أطياف نيتشه - آلان تورين ونقد الحداثة


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

 

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 

 

الكتاب : آلان تورين ، نقد الحداثة ،ترجمة أنور مغيث ، المجلس الأعلي للثقافة .
عرض د. اسماعيل نوري الربيعي
عن صحيفة الزمان

 
يقولون بين العقل والجنون شعرة، فاصلة تقوم علي المفارقة والتباين الصارخ وبقدر ما يكون العقل مفتاحا لاطلاق الأسئلة داخل نطاق محددتهما توسع وكبر فضاءه، فان هذا المحدد لا بد أن يكون المسؤول عن الافصاح عن نيرة العقل داخل هذا النطاق، حيث الانفتاح علي آلية الحراك في مجال الوعي ما بين عمليتي التقلص والتمدد.
دشنت أوروبا القرن العشرين وهي في أشد حالات التوتر مع العقل والواقع ان التوتر هذا لم يكن ولادة مفاجأة، بقدر ما كان نتاجاً موضوعياً لحالة المخاض الفكري الذي ولدته حركة الأنوار التي تصدرت المشهد الثقافي وعبر المصدرية الفرنسية خلال القرن الثامن عشر والاستتباعات المعرفية التي تنامت خلال القرن التاسع وحالة الهيمنة التي فرضتها الثورة الصناعية ليبدأ الصدام العلني والمباشر بين كتلتين معرفيتين داخل نطاق فكرة التقدم حيث الاحتفاء البالغ بمنظومة العلم التجريبي الذي بات عينا واقعا لا يدخل بين يديه الشك، من خلال منتجات التقانة والتي غدت تتري علي مسرح الواقع في حين أن العقل ظل في برجه العاجي يعاني العزلة وسوء الفهم ولم يقف الأمر عند مستوي الفهم هذا بل تخطاه نحو خلخلة بناه وتقويض المعاني التي استند اليها عبر تنامي تيار الحس والتجريب وتعالي الأصوات النقدية المتصلة بالمفاهيم الكبري.
وضع العقل تحت شرط النقد المرير من قبل فلاسفة الغرب حتي تمت محاصرته بشدة عبر تكثيف معاني الحدس التي أصل لها برغسون من خلال إشارته الي عجز العقل عن توضيح تواصل الصيرورة كونه يركز علي الكلمات والمفاهيم في حين ان الحدس يفصح عن الديمومة لارتباطه الوثيق بالواقع، فيما توجهت الوضعية المنطقية نحو تكرس منطق التفكير العلمي عبر وسيلة التجريب مقصية في ذلك جميع المعاني التي لا ترتبط بهذه الوسيلة.
وسط هذه التبصرات الفلسفية برزت مدرسة فرانكفورت خلال أربعينيات القرن العشرين وعبر جهود ثلة من الفلاسفة الألمان كان الابرز من بينهم أدورنو الذي أعمل وسيلة النقد إزاء التيارات الفلسفية التي سادت أوروبا إبان تلك الحقبة، من خلال دعوته الي حيوية الفلسفة وذره للبني الثابتة المتعلقة بالفكر، وهكذا كثف نشاطه المعرفي في مجال سوسيولوجيا الاستهلاك الثقافي. ولم يبتعد زميله وقرينه هوركهايمر عن هذا الاتجاه بل كانت دعوي هذا الآخر الي ضرورة التماهي مع الواقع عن طريق كشف ملامح الاستغلال الذي يتعرض له الفرد والمجتمع، حيث ضرورة توجيه النقد نحو العقل بواسطة العقل، بعد أن تحول الي وسيلة للقمع، وعلي هذا صب جل اهتمامه نحو تصميم نموذج الفرد الحر الذي يستمد حريته عن طريق المشاركة مع المجموع، وعبر هذا المنظور كان تأكيده علي أن تغيير المجتمع يأتي من خلال الوعي العميق بتناقضاته.
تتجلي علي صعيد الواقع جملة من المخاضات المعرفية داخل نسيج العلاقات الاجتماعية، حيث تبرز الأفكار متقاطعة داخل ذواتها المفكر، فمسألة الانثروبولوجيا علي سبيل المثال تحمل في صميم بنيتها الثقافية موجهن، الحداثة وضد الحداثة، وعلي الرغم من سمة الحداثة التي تغلب عليها، الا أن تقاطع الانثروبولوجيا مع الوجود التاريخي للانسان من خلال تقديمها للطبيعة، يجعلها في أشد حالات التوتر بين الرغبة والقانون. أما ثقافة الاستهلاك والتي كانت ثمرة عن المجتمع الصناعي فقد أبرزت ملامح العقل الأدائي حيث الذاتية والنفعية في أعلي تقمصاتها، بدءاً من عملية التفكير وممارسة إجراءات الاستقراء والاستنتاج وصولا الي العناية بالمنهج علي حساب المضمون، حتي غدا الموضوع مجرد وسيلة يتم من خلالها الوصول الي المعرفة وبهذا فإن الذاتية الفردية ــ الجمعية غدت هي الغاية التي يمثلها هذا العقل وعبر هذا المنظور صار الاحساس والتجربة هو الأساس في المعرفي فيما تحدد الجانب الأخلاقي في المنفعة الذاتية ومن قوام هذا العقل الذاتي ثبت الغرب خطواته في مجال التقدم الثقافي حتي كان التطلع الي فرض معالم السيطرة وبروز النزعة الاستعمارية.
وهكذا برزت الاشتراطات الاستهلاكية في التنحي عن العقل وجعل الاختبار المباشر أصلا في الوصول الي الحقيقة، أما الفكر فقد تماهي مع الحس والتجريب ليظهر جليا تنحي القيم إزاء تصدر التنظيم للواجهة.
علي الصعيد الجماعي يتجلي مدي الصراع في صميم المؤسسة الانتاجية التي تماثلت فيها معطيات الواقع الاجتماعي، حتي إن التطورات التي نشأت داخل المؤسسة الانتاجية جعلت منها تتراجع وبشكل لافت، لصالح المؤسسة المالية التي أنطوت فيها معالم التنسيق والتنظيم، فيما يتبدي أثر الواقع الثقافي علي المستوي الجماعي في تصدر البعد القومي ومحددات مفهوم الأمة عبر جملة من الركائز الثقافية المستندة الي، الهوية، اللغة، الرموز. بل ان المحثات الداعية الي مبدأ الاستقلال علي سبيل المثال، يجعل من الأمة تتقاطع مع مدركات العقل من خلال جعل التحديث ثانويا مقايسة مع مفهوم الوجود القومي. وهكذا نجد بريطانيا وهي في أشد حالات التردد إزاء الوحدة الأوروبية أو الدخول في منظومة العملة الأوروبية الموحدة اليورو أو لقاء الأمة مع الأصوليات الأوروبية التي تفرزها ويا للمفارقة الديمقراطيات الأوروبية المعاصرة، ممثلة بوصول التيارات اليمينية الي سدة الحكم، كحالة برسكوني في ايطاليا أو النمسا، أو حتي تنامي الحركات اليمينية المتطرفة والتي باتت تفرد ملامحها علي صعيد الواقع المحلي مثل النازية الجديدة في ألمانيا والدعوات العنصرية في فرنسا والصدامات العرقية في بريطانيا.
ما بين فردي وجماعي تختلط الأهداف والمضامين داخل بنية الوعي، واذا كان قوام فكرة الحداثة يستند الي المزاوجة بين نظامي التغير والوجود لانتاج العقلانية والفردية، فإن ملامح الانفصال سرعان ما تتبدي واضحة علي مفاصل الواقع الاجتماعي الذي يتمثل في المضامين الفردية حيث سيادة قيم الاستهلاك، او المضامين الجماعية التي تبرز في مجال التفاعلات التي تظهرها مقومات المؤسسة الإنتاجية الحاكمة للواقع الاجتماعي ضمن مدركات نظام التغير، فيما يفرز الواقع الثقافي معطيات نظام الوجود عبر المضمون الفردي الذي يجسده مفهوم العرق، والجماعي الذي يحدده مفهوم الأمة وهكذا يظهر مجال العادات عبر المكون الفردي ــ الشخصي في مفاهيم العرق والاستهلاك الذي يتمفصل مفصلاً إزاء الجماعي المتضمن داخل نطاق المؤسسة الإنتاجية و التي تتصدر فعالياتها المؤسسة المالية ومفهوم الأمة.
لعل السؤال الأهم وسط هذه اللجة من التحديدات، يقوم علي البحث عن موقع العقل وقوانين الطبيعة لتقديم نموذج التحديث في مواجهة اليوتوبيا والأساطير والأيديولوجيا، لكن المهمة تبقي منقوصة بسبب حالة الانفصال الواضحة في مجالي الاجتماعي والثقافي ويقدر بالجملة، الانثروبولوجيا والمؤسسة الإنتاجية وقيم الاستهلاك والأمة من مضامين حداثية تتوجه بكل زخمها وثقلها نحو تعميق مفهوم التقدم، إلا أن ملامح الأزمة تبقي فاردة ملامحها علي واقع العلاقات، حيث التمايز الفاضح والمعلوماتية وثورة الاتصالات والقرية الكونية فإنه بالمقابل كان صاخبا بالحروب العالمية والتصفيات العرقية والتمييز العنصري والمجازي والقتل.
تري اين تنصب غاية الحداثة، في العمل علي وحدة المجتمع ضمن سياقات جديدة أم الحفز علي ظهور قوي ثقافية واجتماعية تكون لها المساهمة القصوي والأهم في بناء المجتمع الجديد، فالوحدات الاجتماعية وبحكم ارتباطها بركائز بنائها التاريخي، تشرنقت داخل مصالحها وأهدافها السياسية والثقافية والاقتصادية، وهكذا فإن التناقضات والصدامات بين القوي القديمة ستكون بمثابة المهماز والحافز، نحو خلق الشروط الموضوعية لولادة وظهور القوي الجديدة، لكن الأهم هنا يكمن في أن غاية الحداثة لا تتطلع الي بناء مجتمع جديد بقدر ما تصبوا الي ظهور القوي الجديدة في نظام التغير، من خلال الاتجاه نحو زيادة التبدل في أنماط الاستهلاك علي الصعيد الفردي والعمل علي اتساع مجال التنمية داخل المؤسسة الإنتاجية علي الصعيد الجماعي، وإفساح المجال أمام الجميع من أجل المشاركة السياسية من دون تمييز لعرق أو طائفة، وفتح الباب لتشكلات ثقافية واسعة في تكون الدول والأمم علي صعيد الواقع الثقافي المندرج ضمن نظام الوجود.
ومهما بلغت الحداثة من قوة الحضور والتأثير في المجالات المختلفة، إلا أن التحليل الوظيفي للجسم الاجتماعي، يفصح عن تداخل الحداثة مع ذاتها في مجال إحداث الخلخلة والتوتر والأزمة، بل ان رسالة العداء التي يطلقها الحديث لكل ما هو حديث، يكون بمثابة الأس الذي تقوم عليه معطيات النقد الذاتي، فالحداثة وسيلة وليست غاية، خصوصاً وأن عناصر التغير والوجود الكامن في فكرة الحداثة تقوم علي نهل قيمها من المحددات الاقتصادية والثقافية، فالأمر هنا لا يرتبط بغايات الفعل قدر خضوعه للمكان الذي توجهه المنفعة والمصلحة، فيما يخدم حقلاً بعينه، يمكن أن يقدم خدماته لحقل اجتماعي آخر يكون علي النقيض منه.
يمثل نيتشه مسارا شديد الخصوبة في نقده للحداثة، من خلال تلمسه لحالة الاضطراب الذي يسود العالم، وبهذا فإن مستنده المعرفي كان قوامه النص المفتوح الذي مثل ثورة علي العقل، عبر الاتجاه الي التفسير بالعقل، فالموضوعات في تصوره ما هي الا ظواهر لا علاقة لها بالجواهر، ومن هذا التأسيس الوضعي، كان ولوجه في مجال اعادة تفسير القيم والأخلاق، والتي عدها ظواهر فرضتها الحاجات الاجتماعية، بل كانت نظرته اليها مجرد وسيلة للخداع والتضليل، وفي هذا السياق كانت رؤاه التي صبها في بناء تصوره حول تاريخ التقدم الحضاري للبشرية والذي جعله محصورا للتنازع بين أخلاق السادة وأخلاق العبيد حتي كانت اشارته الي سيادة أخلاق العبيد وعرضية أخلاق السيادة ابتناء الي تقسيم تاريخي عمد اليه عن طريق رصد السمات العامة لكلا النموذجين.
المحدد المعرفي الذي يُطلقه نيتشه يقوم علي التأويل بحثاً عن المعني، من خلال التمييز بين نظام الوجود الذي يحتوي المعاني المجزأة عبر فعالية التأويل، ونظام الحياة المليء بالدلالات المحددة والخاضعة لفعالية التقويم. وبرصده لعلاقة القوة مع الواقع حيث حضورية المعني، فإن آلية الصراع ونتيجة الأخذ بالاعتبار قابلية كل قوة علي الاشتقاق عن طريق فعالية التأويل، حيث تجديد القيم اعتمادا علي إرادة القوة.

**********************

Back to Top 


 © Arab World Books