوب الدولتين الأخيرتين حاربت ضد الحكومات العسكرية المفروضة في بلادهم من قبل الولايات المتحدة وانتصرت في النهاية.
الشعوب اليوم تشعر بالضعف ولذلك يحتفلون عندما تتعرض أمريكا للضرب. لايسألون عما يحققه هذا العمل ولا كيف ستكون نتائجه ولا عن المستفيد منه، جوابهم رمزي مثل الفعل نفسه.
اعتقد أن اسامة وجماعته قد وصلوا الي نهاية طريق سياسية مسدودة، كان مشهدا كبيرا، ولا أكثر من ذلك. الولايات المتحدة ترد بحرب، لقد عززت أهمية الفعل وإن كنت اشك أن ذلك سينقذه من النسيان أو خمول ذكره في المستقبل، سيصبح مجرد حاشية أو هامش في تاريخ هذا القرن، لاشيء أكثر من ذلك، وبالمعني السياسي أو الاقتصادي أو العسكري كان مجرد 'شكة دبوس'!
ماذا يقدم الاسلاميون؟ طريقا الي الماضي لم يكن له وجود حتي لشعوب القرن السابع. إذا كانت إمارة افغانستان هي النموذج لما يريدون فرضه، فسوف يحمل السلاح ضدهم معظم المسلمين، إياك أن تتصور ان أيا من اسامة أو الملا عمر يمثل مستقبل الإسلام، ولو أن الأمر كذلك، فستكون كارثة كبري للثقافة التي نشترك فيها أنا وأنت.
هل تريد ان تعيش في هذه الظروف؟ هل تقبل أن تحجب أختك أو أمك أو المرأة التي تحب عن الأنظار ولايسمح لها إلا حيث تكون مكفنة مثل الجثة؟ أريد أن أكون أمينا معك، لقد عارضت هذه الحرب الأفغانية الأخيرة. لا أقبل أن يكون من حق القوي الكبري أن تغير الحكومات كيفما تريد وعندما يؤثر ذلك علي مصالحها، إلا أنني لم أذرف دمعة واحدة علي 'طالبان' عندما حلقوا لحاهم ولاذوا بالفرار عائدين الي بلادهم. هذا لايعني أن من أسروا يجب أن يعاملوا مثل الحيوانات أو أن يحرموا من حقوقهم الأساسية التي تكفلها معاهدة جنيف. وكما قلت في مواضع مختلفة من هذا الكتاب فإن أصولية الامبراطورية لامثيل لها اليوم، فهم يستطيعون تجاهل كل الاتفاقيات والقوانين عندما يريدون.
سبب إساءة معاملتهم للسجناء الذين اسروهم بعد شن حرب غير قانونية في افغانستان، إنما لكي يؤكدوا قوتهم أمام العالم وهكذا يمهنون كوبا بالقيام بأعمالهم القذرة علي أراضيها­ ويحذرون من تسول له نفسه من الآخرين ان يلوي ذيل الأسد، بأن العقاب سيكون شديدا.
أتذكر جيدا كيف كانت المخابرات المركزية الامريكية تقوم بتعذيب السجناء السياسيين واغتصابهم في مناطق كثيرة من امريكا اللاتينية أثناء الحرب الباردة، الأمر الذي جعل 'فيليب آجي'، وهو ضابط ميداني من ضباط الوكالة، يخرج عليهم ويكتب 'داخل السرية' ليفضح ما كانوا يقومون به هناك. اثناء حرب فيتنام خرقت الولايات المتحدة معظم اتفاقيات جنيف، عذبوا وقتلوا السجناء، اغتضبوا النساء، كانوا يلقون بالأسري من طائرات الهيليكوبتر ليموتوا علي الأرض أو غرقا في البحر، وكان كل ذلك ­طبعا­ باسم الحرية، ولأن الكثيرين في الغرب يصدقون هراء 'التدخل الانساني'، فإن مثل تلك الأعمال تصدمهم، ولكن ذلك يعتبر أقل حدة نسبيا مقارنة بالجرائم التي ارتكبتها الامبراطورية في القرن الأخير.
لقد التقيت بكثيرين من شعبنا في أماكن مختلفة من العالم منذ الحادي عشر من سبتمبر وكان هناك سؤال واحد يتكرر: هل تعتقد اننا نحن المسلمين أذكياء بما يكفي لنكون قد قمنا بهذا العمل؟ وكانت إجابتي في كل مرة 'نعم!'، ثم اسأل من كان ­في رأيهم­ المسئول.... وكانت الإجابة دائما:
'اسرائيل'... لماذا؟ 'لكي يكذبونا ويجعلوا امريكا تهاجم دولنا'. أحاول دائما أن أفند أوهامهم التي يتمنونها، بيد أن الحوار يصيبني بالحزن.
لماذا غاص كثير من المسلمين في مستنقع هذه البلادة؟ لماذا تفرغوا لرثاء الذات؟ لماذا سماؤهم دائما ملبدة بالغيوم؟ لماذا لابد ان يكون هناك دائما من نلقي باللوم عليه؟
عندما نتكلم، يصبح لدي أحيانا انطباع بأنه لايوجد بلد إسلامي واحد يمكن ان يفخروا به. الذين هاجروا من جنوب اسيا يلقون في بريطانيا معاملة افضل من معاملتهم في السعودية أو دول الخليج.. هنا بالتحديد، لابد من أن يحدث شيء ما.
العالم العربي في حاجة ماسة للتغيير. علي مدي سنوات، وفي كل حوار مع عراقيين وسوريين وسعوديين ومصريين واردنيين وفلسطينيين، تثار الاسئلة نفسها، المشكلات نفسها تحدث، نحن نختنق، لماذا لانستطيع التنفس؟ كل شيء راكد، متحجر، اقتصادنا، سياستنا، مثقفونا... وقبل كل شيء، ديننا! فلسطين تعاني كل يوم، الغرب لايفعل شيئا، حكوماتنا ميتة، سياسيونا فاسدون، شعوبنا مهمشة. والمذهل ان البعض يستجيب للإسلاميين! من غيرهم يقدم شيئا.. أي شيء.. هذه الأيام؟ الولايات المتحدة؟ انها لا تريد الديمقراطية... حتي في قطر الصغيرة، وذلك لسبب بسيط جدا.
لو أننا قمنا بانتخاب حكوماتنا فلربما طالبت هذه الحكومات الولايات المتحدة بإزالة قواعدها، فهل يمكن أن تفعل ذلك؟ انهم يشعرون بالاستياء فعلا من قناة الجزيرة لأن لديها أولويات اخري سواهم. كان جميلا عندما كانت الجزيرة تهاجم فساد النخب العربية، وقد خصص 'تومي فريدمان' عمودا كاملا ليمدح قناة الجزيرة في 'نيويورك تيمز'، كان يراها علامة علي ديمقراطية قادمة الي العالم العربي. لم تعد كذلك، لأن الديمقراطية تعني أن يكون لك الحق في أن تفكر علي نحو مختلف، وقد عرضت الجزيرة صور الحرب الأفغانية التي لم تعرض علي الشبكات الامريكية، قام 'بوش' و'بلير' بالضغط علي قطر لايقاف هذا البث غير الصديق!
الديمقراطية الغربية معناها ان تؤمن تماما بما يؤمنون به، فهل هذه حقا ديمقراطية؟
لو انتخبنا حكوماتنا في دولة أو دولتين، فقد يختار الناس الاسلاميين، فهل يتركنا الغرب وشأننا؟ هل تركت الحكومة الفرنسية العسكر الجزائريين وشأنهم؟ لم يحدث. لقد اصرت علي ان تلغي انتخابات 1990 و.1991 المثقفون الفرنسيون وصفوا الجبهة الاسلامية للانقاذ بالفاشست الاسلاميين، متجاهلين كونهم قد فازوا في الانتخابات. ولو كان قد سمح لهم بتشكيل الحكومة لظهرت الخلافات الموجودة بينهم الي السطح. كان يمكن للجيش ان يحذر فقط من اي مساس بالحقوق التي يكفلها الدستور، وعندما تمت إزاحة القادة الأصليين لجبهة الانقاذ، هنا فقط برزت إلي الواجهة العناصر الأكثر رثاثة وصنعت كل ما حدث من أضرار. هل نلومهم علي الحرب الأهلية، أم نلوم أولئك في الجزائر وباريس الذين سرقوا انتصارهم؟ المجازر في الجزائر رهيبة، فهل الاسلاميون وحدهم المسئولون عن ذلك؟ ماذا حدث في بنطلحة علي بعد عشرة أميال جنوبي الجزائر العاصمة ليلة 22 سبتمبر 1997؟ من ذبح الخمسمائة رجل وامرأة وطفل في هذه المنطقة؟ من؟
الفرنسي 'برنار هنري ليفي'، الذي يعرف كل شيء، متأكد من أنهم الإسلاميون، الذين ارتكبوا هذا العمل الفظيع. ثم لماذا رفض الجيش أن يسلح المحليون أنفسهم للدفاع عن أنفسهم؟ ولماذا صرف الميليشيات المحلية في تلك الليلة؟ لماذا لم تتدخل قوات الأمن وهم يشاهدون ما يحدث أمامهم؟ لماذا يعتقد السيد 'ليف' أن المغرب لابد ان يكون تابعا وخاضعا لاحتياجات الجمهورية الفرنسية، ولماذا لايهاجم أحد هذا الضرب من الأصولية؟
إننا نعرف ما ينبغي علينا القيام به، هكذا يقول العرب، ولكن الغرب يتدخل في كل مرة ليعيد قضيتنا إلي الوراء عدة سنوات، لذا إذا كانوا يريدون المساعدة حقا، فليتركونا وشأننا. هذا ما يقوله أصدقائي العرب وأنا أوافقهم علي هذا الطرح.
انظر الي ايران. النظرة الغربية تحولت الي التعاطف إبان الهجوم علي افغانستان. كانت ايران مطلوبة من أجل الحرب، لكن دع الغرب يراقب علي البعد، الأصوليون الامبرياليون يتحدثون عن 'محور الشر'. الذي يضم إيران. إن أي تدخل هناك سيكون قاتلا. هناك جيل جديد خبر القمع الديني ولم يعرف سوي ذلك. القصص عن الشاة اصبحت جزءا من تاريخه القديم، الجيل الجديد من الجنسين واثقون من شيء واحد إن لم يكن من أي شيء آخر، انهم لايريدون حكم آيات الله، ذلك بالرغم من أن ايران في السنوات الأخيرة لم تكن اسوأ من العربية السعودية أو إمارة أفغانستان السابقة، إلا أنها لم تكن جيدة بالنسبة للشعب.
دعني أروي لك قصة، قبل عامين التقيت مخرجا سينمائيا ايرانيا في 'لوس انجلوس' اسمه مسلم منصوري، وكان قد استطاع الهرب بمادة سينمائية عبارة عن تسجيلات لمقابلات اجراها علي مدي ساعات وهو يحضر لفيلم تسجيلي. كان مسلم قد كسب ثقة ثلاث داعرات من طهران وسجل معهن علي مدي أكثر من عامين، أراني جزءا من المادة، كن يتكلمن بصراحة تامة. شرحوا له كيف أن أفضل الزبائن كان يمكن الحصول عليهم في الاحتفالات الدينية. عرفت روح الفيلم من النسخة التي أرسلها الي، واحدة من النساء تقول له:
الكل اليوم مضطر لبيع جسده، نساء مثلنا لابد من أن يتحملن رجلا مقابل عشرة آلاف تومان.. لانستطيع ان نقول شيئا... الشباب يريدون أن يكونوا معا علي السرير ولو لعشر دقائق... احتياج طبيعي، يساعد علي تهدئتهم. وعندما لاتسمح الحكومة بذلك تنتشر الدعارة. لسنا في حاجة حتي للكلام عن الدعارة، الحكومة انتزعت حق الكلام مع الجنس الآخر بحرية.. وعلنا... في الحدائق ودور السينما والشوارع.. لاتستطيع الكلام مع الشخص الجالس بجوارك، لو تكلمت في الشارع مع رجل لن تنتهي من استجواب الحرس الاسلامي: من هذا الشخص؟ ما درجة قرابته لك؟، ما علاقته بك؟أين أوراقك الثبوتية؟ اليوم لا أحد في بلادنا يشعر بالرضا، لا أحد يشعر بالأمان. ذهبت الي إحدي الشركات بحثا عن عمل، نظر الي مدير الشركة، وهو شاب ملتح وقال: سأعطيك وظيفة مقابل عشرة آلاف تومان فوق الراتب المقرر، قلت 'يمكنك علي الأقل امتحان مهاراتي في استخدام الحاسب الآلي لمعرفة درجة كفاءتي' قال: سأعطيك الوظيفة لجمال عينيك!'، عرفت أنني إذا عملت هنا سيكون علي أن أنام معه مرة علي الأقل كل يوم، قلت لنفسي أن الأمر لايستحق، لو عملت لحسابي سوف أكسب أكثر. أينما ذهبت تجد نفس الشيء. ذهبت الي احدي المحاكم الخاصة بالأسرة للحصول علي الطلاق وتوسلت للقاضي، وهو رجل دين، لكي تكون لي حضانة طفلي. 'أرجوك'، 'سأكون خادمة لك'! ماذا تظن كان رده؟ قال: لا أريد خادمة.. أريد امرأة: ماذا تتوقع ان يكون الآخرون إذا كان رئيس المحكمة رجل الدين يقول ذلك؟ كان الرجل يحمل لحية وشعرا علي وجهه يزن خمسين كيلوجراما.... ويقول إنه يريد امرأة.
سألته: هل لديك زوجة؟ قال: أريد أكثر من زوجة. ذهبت الي الضابط لتوقيع وثيقة الطلاق، قال يجب ألا تطلقي، من الأفضل لك أن تتزوجي مرة اخري دون طلاق، هكذا بشكل غير شرعي، لأنك، بدون زوج، سيكون من الصعب أن تجدي عملا. كان محقا، لم يكن لدي نقود لأعطيه. هذه الأشياء تجعلك عجوزا بسرعة، تصيبك بالاكتئاب وبالضغط.. وهو مدمر. ربما كانت هناك وسيلة للخروج من ذلك. في الغرب هناك رعاية اجتماعية للداعرات وهناك تأمين حكومي ورعاية طبية... ألخ، هنا ليس لدينا حق في أن نكون موجودين اصلا، لماذا؟ نحن عمال ايضا كما تعرف.
امرأة ثانية مجبرة علي بيع جسدها تقول له:
الرجال الذين يجيئون للحصول علي خدماتي من كل نوع، باعة في البازار، طلبة، أطباء، مسنون، شبان، اميون....،..... أي واحد لديه نقود، نقود لشراء امرأة لبعض الوقت، معظمهم يعاملوننا بالفعل معاملة سيئة، ولأنهم يدفعون لنا يعتقدون ان من حقهم أن يفعلوا معنا أي شيء،.... ونحن نتحمل.
لا أحد يشعر بالأمان المادي في مجتمعا اليوم، لا أستطيع ان أدفع قيمة الايجار.... فماذا أفعل؟ لو لم أبع جسدي هذه الليلة فلن تكون معي نقود غدا. في مجتمع لا تستطيع أن تجد فيه عملا لايوجد أمان، لاحقوق، ماذا بوسع المرء أن يفعل؟ تخرج الي الشارع وتكون باستمرار خائفا من الحرس الاسلامي حيث يمكن ان يقبض عليك لأي سبب.... خصلة شعر ظاهرة من تحت اعجاب... اثار احمر شفاه... اي شيء.
لو كنت في مجتمع يمكن أن أعمل فيه وأعول نفسي مستقلة عن أي شخص آخر، لما أقدمت علي بيع جسدي، ربما كنت سأحتاج أن أكون مع احد، حينذاك كنت سأختار.. كان يمكن ان أعيش مع مشاعري كما أريد.... مع الفرح... ولكن في وضع كهذا، فإن الحكومة جعلت الرجال يشترون وجعلتنا نبيع.
كان مسلم يشعر بالذهول وخيبة الأمل لأن الشبكات الامريكية رفضت شراء الفيلم. لم يريدوا ان يزعزعوا نظام 'خاتمي'. مسلم نفسه هو ابن الثورة، ولولاها لما أصبح مخرجا سينمائيا. جاء من أسرة فقيرة جدا. والده مؤذن وكانت نشأته دينية متزمتة، وهو الان يكره الدين بشكل لايمكن وصفه، رفض ان يشارك في الحرب ضد العراق. قبض عليه وكانت تلك هي التجربة التي حولته:
كان ذلك عام 1978­1979 عندما اقمت كشكا صغيرا لبيع الصحف عند ناصية شارع مزدحم في 'سانجار'، كل اسبوع كنت أحضر كتب ومجلات الجماعات السياسية لأبيعها، بعد فترة اصبح المكان نقطة تجمع للشباب وللمهتمين الذين يجيئون لمناقشة الموقف السياسي.
ذات ليلة دهم الحرس الاسلامي الملقب بحزب الله الكشك واحرقوه، لمدة اسبوع كنت اقف بالكتب المحروقة امام الكشك المحروق كل يوم، بعد ذلك قبضوا علي ووضعوني في السجن. كانت تجربة صعبة ولكنها مفيدة، في السجن عرفت أنني وصلت الي مرحلة النضج الفكري.
أعرف أنني لن أتمكن من عمل الأفلام التي أريد بسبب نظم الرقابة، وأن السيناريو الذي سأكتبه لن يحصل علي موافقة مكتب الرقابة الإسلامية، وأن وقتي وطاقتي سوف يتبددان، فقررت ان أصنع ثمانية أفلام وثائقية سرا، صورت هذه المادة في الفترة ما بين 1994 و1998 وهربتها إلي خارج إيران، وبسبب المشاكل المالية لم أتمكن إلا من طبع اثنين منها. الأول 'لقطة طويلة عن قرب' والثاني 'شملو.. شاعر الحرية'. الفيلم الأول عن حياة حسين سابزيان الذي كان الشخصية الرئيسية في الدراما التسجيلية 'لقطة عن قرب' لكياروستامي، والثاني قصة شاب يحاول ان يقدم نفسه إلي إحدي الأسر باعتباره ماخمبالباف والذي يشبهه من الناحية الجسدية، تشتري الأسرة قصته وتحاول ان ترعي أحد أفلامه معتقدة أنه فعلا المخرج الشهير، ويعيش معهم أربعة أيام إلي أن يكتشف أمره ويلقي القبض عليه في النهاية. بعد فيلم كياروستامي بسنوات قليلة ذهبت لزيارة سابزيان. يحب السينما، اختلف مع زوجته وأولاده فتركوه وهو يعيش اليوم في قرية خارج طهران، وقد توصل إلي استنتاج وهو ان حبه للسينما لم ينتج عنه سوي البؤس. يقول في فيلمي: أمثالي يتحطمون في مجتمع كهذا الذي نعيش فيه، لايمكن أبدا أن نقدم أنفسنا، هناك نوعان من الموتي: 'ممددون علي الأرض وسائرون، نحن موتي سائرون'.

نستطيع أن نجد قصصا كهذه وربما اسوأ منها في كل دولة إسلامية. سأضيف شيئا آخر قبل أن أتوقف، هناك فارق كبير بين مسلمي الشتات، اولئك الذين هاجر آباؤهم إلي الغرب، واولئك الذين مازالوا في ديار الإسلام. الذين في ديار الإسلام أكثر انتقادا لأن الدين عامل حاسم في هويتهم حيث من المسلم به أنهم مسلمون. في اوروبا وأمريكا الأمر مختلف، هنا في ظل التعددية الثقافية الرسمية، تأكدت الفوارق علي حساب كل شيء آخر، صعودها مرتبط بانهيار السياسات الراديكالية، الثقافة والدين بدائل مخففة وأهون من عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، كما لو كان التنوع هو القضية المركزية اليوم:
كنت أقاوم واستمتع بشعوري بالقوة، الشعور بأنني كنت أنقذ حياتي من العالم الفاسد لرجال الدين، وأن سجني كان ثمنا أدفعه لذلك. كنت فخورا! بعد عام في السجن قالوا إنهم سيطلقون سراحي بشرط ان أوقع تعهدا بأداء صلاة الجمعة والمشاركة في الأنشطة الدينية. رفضت التوقيع، تركوني في السجن عاما آخر. عندما أفرجوا عني كان مكان مولدي يبدو صغيرا جدا بالنسبة لي، كنت أختنق هناك فجئت إلي طهران. كنت أعمل بالنهار وأذهب الي الجامعة الحرة في المساء. في أوائل الثمانينيات لم أكن مهتما بالسينما، كانت أفكاري وكدي اليومي لاتترك وقت لدي بهذا الفن أو أن يكون لدي خطة علي المدي الطويل.
بقيت علي اعتقادي بأنني لن أتأقلم مع الوضع في ايران، كان الجو الاجتماعي والسياسي كله مزعجا علي نحو خطر.
بعد انتهاء الحرب (1989) اصدرت الحكومة قانونا يتطلب أن يقوم الناس بتغيير شهادات ميلادهم القديمة بشهادات جديدة. عرفت أنني لو ذهبت لاستبدال شهادة ميلادي سيكون علي أن أتخلي عن وثائقي المزيفة وسوف يتضح أنني متهرب من التجنيد ومن المشاركة في الحرب. من ناحية اخري فإن تكاليف الدراسة الجامعية باهظة، فقررت أن أذهب لأداء الخدمة العسكرية. بعد رجوعي بحثت عن عمل، وبالمصادفة وجدت مجلة سينمائية تبحث عن مراسل، وحدث أن حصلت علي الوظيفة. ورغم أنني كنت أحاول أن تكون مقابلاتي مع مخرجين وشخصيات أدبية غير حكومية، إلا أنني كنت أعرف جيدا أن كتابة أي شيء حتي ولو كان نقدا للحكومة. سوف يكون النظام مستفيدا منه وسوف يدعي أنه يسمح بالنقد وأنه نظام ديمقراطي. كانت السينما تحت سيطرة الدولة تماما، كما كان السينمائيون مقيدين بحدود النظام.
ولو أنني أجريت مقابلات مع مخرجين مثل ميهرجوي أو ماخمبالباف أو كياروستامي فسوف يكون ذلك مفيدا في النهاية بالنسبة للنظام، فقلت لنفسي إنني يمكن أن أترك النظام يستفيد مني مؤقتا، كنت أعتقد أن عملي في الإعلام يمكن أن يكون بمثابة غطاء لمشروعاتي الخاصة وهي توثيق الجرائم الرهيبة للنظام السياسي نفسه، كنت في المجتمع الأمريكي أو الاوروبي.

لقد تحدثت مع مسلمين من المغرب (فرنسا) والأناضول (ألمانيا) وباكستان وبنجلاديش (بريطانيا) ومن كل مكان (الولايات المتحدة) وأشخاص متفرقين من جنوب آسيا في اسكندنافيا، وكنت اسأل نفسي دائما لماذا هناك كثيرون جدا مثلك؟ لقد أصبحوا أكثر تشددا وجمودا من فلاحي كشمير والبنجاب الغلاظ والذين أعرفهم جيدا. الرئيس الامريكي ينهي كل خطاب له بعبارة 'وليحفظ الله امريكا'، اسامة بن لادن ينهي كل حوار تليفزيوني معه بحمد الله، لهم الحق في ذلك كما هو من حقي أن أظل ملتزما بمعظم قيم التنوير. التنوير هاجم الدين­ المسيحي اساسا­ لسببين، لانه كان مجموعة من الأوهام الأيديولوجية ونظاما للقمع المؤسسي مع سلطات واسعة للاضطهاد واللاتسامح. لماذا يجب إذن أن أمتنع عن نقد الدين؟ لماذا ينبغي أن نتجنب هذين التراثين اليوم؟ ومن ذا الذي يمكن أن يتصور أن الأديان قد أصبحت أقل وهما منذ أيام 'هولباخ' أو 'جيبون'؟ لم أكن ابدا في حياتي محبا للنسبية أو للمحاجة الخاصة، ما أود أن أعرفه هو لماذا لايوجد اسم مسلم واحد عندما يعلن عن جائزة نوبل للفيزياء أو الكيمياء كل عام، هل الذكاء والموهبة والإلهام لا وجود لها في جينات المسلم؟ إنها لم تكن غائبة أبدا في الماضي! ما الذي يفسر هذا التخشب الموتي؟

شر البلية مايضحك! هل تعلم أن المسلم الوحيد الذي حصل علي جائزة نوبل في الفيزياء كان شخصا أعرفه؟ إنه مواطن باكستاني، البروفيسور عبدالسلام. من أسف أنه كان من طائفة أو نحلة الأحمدية غير المعترف بهم كمسلمين عندما حصل علي الجائزة. بعد ذلك بسنوات قليلة أبلغوه، بشكل قانوني، أنه ليس كذلك، وكان قد اعتاد أن يمزح، مع مسحة من الأسي، قائلا انه بالرغم من عدم اعتباره مسلما في باكستان، إلا أنه مايزال كذلك في الهند وأوروبا وشرق أفريقيا.
لا أريدك أن تسيء فهمي، مقتي للدين ليس مقصورا علي الإسلام فقط، ولا أنني أتجاهل، كما يصور هذا الكتاب، الدور الذي لعبته الأيديولوجيات الدينية في الماضي لكي تدفع العالم إلي الأمام. لقد كانت الصدامات الدينية بين تفسيرين خصمين في المسيحية­ الإصلاح البروتستانتي ضد الحركة الكاثوليكية المعارضة للإصلاح­ وهي التي أدت إلي الانفجارات البركانية في أوروبا، وهنا كان جدل فكري حاد مشحون بالعواطف والمشاعر اللاهوتية أدي إلي حرب أهلية تبعتها ثورة. هبة القرن السادس عشر ضد الاحتلال الإسباني فجرها هجوم علي صور مقدسة باسم سلامة القعيدة.
إدخال كتاب صلوات جديد في اسكتلنده كان أحد أسباب الثورة البيوريتانية في انجلترا في القرن السابع عشر، رفض السماح بالمذهب الكاثوليكي كان هو الشرارة التي فجرت المذهب الذي جاء بعده في 1866، التخمر الثقافي لم يتوقف، وبعد قرن كانت أفكار التنوير هي التي تذكي نار أفران فرنسا الثورية. كنيسة انجلترا والفاتيكان متحدثان الآن ضد الخطر الجديد ولكن أفكار السلطة الشعبية والجمهوريات كانت أقوي من أن يتم محوها بسهولة.
استطيع أن أسمع سؤالك: وما علاقة ذلك كله بنا؟
العلاقة كبيرة ياصديقي، أوروبا الغربية كانت مشتعلة بالمشاعر اللاهوتية التي يتم تجاوزها الآن، كانت الحداثة تلوح في الأفق، كانت تلك هي الدينمية التي لم تستطع ثقافة ولا اقتصاد الامبراطورية العثمانية ان يحاكيها. الانقسام السني الشيعي جاء سريعا وتجمد في خصومات مذهبية، كان الخروج عن الاسلام محظورا، وكان السلطان محاطا برجال الدين التابعين له­ يحكم دولة امبراطورية تذوي وتحتضر. واذا كان الحال هكذا في القرن الثامن عشر فإنه أكثر وضوحا اليوم، ربما كانت الطريقة الوحيدة ليكتشف المسلمون بها ذلك هي تجاربهم... مثل ايران.
ان صحوة أو صعود الدين يمكن تفسيرها جزئيا بغيبة أي بديل آخر للنظام العالمي أو الليبرالية الجديدة. هنا سوف تكتشف أنه طالما واصلت الحكومات المتأسلمة فتح دولها للاختراق، فسوف يسمح للعولمة بعمل ما تريد في المجال الاجتماعي والسياسي. لقد استخدمت الامبراطورية الأمريكية الاسلام قبل ذلك وبوسعها ان تفعل مرة اخري، وهنا يكمن التحدي. نحن في حاجة ماسة إلي إصلاح إسلامي يكنس نزعة المحافظة والتخلف والأصولية المخبولة، وفوق ذلك كله تفتح عالم الإسلام لأفكار جديدة تكون أكثر تقدما مما يعرضه الغرب وهذا يتطلب فصلا صارما بين الدولة والمسجد وإزالة الإكليروس وتأكيد مثقفي المسلمين علي حقهم في تفسير وتأويل النصوص التي هي ملكية عامة للثقافة الإسلامية ككل، وعلي حرية التفكير والعقلانية وحرية الخيال.
إن لم نتحرك في هذا الاتجاه فسيكون محكوما علينا بأن نعيش المعارك القديمة مرة اخري وألا نفكر بمستقبل أكثر ثراء وإنسانية. وإنما كيف نتحرك من الحاضر إلي الماضي، وهذه رؤية غير مقبولة.
لقد تركت العنان لقلمي، وعبرت كثيرا عن أفكاري، وظني أنني لن أتغير، أتمني أن تتغير أنت!

ترجمة لفصل من كتاب :
'صدام الأصوليات


مدن بكاملها تباع وتشتري



ليلة باردة من ليالي فبراير .1982 كانت 'درسدن' غارقة في المطر عندما ذهب 'فلادي' وزوجته 'هيلجا' لزيارة أمها المريضة. بعد اسبوع قاما فيه برعاية الأم التي كانت تعاني من سكتة دماغية حادة، ومساعدة الأب الذي يبلغ الثمانين من عمره، أصر 'فلادي' علي قبول دعوة للعشاء. تجمع أكثر من اثني عشر منشقا في الشقة الصغيرة يتبادلون الأحاديث عن تجاربهم وعن الموقف السياسي واستهلكوا كمية كبيرة من البيرة.
وفي طريق العودة، لمح 'فلادي' رجلا فيتناميا أنيقا يتأبط ذراع امرأة ألمانية.. شابة وجميلة. لم تكن 'هيلجا' تعرف إن كان طالبا أو عاملا بأحد المصانع المحلية، وفجأة.. ظهر من المجهول ثلاثة أو أربعة أشخاص وأحاطوا بالفيتنامي والألمانية. طرحوا 'ساو' أرضا. وبينما كان أحد المعتدين يمسك بالسيدة، انهالت علي 'ساو' ثلاثة أزواج من الأحذية! جثم رجلان علي صدره، بينما نزع الثالث بنطلون 'ساو' عنه وهو يلوح بسكين!
في البداية، لم يرفع 'ساو' ولا صديقته ولا أحد من المهاجمين الثلاثة صوته، أما 'فلادي' و'هيلجا' فقد تجمدا في مكانهما وكأنما قد أصابهما الشلل أمام ذلك المشهد الصامت الذي كان يبدو من علي البعد وكأنه عرض خرافي من عروض خيال الظل. بعدها، راحت السيدة تصرخ طالبة النجدة، واندفع 'فلادي' و'هيلجا' في الشارع يصرخان ويطلبان الشرطة. المهاجمون لاذوا بالفرار. ساعد 'فلادي' في رفع 'ساو' من الأرض بينما كان أنفه ينزف. فكت 'هيلجا' وشاحها واستخدمته لايقاف النزيف وكانت السيدة الألمانية تنتحب.
'هل أنت بخير؟'.
'خصيتاي ما تزالان هناك!'، قال 'ساو' وهو يحاول أن يبتسم بضعف. 'أما بالنسبة للباقي.. فهو كما تر.. شكرا لك'.
سألته هيلجا 'من أولئك الناس؟'.
تكلمت صديقة 'ساو' لأول مرة: شبان شيوعيون، ثم همست 'ظل أحدهم يطاردني لعدة شهور وعندما اكتشف انني ألتقي 'ساو' هدد بقتله'.
رد 'فلادي' بقدر من الغرور: 'أتمني أن تقول ذلك للشرطة.. هل تعرف اسمه؟'.
ضحك 'ساو'. 'الشاب الذي حاول اخصائي؟، طبعا أعرفه. ولكن هل تعلم أن والده هو رئيس الحزب في هذه المدينة؟ إن تقدمت بشكوي سأكون أنا الضحية.. سيقومون بترحيلي!'.
'كيف يمكن أن تكون هادئا هكذا؟'.
'لست هادئا بالمرة! '، قال وهو يحاول أن يكظم غيظه!.. 'أنا غاضب جدا.. وأشعر بالمرارة.. وأفكر في الانتقام، ولكنني بلا حول ولا قوة في جمهوريتكم الديمقراطية جدا.. لو فقدت السيطرة علي نفسي.. فلسوف أختفي من علي وجه الأرض في غضون أسابيع قليلة'.
'فلادي' الحائر.. ألمح الي أنه لا يستطيع أن يتبع المنطق الفيتنامي، كان 'ساو' يبتسم من خلال النزيف.
'أنا جندي مدرب.. مقاتل.. تعلمت أن أقتل عدوي في هدوء. كان بإمكاني أن أكسر رقابهم لو لم تصلا الي هنا. وبعد ذلك كان ال 'ستاسي'


سيقوم بتدبير حادث في مصنعي. أمر ثقيل سيحل بي. حادث صغير يروح ضحيته عامل 'أجنبي' آخر. وهكذا تري يا صديقي أنك قد أنقذت رجولتي وحياتي أيضا. والآن، أرجوك، نريد أن نعود الي البيت هي الي شقة أمها، وأنا الي النزل الذي أقيم به'.
'هيلجا' أصرت علي أن تأخذ 'ساو' معها الي منزلها، وهناك ضمدت جراحه التي كان معظمها بسيطا، وتغلبت علي تردده أن يتطفل عليهم مرة أخري. أخذ حماما، وبعد وجبة أعدت علي عجل أوصله 'فلادي' بسيارته الي النزل الفيتنامي، وهو بناء يشبه السجن كان علي أطراف المدينة. اتفقا علي اللقاء في اليوم التالي. هكذا ولدت الصداقة بينهما.
بعد عام من حادث 'درسدن' اختفي 'ساو'. لا أحد يعرف أين ذهب! وذات يوم وصل خطاب من 'موسكو'. كان 'ساو' يريد أن يبلغ فلادي و'هيلجا' أنه قد استقر هناك وأنه كان سعيدا. كان لديه أقارب وأصدقاء ورفاق منذ الحرب الفيتنامية في جميع أنحاء الاتحاد السوفيتي. كان علي صلة مستمرة بهم جميعا وكان كثير الأسفار. ويتمني أن يكون 'فلادي' و'هيلجا' و'كارل' الصغير بخير. وسوف يراهم قريبا. كان ذلك هو كل ما جاء في خطابه.
وعلي امتداد السنوات التالية لذلك، كانا يتلقيان منه البطاقات البريدية العارضة، وأحيانا كان يحضر زائر ما من 'موسكو' يحمل هدية من 'ساو'.. وكانت دائما علبة 'كافيار' كبيرة لا تحمل أية علامة تجارية مع رسالة قصيرة من صديقهما تخبرهما بأن ذلك من الكافيار الخاص بالمكتب السياسي. وبعد تذوقه.. يدرك 'فلادي' و'هيلجا' أنه لم يكن يمزح. وكثيرا ما كانا يتكلمان عنه ويتساءلان ماذا يمكن أن يكون نشاطه وماذا يفعل في 'موسكو'!
'فلادي' يتذكر الآن مناقشاته الكثيرة مع 'ساو'. وبعد فترة بدأ يتجاهل خيالات صديقه التي لا تنتهي والتي كانت تدور كلها حول المال. كان الرجلان مختلفين تماما. وتناقضهما كان يعكس أحوالهما وأصولهما.
كان 'فلادي مايور' قد رضع المثالية الألمانية، ورغم ادمانه لجوانب كثيرة من الفكر الماركسي، إلا أنه كان رومانسيا معذبا في الأعماق منه. هو مثل حي، إن لم يكن محاكاة ساخرة لوجود كلمات ألمانية مثل: 'فلتشميرتس'(1) و'أنجست'(2) و'تسايت جست'(3) في الانجليزية التي هي لغة عالمية. كان في شبابه شيوعيا، وكاد أن يموت في الحرب. وعندما يري ما يحدث الآن يضيق صدره بالتجريدات! ينحدر من أسرة فلاحية متوسطة. حارب والده في الجيش الفرنسي. ولفترة طويلة كانت لديه ذكريات باهتة عن أصوله، ولكنه في ظروف الحرمان والبؤس التي خلفتها الحرب، كان يتذكر أمه وأخواله وكيف أن أفعال مثل: يشتري، يبني، يستبدل، يبيع.. مهمة في حياتهم اليومية.
ومع تزايد شعوره بالغربة والابتعاد عن الدولة التي حارب من أجلها، كان 'ساو' يرحل في الزمن، أماما وخلفا، بشكل دائم. والآن تروق له مزايا الاقتصاد الزراعي القديم والعلاقات الأسرية في الريف قبل تحضر المجتمعات.
هي أشياء لا يمكن استعادتها ولكن الذكريات مهمة لكي تعينه علي اعادة تشكيل مكانته الاجتماعية الخاصة. لم يكن يريد أن يقضي علي الصدمات التي جاء بها النظام العالمي الجديد.
وبينما كان 'فلادي' مقتنعا بأن الحقائق الجديدة أمور دخيلة ومقحمة بشكل مؤسف، كان 'ساو' كله اصرار علي الافادة منها. وكان ذلك الجانب في شخصية صديق الأسرة، هو الذي يروق ل'كارل' الصغير أكثر من غيره.
كان 'فلادي' معادلا مفيدا. تبادلهما المنتظم للأفكار ووجهات النظر، وضع أساسا لصداقة أصبحت مثمرة لكليهما.
مرت عشر سنوات. وفي أحد أيام عام 1992 ظهر 'ساو' فجأة ليدق باب شقة 'فلادي'. في البداية لم تتعرف عليه 'هيلجا'، ثم صرخت فرحة وهي تنادي 'فلادي' و'كارل'. كانت مفاجأة لثلاثتهم. العامل الأجير سابقا ها هو الآن في بدلة أنيقة كاملة، علي رأسه قبعة سوداء من الحرير.. غير مستقرة...! ومحملا بالهدايا. كان يشبه صورة من الخمسينيات للامبراطور الفيتنامي المطرود 'باو داي' في منفاه الباريسي. كان اللقاء بعد زمن ممتعا ومرحا. صمم علي أن يأخذهم جميعا الي جزيرة قريبة من ساحل البلطيق، منتجع علي البحر كان مقصورا ذات يوم علي كبار رجال الحزب.
'ساو' الذي سبق له أن أمضي أوقاتا طويلة في الكازينو في 'باريس'، كان يتوقع أن تكون هناك بعض وسائل الترفيه ولكنه لم يجد. خيبة الأمل التي ظهرت عليه أدهشت 'هيلجا'، إلا أنه كان اسبوعا للاسترخاء علي أية حال. لم يدرك 'فلادي' و'هيلجا' كيف أرهقهما النشاط السياسي المكثف والمتواصل علي مدي الشهور الستة الأخيرة. اجتماعات، مسيرات في الشوارع، مناقشات طوال الليل.. كل ذلك سرق حياتهما. كان 'كارل' الصغير مهملا بالفعل. وها هم الآن 'بفضل ساو' معا مرة أخري. مواطنو ألمانيا الديمقراطية البؤساء كانوا مثل الأيتام.. مصابين بالاضطراب العصبي تقريبا، ولكن قلة منهم هي التي كانت تدرك ذلك في الأسابيع العنيفة التي سبقت اعادة التوحيد، وكان 'فلادي' واحدا من تلك القلة. كان يجد لشكوكه متنفسا في التليفزيون والصحافة. في تلك الأيام، كان اللصوص الصغار الذين يحاكون اللصوص الكبار قد اعتادوا علي الرد بأسلوب ودي ولكنه متفضل. 'أنت وأصدقاؤك يا بروفيسور 'مايور' تنتمون الي العالم القديم، نعرف أنكم ستظلون اشتراكيين بالقلب، ولا نعتبر ذلك ممسكا ضدكم. نحن مستعدون لأن نغفر وننسي! وأنت مازال بإمكانك أن تقدم خدمات للديمقراطية. تعال معنا! ولنبن ألمانيا الجديدة معا!'.
كان 'ساو' يعلم أن أفكار فلادي في مكان آخر. وكان 'فلادي' يبدي اهتماما مهذبا بقصة تحول صديقه من عامل أجير الي صاحب أملاك. 'فلادي' و'هيلجا' بدآ يشعران بالذنب بعد أيام قليلة تحت أشعة الشمس.
وفي الليل، كان 'ساو' يسمعهما يتهامسان، هو لا يسمع جيدا ما يقولان ولكن بعض الكلمات والعبارات توحي بأنهما مهمومان بمستقبل هذا البلد.
أما 'كارل' الصغير فكان يتابع كل تفاصيل القصة. كيف استغل 'ساو' خطوات التاريخ المتسارعة لكي يغير مجري حياته. وكان الجزء الأكثر اثارة في نظره هو كيف صنع رجل الأعمال الفيتنامي المغامر المليون الأول! كان متباعدا عن والديه ونشاطهما الأخير.
المظاهرات الكبري في 'برلين' و'درسدن' لم تحرك الشاب. وبطبيعته، كان انسانا يفضل قاعدة اللجنة عن الشارع. كان 'التعبير عن العواطف علنا يشعره بالحرج. مشاعر الجماهير تخفيه. وكان 'فلادي' و'هيلجا' لا يملكان سوي نظرات اليأس والاستسلام يتبادلانها وهما يرقبان نمو ذلك الشبل الصغير.
ملحمة 'ساو' أدهشت 'كارل' وكأن 'ساو' قد سحره. كان ينصت باهتمام. تلمع عيناه ويقاطع الراوي من أجل التفاصيل.
كان اهتمام 'كارل' هو الذي أزعج والديه وأجبرهما أيضا علي الاهتمام الشديد بالحكايات التي يرويها صديقهما الفيتنامي، وكان ذلك علي غير رغبة منهما فقد كان كل ما يودان التفكير فيه هو الوضع غير المستقر للمكتب السياسي في 'برلين'.
'ساو' فر الي موسكو. وكان يقول إنها مقارنة ب 'درسدن' و'برلين' ... جنة كوزموبوليتانية. أقام من فوره علاقات بمجتمع الفيتناميين هناك، ووجد سريرا في شقة مكونة من غرفتين تشارك فيها مع خمسة آخرين. كان اثنان منهما كثيري الأسفار، ومن بين الآخرين كان هناك شخص قدم من قرية قريبة. سأله 'ساو' عن عمه في 'كييف'، والذي لم يكن قد رآه منذ سنوات طويلة. لم يكن لديهم معرفة به. عندما سألهما 'ساو' إن كان بالامكان أن يحملا رسالة منه في رحلتهما التالية الي 'أوكرانيا'، ضحكا وأخذا 'ساو' معهما بدلا من ذلك. لم تمثل وثائق السفر ولا النقود أية مشكلة. اتضح بسرعة أن المسافرين كانا رجال أعمال مزيفين متورطين في جمع الثروة بطريقة بدائية. كانا يريدان سوقا سوداء للجماعات الفيتنامية في أنحاء الاتحاد السوفيتي آخذة في الاتساع. وكانت شبكة التوزيع الخاصة بهما ذات كفاءة ويمكن الاعتماد عليها.
كان 'ساو' مذهولا من جحم العملية وأن تكون العملة الوحيدة التي يستخدمانها هي الدولار أو المارك الألماني. وهو في القطار الي 'كييف' كان يفكر في بلده الأصلي. بعد سقوط 'سايجون' في 1975 وجد القادة في 'هانوي' أنفسهم علي رأس بلد خراب. كانت الحرب الكيماوية قد دمرت البيئة تدميرا هائلا، والمدن التي قصفتها القنابل في حاجة الي اعادة بناء، والأيتام في حاجة الي ملاجيء، والجنود المسرحون يبحثون عن عمل، والعمالة الزائدة لابد أن تباع للاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية في مقابل معدات وسلع ضرورية.
الولايات المتحدة وعدت بالاصلاح ولكنها نكثت بكل الوعود وفرضت حظرا اقتصاديا بدلا من ذلك. كان 'ساو' يعرف أن بلاده تعاقب. تجرأوا علي المقاومة والانتصار، والآن عليهم أن يدفعوا ثمن انتصارهم العظيم علي أقوي دولة في العالم!
كانت سنوات الحرب ملأي بالتوتر والغضب والخوف.. أثارت فيهم أيضا فكرة الانتصار ذات يوم، وإعادة توحيد فيتنام. كل ذلك مضي! لم يحقق السلام سوي الفتات لعامة الناس. 'ساو' يشعر بالمرارة. حارب بعنف. كان يعرف أن الجنة مجرد حلم ولكن المؤكد أنه كان يتصور أن يحمل المستقبل القريب بعض السلوي!
الأمل، النضال، الأمل، الخيانة، الأمل، الثأر، الأمل، الانهيار.. لا أمل! قال ذلك كله في اجتماع حزبي في 'هانوي'.. رؤوس كثيرة.. كثيرة جدا أومأت في صمت موافقة.
بعد ثلاثة أسابيع أرسلوه الي جبهة جديدة.. جمهورية ألمانيا الديمقراطية.. بلد تحت مسمي خطأ يحكمه بيروقراطيون مضللون. يا لها من حياة!
'ساو' يشعر أنه وصل الي مفترق طرق. كان يسير علي أرض متحركة. حياته قد تتخذ عدة مسالك. نظر الي أبناء وطنه، كلهم مشغول بما يمكن أن يبيع ويشتري في 'كييف'.. وقرر أن ينضم اليهم.
كان يشعر أن الشبكة لابد أن تمتد الي كل مدينة رئيسية في الاتحاد السوفيتي، وأن عليهم أن يطوروا علاقاتهم بالعمال الفيتناميين في أوروبا الشرقية.
كان 'ساو' يضحك و هو يقول 'لابد أن يتم تداول السلع. ومن أفضل منا ليقوم بذلك؟ لقد حكمنا الصينيون عدة قرون. ثم جاء الفرنسيون. ثم الروس. والآن فكرنا.. دعنا نعمل من أجل نظام اقتصادي'.
'ساو' وأصدقاؤه جربوا واختبروا شبكة من الوسطاء منتشرة في أرجاء الدولة. تجمعت الأموال وأصبحت جبلا. مع بداية الانهيار أصبحوا يصرون علي أن يقبضوا بالدولار أو المارك الألماني. وكانوا يسربون جزءا من الأموال الي 'فيتنام' وكثير من الدراجات البخارية وأجهزة الفيديو والتليفزيون الموجودة في 'هانوي' كانت من نتاج ذلك النشاط. مرت 'هانوي' فعلا بانتعاشة صغيرة عندما بدأت تلحق بمدينة 'هوشي منه' التي كانت لا تزال 'سايجون'.
ويواصل ساو حكايته.. 'في الأيام الأولي كنا نتقاسم الأرباح مع رجال الحزب، صغارهم وكبارهم، بدءا من المسئولين في الخلايا الصغيرة وانتهاء بأعضاء اللجنة المركزية. بعد ذلك قرروا أن يغيروا الأسلوب. أصابنا الذعر.. هل تكون تلك نهايتنا؟ كنا أسماكا صغيرة في بحيرة متوسطة. والآن سنصبح مثل الأسماك الأوروبية الصغيرة في بحر.
القرش سوف يستولي علي كل شيء. كم كنا مخطئين يا أصدقائي. كم كنا مخطئين!'.
توقف هنا وضحك وكان في ضحكته ما هو أكثر من الهيستريا! 'وما المضحك في ذلك يا عم 'ساو'؟' سأله 'كارل' بصوت مرتبك. 'المضحك هو اننا الوحيدون الذين يمكنهم استغلال هذا الانهيار. لا أحد كان يمكن أن يتخيل أن الاتحاد السوفيتي سوف يتفسخ بهذه السرعة..! ولكنه حدث.
حدث! كان 'يلتسن' في عجلة من أمره لكي يغرق 'جورباتشوف'، ولو كان عليه أن يغرق الاتحاد السوفيتي القديم أولا لفعل. وقد فعل! المافيا الروسية أخذت علي حين غرة. علي أية حال.. لم تكن علاقاتها ولا اتصالاتها واسعة، ولا ذات كفاءة مثلنا. كانوا يعتمدون كثيرا علي ارتباطهم بمسئولي الحزب.
أصيب النظام القديم بالشلل. انهار التوزيع. هرعنا نحن الفيتناميين للانقاذ.. ولكن كل شيء بثمن. مثلما جاءوا لانقاذنا أثناء الحرب. كل شيء له ثمن. نظمنا تسلسلا قياديا.
كنا ننقل السلع. طورنا نظام النقل الخاص بنا. من هذه الثغرة تسللنا يا عزيزي 'كارل'. الآن عمك 'ساو' لديه شقة في 'باريس' وزوجة فرنسية. وأستطيع أن أسافر الي أي مكان. ولكن 'فلادي' و'هيلجا' هما أفضل أصدقائي. أصدقاء حقيقيون. ليس لهما مثيل في أي مكان آخر. تذكر ذلك دائما يا 'كارل'.. اتفقنا؟'.
ثم اختفي مرة أخري!
قبل اسبوع تقريبا اتصل ب'فلادي' تليفونيا لكي يخبره بأنه سوف يحضر قريبا الي 'برلين' في مهمة ضرورية. اتفقا علي موعد للعشاء. كان 'فلادي' في الطريق اليه. 'نجوين فان ساو'.. الفيتنامي ابن الفلاحين.. كان مغمورا في حوض استحمام مليء بالرغوة في جناح مترف بالطابق الثالث من فندق 'كمبينسكي'. ولكن حالته النفسية كانت سيئة.
كان يوما منحوسا. الرحلة من 'لندن' تأخرت. موظفو الجوازات في 'برلين' فحصوا جواز سفره باهتمام شديد. أما خيبة الأمل الكبري فكانت فشله في أول النهار في الحصول علي عازل طبي من القرن السابع عشر، مصنوع من الحرير، ومطرز، كان لويس الرابع عشر قد استخدمه، وإن كان الكتالوج المصاحب لم يوضح درجة نجاح استخدامه.. هل نجح في منع مرض الزهري الذي كان يمكن أن يصرع الملك الشمس؟
كان 'ساو' يريد أن يحصل علي ذلك الشيء ليقدمه هدية لوالده في عيد ميلاده السبعين، ولكنه خسر في المزاد العلني الذي أقيم في قاعدة 'سوذبي'، وفاز به رجل شيشاني، كان يرتدي سترة من الفراء، ربما كان يعمل لحساب تاجر أكبر في 'موسكو' أو 'برلين'. كان 'ساو' مشغول البال وهو خارج من الحمام ويلف نفسه في 'روب' وثير.
.. علي الأقل.. فإنني قد أجبرت ذلك الوغد أن يدفع خمسين ألف دولار لمجرد الاستمتاع بملمس حرير الملك. وبما أن دولارت كثيرة تطبع في روسيا هذه الأيام.. أكثر بكثير مما يطبع في أمريكا فإن 'ساو' كان يتمني أن تكون 'سوذبي' قد حصلت علي دولارات مزيفة!
'ساو' كان يشعر بأنه غريب وبعيد عن العالم الذي أصبح ناجحا فيه.
وبقيت المشكلة. ماذا يشتري لوالده؟ في السنوات السابقة كان يرسل للرجل العجوز قمصانا حريرية وأحذية مصنوعة يدويا، وعباءات فيتنامية أثرية وصناديق كونياك.. وأشياء أخري كثيرة.. كان معظم تلك الهدايا ينتهي به الأمر في السوق السوداء في 'هانوي'. وهذا العام عبر والده لأول مرة عن رغبة خاصة. كان قد قرأ في مجلة ما أن العازل الطبي الخاص بالملك 'لويس الرابع عشر' معروض للبيع. ولسبب غامض وعميق ومجهول بالنسبة ل'ساو'، كانت تلك أول مرة يطلب منه والده شيئا ويفشل في أن يحققه له. كان يحب والده. والد 'ساو' حارب في 'ديان بيان فو' في سنة 1954، وهي مدينة صغيرة في فيتنام الشمالية احتلها الفرنسيون وكانوا يتصورونها منيعة. والد 'ساو' حارب في صفوف الفرنسيين رغم أن تلك الحقيقة قد نسيت تماما ولم يعد يذكرها أحد.
أما تاريخ الأسرة فيزعم أنه كان دائما عميلا شيوعيا.. ولم يكن ذلك صحيحا.
لم يكن سوي خادم يرتدي بزة نظامية ويلقي معاملة طيبة من كولونيل فرنسي ارستقراطي يمتلك مزرعة كبيرة بالقرب من 'نيم'. الملابس المستعملة، والأحذية المستغني عنها، وبقايا الكونياك، والبقشيش السخي، والكلمات الطبية من وقت لآخر، كل ذلك كان يجعل الجندي الفيتنامي الصغير سعيدا. ،وذلك كله لأن الفيتنامي الحلاق الماهر، كان يحلق ذقن سيده كل صباح بعناية شديدة.
أما الكولونيل فقد كان سعيدا به أيضا، لدرجة أنه طلب أن يأخذه معه الي فرنسا. ولابد أن يكون الأمر هكذا إن لم يتضح أن التاريخ غريب جدا.. ذات صباح في عام 1954 استيقظ 'ساو' في مدينة 'ديان بيان فو' المحاصرة، وأدرك رغم أنه لم يكن عسكريا متمرسا، أن المستحيل كان علي وشك أن يحدث. كان الجانب الذي يعمل لديه علي وشك الانهيار. كان الجنرال 'فونجوين جياب' قائد جيش المقاومة الفيتنامية جنرال الشجيرات الكثيفة كما كان يدعوه الفرنسيون كان قاب قوسين أو أدني من انتصار كبير. وكانت القوات الرئيسية للجيش الفرنسي أمام خيارين.. إما الاستسلام الذليل أو الفناء!
وحدث تحرر من الوهم. فر والد 'ساو' الي الجانب المنتصر. لم يكن الوحيد. وبعد يومين استسلم الجيش الفرنسي. وانتهت حرب فيتنام الثانية.
كان 'ساو' العجوز علي ثقة من أن سيده السابق يفضل الموت علي الاستسلام. ورغم التحول المتأخر،.. اتضح أنها كانت خطوة ماكرة.. سياسيا وعاطفيا. هزم الفرنسيون، وانسحبوا من شبه الجزيرة الفيتنامية بلا عودة. أما الكولونيل فأكد إحساس خادمه الفطري وأطلق النار علي رأسه ليقتل نفسه.


صفحات من رواية طارق علي 'الخوف من المرايا' والعنوان المنشور هنا من وضع المترجم
'ستاسي' جهاز الاستخبارات في ألمانيا الديمقراطية ­ 'stasi'
1 الألم الكوني
2 قلق
3 روح العصر

روايات طارق علي مرايا التاريخ

العلاقة بين تغيير الوعي والنشاط السياسي، هو ما يشغل طارق عليٌ، وقد تناوله في كتاباته وإنتاجه الإبداعي، من رواية، وفيلم، وبرامج تلفزيونية. توجه طارق عليٌ نحو الكتابة الروائية في أواخر الثمانينات، بدافع تجاوز الركود الذي انتاب الأوضاع السياسية آنذاك، وهي أوضاع كان لها أثرها السلبي علي البلدان الإسلامية ­التي ينتمي إليها بفعل المولد، والتنشئة الأولي ­ البلدان القابعة تحت الاستبداد المحلي ­ من جهة ­ والهيمنة الغربية ­ من جهة أخري.
دفعته تلك الأوضاع إلي الرجوع إلي تاريخ الأندلس في محاولة منه لاستبيان أسباب انهيار الحضارة الأندلسية، والتردي الذي أصاب الحضارة الإسلامية بعامة، وعجزها عن الإصلاح بتأسيس مشروع نهضة. أثمرت رحلة طارق عليٌ إلي الأندلس ­ رحلته الفعلية والفكرية عن رواية ظلال شجرة الرمان1، (1992)، فقد رأي في كتابتها ضرورة تحتمها معايشته حاضر الأندلس وماضيه الذي استحضره أثناء تجواله بأسبانيا، وتعجز محض كتابة تاريخية تمثيل ذلك الماضي الحاضر بكفاءة. وقد نالت الرواية جائزة رئيس الأساقفة سان كليمنت من معهد روزاليا دي كاسترو بأسبانيا. في كتابة تاريخ الأندلس، أو الصدام واللقاء الإسلامي المسيحي بعامة، جري العرف قراءة هذا التاريخ قراءة كولونيالية تختزله في قصص عادة ما تنسب النصر للجماعة التي ينتمي إليها المؤرخ، ومن ثم تتجاهل التفاعل الذي تم بين الأطراف المشتبكة في الصراع. وفي مواجهة ذلك المنظور الأحادي قارب طارق عليٌ إشكالية الأندلس من منظور ما بعد كولونيالي ­ لا لمجرد انتماءه إلي العالم الذي ظل مستعمرا حقب من الزمن (ومازال يخضع لشتي صنوف الكولونيالية)، بل بوصفه مواطنا عالميا ربما اكتسب جنسية غربية ولكنه واع بالمصير العالمي المشترك. يتجلي لنا هذا المصير في رواية ظلال شجرة الرمان التي تتابع أحوال المجتمع الأندلسي عام 1499م، بعد سقوط غرناطة في أيدي الجيوش الإسبانية.
ويسلط الضوء علي وقائع حياة أسرة عمر، أحد أحفاد فريد الهديل مؤسس القرية التي تحمل اسمه. وأسرة آل هديل تمتزج دمائها بالأعراق والديانات كافة والطبقات التي تعيش في الأندلس. فابن فريد، جد عمر، تزوج من خادمة مسيحية، اعتنق ابنه منها المسيحية فيما بعد. كما عاشر ابن فريد يهودية وخلف منها ولدان: ابن حسد الذي يعمل بستانيا لدي أسرة عمر، وخيمينيث الذي شغل مركز رئيس الأساقفة، بعد انضمامه إلي الجيوش الأسبانية المنتصرة. كما ينتسب إلي ابن فريد، ابن زيدون ­ معلم العائلة ­ التي كانت أمه تعمل خادمة لدي آل هديل. تمثل أسرة آل هديل جماعة متجانسة علي الرغم من تغاير خواصها، تتعايش في سلام، جاء تفككها نتيجة سياسات القوي التنافسية المتصاعدة في أسبانيا آنذاك، والتي استولت علي مقاليد الحكم في الأندلس.
وأسرة عمر بن فريد تمثل إحدي الأسر العربية الصامدة التي قاومت اجتياح الجيوش الإسبانية بكافة السبل. فالأب عمر يحاول فتح باب الحوار مع المعتدلين الأسبان، بينما يختار زهير، الابن، طريق الجهاد المسلح، في حين تختار ابنته هند الرحيل إلي تونس لمرافقة الزوج الذي اختارته، في رحلة بحثه عن تراث الأجداد لإعادة قراءته. وإن كانت سبل المقاومة كافة قد فشلت، تنجح هند في وضع أسس حياة جديدة تنبني علي حرية الاختيار لتنجز ما فشلت فيه عمتها سالفا، حينما أخفقت في علاقتها مع حبيبها. ويجسد فشل حياة العمة انهيار العلاقات في المجتمع العربي، وأحد أسباب انهياره أمام القوي التنافسية التي أطاحت بشجرة الرمان ­ التي تتحول في الرواية إلي مجاز مرسل يكني عن الأندلس. في محاولة كل طرف من أطراف النزاع القضاء علي الآخر، جهل بما يترتب علي بهذا الفعل، حيث تتواشج علاقات النصر والهزيمة. يتلمس الكاتب في الرواية تفاعلات والأنا والآخر في الواقع المعيشي ليتراءي للقارئ التشكل المتجدد للهوية، وتغدو قراءة الرواية بمثابة تحليل ثقافي لمعايير القيم السائدة التي شيدتها الأساطير الموروثة.

***

بينما يتناول طارق عليٌ في كتاباته السياسية الشقاق القائم بين الشرق والغرب، فهو يمثل في رواياته نقاط الالتقاء بينهما، وتلاحمهما وتمازج ثقافاتهما علي نحو يبين تعسف الفصل القائم راهنا وهو منشأ النزاع. وبعد قراءته للرواية الأولي، شجع إدوارد سعيد الكاتب علي مواصلة هذا الطريق، فشرع في كتابة خماسية تتناول الحضارة الإسلامية في الأمكنة والأزمنة المتغيرة، ولكنه لم يكمل منها حتي الآن سوي روايتين، كتاب صلاح الدين (1998)2، و المرأة الحجرية (2000)3، وهذا مهد له لكتابة كتابه الأخير صدام الأصوليات (2003).
تعود بنا رواية كتاب صلاح الدين إلي القرن الثاني عشر، وتتناول أيضا أسطورة مماثلة لأسطورة الأندلس، وهي أسطورة صلاح الدين ­ البطل ذو الأصول الكردية، الذي توصل إلي السلطنة في مصر وسوريا بفضل تفوقه كمخطط عسكري ­ وهو شخصية روي عنها الرواة شرقا وغربا الكثير، فالدولة الأيوبية التي أسسها أتباعه من بعده انتزعت السلطة من الخلافة حتي مجيء الغزو العثماني. لذا فأسطورة صلاح الدين تثير إشكالية قراءة الموروث الثقافي، فقد تكون إحدي الوسائط المؤدية إلي الحقيقة، أو إحدي المعوقات التي تحول دونها. وتدور أحداث الرواية بين القاهرة ودمشق والقدس، ويرويها ابن يعقوب اليهودي، والكاتب الخاص لصلاح الدين بناء علي رغبته. يطلب صلاح الدين من يعقوب اليهودي أن يؤرخ له، مانحا إياه ثقة لم يمنحها للأكراد من بني قومه لطبيعتهم المتعنتة ­ وفي زمن لم تعرف فيه عداوة بين اليهود والمسلمين، كما يسمح له بالتحدث إلي زوجته واتباعه، وحاشيته لتعرف الحقائق وتدوينها، فلا تقتصر الرواية علي صوت ابن يعقوب وما يرويه عن صلاح الدين، بل يشاركه آخرون من بينهم جميلة، الزوجة المحببة لصلاح الدين، وحليمة، وأمجد المخصي، وغيرهم، فهي رواية متعددة الأصوات ، تتشابك الروايات وتتباين فيها النوازع البشرية، وتنطلق فيها الأصوات المهمشة بالحديث ليتخذ تاريخها موقع الصدارة.
تبدأ الأحداث بصعود صلاح الدين إلي السلطنة في مصر وسوريا، وتتبع تحالفاته مع المسيحيين واليهود الخاضعين لحكمه لاستعادة القدس من الصليبيين. والشخصيات التاريخية المعروفة تبتعد عن التنميط، فيتتبع القارئ صلاح الدين البطل الجسور في حياته الخاصة ومأكله المتواضع، عنفه وسماحته، طابعه العسكري وتأملاته الفلسفية. يتصدر القصر المشهد الرئيسي وما يجري به من ألاعيب، وغدر وتحالفات متغيرة، فتتعدد الروايات مما ينبه القارئ إلي الأفق الاجتماعي المؤسس للحقيقة. وفي زمن توصل فيه علم النفس إلي افتقاد النفس البشرية للوقائع التي تمت في الماضي، يستحيل علي القارئ تصديق المروي بوصفه حقيقة الماضي المطلقة. تغدو رواية التاريخ تجميع لسلسلة متفرقة من الوقائع لتحقيق المعني المنشود، والرواية التاريخية عادة تسعي لتحقيق نتائج معرفية. لا تنفصل الرواية التاريخية عن المشهد الحاضر، فهناك هاجس يشغل صلاح الدين له تداعياته في واقع العرب والمسلمين الراهن، وهو افتقادهم للوحدة، في منطقة ظهر بها موسي والمسيح ومحمد. لا يتبع صلاح الدين في الرواية الصورة الرومانسية المعهودة في الأساطير الغربية والشرقية بل يتمثل كمناضل راديكالي تحطمت آماله، مجاهد لتحقيق العدالة والمساواة، صورة تعارض صفة المجاهد في القاموس السياسي الراهن.

***

أما الرواية الأخيرة في الخماسية الإسلامية التي لم تنته بعد، فهي المرأة الحجرية، وتمثل انهيار الإمبراطورية العثمانية في نهايات القرن التاسع عشر. تدور الأحداث في استنبول، دائرة عائلة إسكندر باشا بوصفها عالما مصغرا للإمبراطورية العثمانية. نجحت العائلة في الحفاظ علي هيبتها بفضل الروايات المتوارثة عبر الأجيال عن الأيام المزدهرة للإمبراطورية العثمانية، والتي تحولت إلي أساطير تحول دون المكاشفة المتبادلة بين الشخصيات ومن ثم المواجهة، فمن دونها يستحيل تصحيح الأوضاع. بدلا من المكاشفة هناك نهل من الاعترافات بأسرار خفية يتدفق من الشخصيات أمام تمثال حجري متآكل لامرأة ­ إحدي الآلهة القديمة، يتعرف منها القارئ علي ما ظل خافيا ويصعب علي الشخصيات مواجهته لضعفها الإنساني.
ومن جهة أخري، هناك أصوات معارضة للتقاليد التي أسست لخطاب تغييب الحقائق، وتتمثل المعارضة في نلفر العائدة من المنفي بعد تمسكها بحبيبها اليوناني الذي يصبح فيما بعد زوجها، كما تتمثل في أخيها سلمان الذي يكشف فضائح محمد الأعظم ومعاملاته لمقربيه وأهله. وتجري مقارنات بين الأوضاع في تركيا وجيرانها، فبينما يصيبها الوهن، تزدهر روسيا، والنمسا وألمانيا، وهي مجتمعات انتهجت العقلنة والتحديث. والحوارات الدائرة بين الشخصيات لا تفي بموقف تحليلي واحد للأوضاع السياسية بل غالبا ما يكون هناك أكثر من تفسير للموقف الواحد. ينقسم الجدل في النهاية بين المطالبين بالتغيير بالحرب، والمطالبين بالتغيير بإعادة هيكلة المجتمع للتخلص من المعوقات المتوارثة. وبالموازاة تتجلي للقارئ ضرورة ذلك لتشابك الخاص والعام في أحداث الرواية مما يدل علي استحالة تحسين الحياة السياسية دون تغيير أسس التعاملات الإنسانية.
وروايات طارق عليٌ مكتوبة من منظور ما بعد كولونيالي لا يسمح للقارئ الغربي بالتلصص علي الآخر والاستمتاع بالغيرية والتميز، لتورطه في الأحداث العالمية، وما بها من إحالات إلي العالم المعاصر، فهي تدعو القارئ في الشرق والغرب لإعادة مقاربتها. لا تقتصر الرجعية الفكرية التي أصابت العالم علي الشرق وحده، بل تتبدي ملامحها في الغرب أيضا. وفي إحدي حواراته في جامعة بركلي بالولايات المتحدة يكشف طارق عليٌ بصراحة عما أصاب الشبكات التلفزيونية في بريطانيا والولايات المتحدة من تدهور. أنشأت الإذاعة البريطانية القناة الرابعة عام 1982 لتقدم الجديد، والنقدي، ولعبت دورا هاما حتي بدأت في التدهور منذ منتصف التسعينات. ويرجع طارق عليٌ السبب في ذلك إلي سقوط الاتحاد السوفيتي، ففي ذلك الحدث ما أخاف القوي الرأسمالية من أن تتحول الجماهير ضدها إن أمدتهم الثقافة بما ينمي وعيهم، فاستبدل التوجه النقدي السائد منذ الستينات إلي أوائل التسعينات بحملات التسويق4 الساعية للتربح بالاتجار في أي شئ.
وفي الوقت نفسه لا يتسم موقف طارق عليٌ بالتقديس المطلق للتجربة الاشتراكية في العالم ­ وإن كان يعفي ماركس من تحمل أخطاء ممارسيها ­ حيث شرع في كتابة ثلاثية عن سقوط الحلم الاشتراكي في أوروبا في القرن العشرين، ولم يكمل من تلك الثلاثية سوي روايتين، الخلاص (1990) و الخوف من المرايا (1989).5 تتناول رواية الخوف من المرايا تجربة انهيار الأنظمة الأوروبية التي ظهرت في بدايات القرن العشرين حتي سقوط حائط برلين، متمثلة في حياة خمس شخصيات جاءوا من قرية بدفوشولبيك في أقليم جاليشيا، وهي منطقة حدودية بين الأراضي النمساوية ­ الهنغارية وممتلكات القيصر الروسي، ويشكل اليهود ثمانية في المائة من سكانها. تعرض الأقليم لأشكال متغيرة من الاستعمار، ولذا تعددت انتماءات سكانه وتعددت لغاتهم، فهم يمثلون تمازج الشعوب الأوروبية وهمهم السياسي المشترك من جهة، واستحالة قراءة تاريخ شرق أوروبا بمعزل عن شرق آسيا، من جهة أخري، حيث تعاون الرفاق من العالم أجمع لتحقيق الحلم الاشتراكي.

***

يتتبع القارئ الخيوط المشتبكة للشخصيات الخمسة منذ نشأتهم وتكوينهم الثقافي، وانتماءاتهم إلي الحركات الاشتراكية الصاعدة، علي اختلاف دياناتهم. ولا تتحرك الأحداث في تسلسل خطي، بل يتزامن الماضي والحاضر في السرد عبر رؤي متعددة، ليتراءي الحدث الواحد من منظور متعدد، ليعي القارئ أحيانا ما تجهله الشخصيات. تتواتر الأحداث بين الماضي والحاضر، تحركها مساعي فلاديمير ماير (فلادي) ­المنتمي إلي جيل أواسط القرن العشرين ­ لاستعادة الماضي وأحداثه بحثا عن والده الذي يجهل هويته حتي نهاية الرواية، ومساعيه في الحاضر للتوصل إلي إعادة العلاقة مع ابنه الذي انقطع عنه. يتمسك فلادي بالحزب الاشتراكي الديموقراطي علي الرغم من سقوط حائط برلين، بينما انضم ابنه كارل إلي الحزب الديمقراطي الاجتماعي، حزب الحكومة الألمانية الموحدة. ما زال الأب يتمسك بالحلم الاشتراكي الذي تكبد هو وأسرته عناء تحقيقه، بينما تصالح الابن مع الغرب الألماني رافضا إيديولوجية الآباء. وفي محاولة الأب استعادة ثقة ابنه، محاولة لتبرير كيانه السياسي بعدما فصل من عمله في الجامعة بسبب تمسكه بالماركسية، ولتبرير موقفه الوجودي بعدما هجرته زوجته لتورطه في خيانة أصدقائه بسبب ولائه للحزب. يسعي الأب إلي الابن المبتعد بكتابة رسالة له عن تاريخ كفاح العائلة وهو يمثل التاريخ المصغر لتضحية وكفاح أجيال من أجل تحقيق الحلم الاشتراكي، الذي اصطدم في البداية بالبرجوازية، والرأسمالية، والفاشستية، ويصطدم راهنا بالعولمة الرأسمالية الكاسحة.
تتقاطع أحداث أسرة فلادي مع الروايات الخاصة بالخمس شخصيات التي عاصرت والديه في جاليشيا وفي تنقلاتهم فيما بعد، حيث ترابطت مصائرهم في العمل السياسي والحياة الحزبية. فالكل كان ثمل بالآمال والتوقعات، فتحالف اليهود والاشتراكيون، وتلاقي الرفاق من أرجاء العالم بينما باتت البرجوازية في رعب. ولكن تقوض البنيان بفعل الحرب التنافسية بين الدول الأوروبية التي أشعلتها الدول الفاشستية، وتخاذل الأحزاب الاشتراكية الفرنسية والإنجليزية عن مساعدة الجمهورية الإسبانية، بقدر ما كان هتلر وموسيليني يساعدان فرانكو. تلك الهزائم الأوروبية عضدت من كيان ستالين، فلم يجد رادعا لسلطته ومارسها في حروبه التنافسية ضد أتباع لينين وتروتسكي، مجندا المرتدين والمخبرين، والوصوليين ­ البلشفيك الجدد ­ الذين قضوا علي صناع الثورة الحقيقيين، وحفروا مقبرة الثورة. تحول ستالين إلي قيصر يركع أمامه البشر متوسلين الرحمة، حتي أنه لم يرحم توسلات أرملة لينين حينما طلبت العفو عن أتباع زوجها الراحل. وعدها بذلك إن هي شجبت أفعالهم، وفعلت ذلك مضطرة ولكنه لم ينفذ وعده وأعدمهم. أفضت سياسة ستالين الإجرامية إلي افتقاد البشر إلي إنسانيتهم وتحول كل فرد في روسيا إلي مراقِب ومراّقب (بكسر القاف وفتحها)، وعاش الناس في حرب البقاء، حيث تأسست العلاقات علي من يوقع بمن.
وامتدت الجرائم السوفيتية إلي البلدان الأوروبية كافة، ففي أثناء الحرب، حينما استقبل الألمان الفارين من النازية الجيوش الستالينية ببهجة، كافئهم العسكر بالاغتصاب والقتل، فمعظم الجنرالات لم يحترموا الحياة البشرية. وحتي بعد وصول خروتشوف إلي القيادة وإدانته لجرائم ستالين في منتصف الخمسينات، طورت بدوره في جريمة إخماد العصيان في هنغاريا حين طالب شعبها بالانفصال والديموقراطية. أفضت السياسات الإجرامية واختراق الحياة الخاصة للبشر تحت الحكومات الفاشستية والستالينية إلي تولد جوا من الكبت والسرية كان له الأثر علي العلاقات الاجتماعية وتشويه السلوك. ظل الباقون من ألمانيا النازية يتلذذون بالتحرش بالنساء واغتصابهم، بينما ظلت سجون روسيا تمارس فيها شتي صنوف التعذيب، وتفككت العلاقات علي المستويين الفردي والعائلي.
جند النظام الستاليني الأفراد ضد ذويهم تحت دعاوي حماية الثورة، ولم ينج من غدره حتي من هم أشد ولاء إليه. اضطرت جرترود والدة فلادي للوشاية بصديقها لودفيك بوعد أن ينقذوا أبيها وأخيها من الموت ولكنهم خدعوها ولم يفعلوا. بل جندت جرترود للتجسس علي ابنها فلادي ومجموعة الشباب الساعين لممارسة الديمقراطية في ألمانيا الشرقية. ترتب علي هذا الفعل، ازدراء الابن لأمه، عند تكشفه الأمر، وهجر هيلجا زوجها فلادي عند اكتشافها تسريب أسرار جماعته لوالدته وعدم التزامه بالسرية. يتمثل تفكك النظام الاشتراكي في التفكك الأسري، والانحلال المجتمعي شرقا وغربا. كما استغل المقاتلين الفيتناميين القدامي انهيار الاتحاد السوفيتي وتحولوا إلي سماسرة ورجال أعمال يتقاسمون الأرباح مع رجال الجيش الروس، بالاتجار في السلاح والرقيق بالدولارات التي صارت تطبع في روسيا. انتعشت هانوي ­ مدينة هوشي منه سابقا ­ بفضل اجتياح السوق السوداء.
بعد قراءة أجزاء من خطاب أبيه، يعلق كارل الابن الذي انضم إلي الحزب الحاكم في ألمانيا الموحدة، بأن مفهوم الطبقة العاملة والصراع الطبقي قد انقضي، حيث يتناحر الفلاحون في رواندا باسم القبيلة، ويتقاتل مسيحي الصرب ومسلمي البوسنة، وامتد صراع الطوائف بأرجاء المعمورة. ما يتطلع إليه جيل شباب اليوم هو الحياة العادية من دون استثارة دائمة. في الكشف عما ظل مخبئا دهرا، وضع طارق عليٌ القارئ في مساحة تتعاكس فيها مرايا التاريخ، لقراءة انعكاساته، ودوراته المتكررة، فالخوف من النظر في المرآة الخلفية يحول دون التكهن بالرؤي المستقبلية. والتطلع نحو المستقبل يبدأ بخطوة نحو التواصل الإنساني يتحقق بعودة هيلجا زوجة فلادي إليه بعد هجره لأعوام، بينما يظل القارئ في تخوف بعد اكتمال قراءة الكتاب إن كان في قبول فلادي عرض المليونير ساو صديق الكفاح الفيتنامي ­ سابقا ­ بالإشراف علي دار نشر عالمية ما يبشر بخير مرتقب، أم تورطا في شبكة جديدة من العلاقات المشوهة.

***

ونحن نتطلع في مرايا التاريخ يدفعنا طارق عليٌ إلي التساؤل عن القوي التي ينبغي مواجهتها راهنا، وعن قدراتنا لمقاومة هذه القوي حاليا، إن كنا لا نكتفي بالقول بأن عناء الماضي تمخض عن لا شئ. تكشف لنا مرايا التاريخ أنه مع كل تغير اجتماعي نستبشر به، ارتداد نحو عبادة الذات، فهل من احتمالات أخري؟ التطلع في مرايا التاريخ تبين استحالة تعميم المقاومة، فلكل واقع اجتماعي آليته الخاصة للمقاومة لتحقيق مساع سياسية محددة. يغدو دور القارئ أو المثقف المتطلع إلي مرايا التاريخ مقاومة الحقائق المسلم بها في رواياته، ويكون الهدف من كتابة التاريخ في قالب الرواية بوصفها نوعا أدبيا، تفعيل المقاومة بالتخييل. يعد الخيال، واللغة، والتجربة الحسية الناجمة عنهما، منابع طاقة لتسيير الذات، ودعامة لمقاومة خضوعها للقوي المهيمنة سواء تمثلت في فرد، أو مؤسسة، أو إيديولوجية.

1 Shadows of the Pomegranate Tree, London: Verso, .1993 قدمت دراسة لهذه الرواية أسطورة الفقد الاستعادة: إعادة قراءة الأندلس، بمجلة ألف، مجلة البلاغة المقارنة، عدد خاص عن ما بعد الكولونيالية في جنوب آسيا، العدد الثامن عشر، 1998: 29 ­ .54 كما نشرت في كتابي التمثيل الثقافي بين المرئي والمكتوب، القاهرة، المجلس الأعلي للثقافة، .2002
2 The Book of Saladin, London: Verso, .1998
3 The Stone Woman, London: Verso, .2000
4 حوار مع طارق علي: Islam, Empire, and the Left: Conversation with Tariq Ali," by Harry Kreisler, Institute of International Studies, UC Berkeley, May 8، 2003 http://globetrotter.berkeley.edu/Elberg/Ali/ali-con3.html
5 Fear of Mirrors, London: Chatto ¦ Windus, .9991 ترجمها إلي العربية طلعت الشايب، الخوف من المرايا، القاهرة: المجلس الأعلي للثقافة، المشروع القومي للترجمة، رقم 133، .2000

**********************

Back to Top 


 © Arab World Books