إنَّهُم يُمضون أعمارهم في صنع المسامير
   


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 


رؤية : محمد عبدالله الهويمل
جريدة الرياض مارس 2003

قال الناشر (إن ألفين كرنان لا يتهم أحداً بقتل الأدب وهو موضوعي يصف الأزمة ولا يصدر حكماً أخيراً).
إنها الدهشة والصدمة التي دفعت بدر الدين إلى ترجمة كتاب (موت الأدب) بعد أن فجعه عنوانه كما يذكر فوقع فريسة الشكوك ازاء هذا العنوان.
هذه الفاجعة أغرته إلى المعالجة في كشف أحكام كرنان فهو أي (موت الأدب) حصيلة متغيرات اجتماعية قد جعلت ما يسمى أدباً رومانتيكياً أو حديثاً أمراً يتعلق بالماضي وحسب.

أولى رثائياته تبرز في مقدمة المؤلف حيث يضع مقولة بيرو التررالي أستاذ جامعة أكسفورد بين أقواس ديباجة لأولى أطروحتاته.. (إذا ما أتُهمت يوم القيامة انني كنت أدرس الأدب فسأدافع عن نفسي قائلاً: إنني لم أؤمن به أبداً وأنني أرعى زوجة وأطفالاً).
ولعل أول ما يتبادر إلى ذهن المؤلف هنا التعييب على الاختلال الجذري في القيمة الأولية للمؤسسة النخبوية وفاجعة (موت المؤلف) وأحسب أن كرنان بمعتقده الرومانتيكي قد استعجل في فتح النار على آباء الفكرة السالفة وعلى رأسهم نيتشه متعصباً لها وواصفاً الاختلال السالف بأنه نسف للتجربة الإنسانية كما يُلحّ على أنه نخبويّ في سياق الاعتراف بالسقوط ودواعيه فهو امتداد للسقوط النخبوي الذي كان من مخرجاته الثورية في العالم وشفرته المبطنة وتحرير رمزيتها يكشف أن الثوريين السياسيين هاجموا الأدب على أنه نخبوي وقمعي للحريات وهو يُلءمِح هنا إلى الحقبة الارستقراطية كما يستعجل التنكيل بالثوريين ذاكراً أن التقنية الجديدة حلت المحل المثالي للأدب الذي أفلسه تعقيد الرواية وذاتية الشعر وهستيرية المسرح.
والمؤلف هنا يعزو التراجع المثالي إلى التقدم التقني وأن هذا التراجع تزامن مع النقاد الثوريين وكأنهم الطابور الخامس للزحف التقني غير أن هذا الزحف قدري حاسم سواء وقع في عهد هؤلاء الثوريين أم الكلاسيكيين فلو زامن هذا الهجوم عهد الكلاسيكيين كيف سيؤول المؤلف الهزيمة وأيّ طابور خامس سيختاره لكيل التجريح ضده، الازمة ليست أزمة ثقة بالقيمة الإنسانية للأدب كما يُفرد في فصلٍ كاملٍ في كتابه بل في إيماننا بالسيرورة الحتمية وجدلية البداية والنهاية.

والمؤلف يعود إلى اتهام نيتشه وبعض الفلاسفة بأنهم اقترحوا النسبة اللينة بطابعها التسامحي مع الأشياء أدّت بالتعليم إلى هجر الكلاسيكي وأن تيارات الوعي الأدبي المتهمة بقتل الأدب ذات صبغة انقلابية فالبنيوية والتفكيكية ذات نزعة سرية (براجوازية) والحركات النسوية تنادي بكسر الاحتكار الذكوري والماركسية تسقط الأدب لأن يكرس للمؤسسة للرأس مالية والفرويدية تحذر من الأدب لأنه آلة لكبت الغريزة وسقوط الأدب إذاً والثورة الفرنسية هو امتداد تلقائي لكل المؤسسات التي تقوضت الأمر الذي جعل تفككها انقلاباً على القيمة كمنوذج معملي لنموذج الثورة والعائلة والقانون والدولة أمثلة على ذلك غير أن المحور الجدير بالطرح هو العلاقة الشفافة بين المبدع وبيئته حيث يؤكد المؤلف أن أصحاب الشعر والأدب يفضلون أن ينظر إليهم في حدود ميتافيزيقية لا اجتماعية وهذا في ظني من التعسف في حق المبدع إذ ان انطوائيته القسرية عملت على تحليقه في جمود العزلة تُظن أنها عاجية والعاج يصنف جماداً قبل تصنيفه حجراً كريماً والنظرة الآنفة هي جزء حيّ في حركية الثنائيات المتدافعة كالارستقراطية المطلقة والبرلمانية والمتحررة دفع بها إلى الضوء النقلة المفصلية من المجتمع الشفاهي إ

لى الطباعي الذي كان تكريساً للقيم الجديدة وطور الكاتب المحترف وأعزو النظرة الميتافيزيقية في الاتهام السابق إلى احتراف الكاتب وبلوغه طوراً علوياً أو هكذا يزعم ويمثلها فلوبير الازدرائية يقول للويز كولين عام 1852: (ماذا تتوقعين من مواطنين مثل مواطني ما نشستر الذين يمضون حياتهم يصنعون المسامير) وكذلك رسكن ووردزوررث التي لا تبتعد كثيراً عن معالجة النقض المثالي للتعريف العلمي على أن العقلانية العلمية هي الطابع السائد للتفكير الرسمي الذي يرد الحياة إلى مستوى الحساب والمنطق البارد عبر تقنية تنتج ثقافتها وأدبها السهل فهل يمكن بعدها أن نؤكد على المعادلة التي تقول إن الثورة التكنولوجية تساوي ثورة الكادحين وانتصار أدبهم أي أنه ثورة شعبية لأدبٍ شعبي فكيف إذا نوفق على أنّ الثوار التفكيكيين قادوها وهم عاجيون ساخرون من المبدع الكلاسيكي فكيف بالشعبي البروليتاري.

فالمجتمع الغربي كما يذكر المؤلف منح الثقة للأدب لانتقاده النظام الاجتماعي وقيمه المركزية على العكس من بعض المجتمعات التقليدية التي اصفى الادب فيها الشرعية على المركزية فالماركسيون يتهمون الادب بالرأسمالية وبيان مارسك وانجلز وضح ان تجمعاً فكرياً في عصره وصفه بالسلب الرأسمالي واحسب ان النظرية الماركسية كأي نظرية أخرى لها أبعاد نفعية ولها أجنحة عسكرية يُتَوَسل بها لتحقيق التوسع على حساب مثالية الأدب والنقد الجديد لأن الأطروحة النقدية الجديدة باتت تضطلع بدور الجناح العسكري للنظرية التوسعية والمؤلف ساعة تحدث في محور (المؤلفون كأصحاب دخول والقراء كبروليتاريا والنقاد كثوار) ربط بين الهجوم على الأدب بالثورة مع حقوق الإنسان والقضية القيتنامية...
بل تفضي التأويلات الاستنطاقية ببعض الأكاديميين إلى التأكد على أن الأدب الحديث أعطى شرعية الهدم حيث يبدو حظ العداوة المريرة ضد المدينة مثل أليوت وغيره الذين أسسوا لايديولوجيا الاغتراب الذي اتهمه تريللنج أنها قادرة على توليد الزيف وتعويدنا عليه وهنا يحضرني مقال للأستاذ سمير عطا الله يتندر فيه على بعض الشعراء المهجريين الذين افتعلوا المنفى لينظموا قصائد الاغتراب. وقد نختلف مع المؤلف الذي اتهم اليوم بتأييد شرعية الهدم في حين كان إليون يحذر من الهدم لا سيما في فريدته (الأرض اليباب). وبعد الاتهام يؤكد المؤلف أن الأدب رغم كل مواقفه من العزلة والتغريب كان في واقع الأمر واحداً من المؤسسات الثقافية العليا للديمقراطية الحرّة.

ومرة أخرى نتداخل مع المؤلف لنؤّول تأويله وقتما يذكر أنه لا يوجد نقد حتى بداية القرن الثامن عشر وأن الأديب الارستقراطي كشكسبير قد يكسر قاعدة النحو في امتهان للناقد القليل الشأن الذي كان في وضع غير موقر في سلّم التراتب الأدبي ولكن أليست وفرة الأعمال المابعدية دعت الى بروز الناقد ولهدف التمهين ودفع الامتهان الارستقراطي وتحسين الوضع الاجتماعي ومنه التمهين الأكاديمي الذي كرّس لتكوين الحس الأدبي وقبل هذا نحن نقف أم معضلة مزدوجة وهي انها القديم بأنه عبر عن روح عسكرية استقراطية ودعاية للرأسمالية المتوحشة ومشكل ارتخاء مصطلح الأدب التي يصفها الناقد بأنها فقدت جوهريتها تحت نظرة الناقد التفكيكي البادرة حيث تبرز الفئوية الحادّة عند الكاتب وهو يصف التفكيكية أنها مستمدة من الماركسية الاجتماعية اذ هي جزء من المخطط الماركسي وهذا هو المشهور عموماً في موسوعات الأدب الحديث فهي تعطي الشرعية التفسيرية للقارئ (حرية التأويل) وتحول المبدعون العظماء إلى نساخ ينتجون المخزون. إذاً فالتأويل الماركسي التفكيكي يصف القديم بداعم قمعية الأدب بدفاعه عن حجية النص والمؤلف ويفرض لوناً من الاجماع في التفسير (تسميم الإحساس) فكانت الفرصة - كما ذكرت
- مواتية لضم النقد الحديث إلى ضرب الثورة وبرمز مصطلح الالتزام والمثقف الملتزم الذي شرع في تحطيم مراجعية العمل الفني الكبير (الإيقونة اللفظية) واعادة تفكير الأعمال الكبرى كالالياذة ومسرحية الملك لير ورواية الاخوة كرامازوف.

وهذا من مخرجات مدارس النقد الاجتماعي المتأثر بالتحليل النفسي وإن كان التحليل والتفكيك لهما الترادف اللغوي والثوري فيقول المؤلف (وهاتان المدرستان هما البنيوية وما بعد البنيوية والمدرسة التفكيكية وكانت هاتان المدرستان هما المدرستان الفلسفيتان اللتان اعطتا اليسار الجديد قوته وعندما طبقت هتان الفلسفتان على الأدب فإنها وضعته في اطار مختلف عن الاطار الذي وضعته له الحركة الإنسانية).
ألفين كرنان يتمدد في حججه عارضا ل (انتحال النصوص الشعرية والأدب كملكية وطابع روح الجماعة) ويسرف اسرافاً ممتعاً ويتناول الأدب عندما يلعب دوراً أكثر تعقيداً في البنيان الاجتماعي للواقع حيث يذكر أنه نشاط اجتماعي من بداية القرن الثامن عشر العمل والملكية المهنية والفرد قد امد الأدب بمصداقية قوية في المجتمع الرأسمالي الناشيء وقد يبرز هذا اكثر في محور حقوق التاليف والمجتمع الطباعي بعد فشل الشفاهي في الاثباتية الملكية. فالكتابة التي كان ينظر إليها على أنها وسيلة نقل فكر باتت ذات قيمة رأسمالية لا تتجاوز اطار الملكية العامة يدعمها صدور قانون تشجيع المعرفة وحقوق المؤلف ولك أن تقرأ هذه المعادلة السهلة التي ترسم رمز (يساوي) بين الرأسمالية والملكية وفي هذا الصدد يقول المؤلف: (وخلال نفس هذا الموقف كانت النظرية الرومانتيكية الأولى تطور صوراً شعرية للمؤلف المالك وللعمل الادبي مما وضع الوقائع القانونية النامية لحقوق المؤلف والنظرية الأدبية في وضع يجعل ينهما تسانداً مشتركاً يساند كل منهما فيه الآخر).

ولكن سرعان ما تبخر مفهوم حقوق المؤلف وبات امرا متعذرا مع تطور آلة التصوير ويعزوه المؤلف مرة اخرى لليسار الذي يعمل على التقليل من شأن مفهوم الملكية الأدبية أو شيوعية الأدب وما موت المؤلف إلاّ تجلٍ آخر لإنكار الملكية إذ انها ليست انتاجاً فردياً بل نتيجة لمواقف جماعية ونحن إن سلمنا بالأولى فإننا نحتج على الثانية ناهيك أن السؤال المطروح هو أنّ التكنولوجيا تحولت إلى ظاهرة كونية في السنوات الأخيرة مع خفوت التيار اليساري وسقوط معسكراته وقطبيته فكيف يمكن التوفيق الجميع بين متعارضين؟

وللانتحال وحقوق التأليف وَقءعٌ حدّي في بلورة التصور هناك لا سيما ان المؤلف يستعرض الدور الأخلاقي كحقوق التأليف عند الرومان يقول نقلاً عن جودما: (ليس فيه كلمة واحدة توحي بان للمؤلف او الفنان الحق في منع استنساخ عمله او منع الآخرين من الاداء العلني إو إعادة إعداد هذا العمل أو أي استخدام آخر له سواء كان ملائما متفقا مع القواعد المتبعة ام غير ذلك). بل إن ندوة حقوق التأليف طرحت المحور وساهم ج. و. ارمسون الذي عبر عن شعور عام لدى المشاركين بأن الانتحال ليس إلا مسألة قانونية مجردة لا يمكن ان نميز بينها قانونيا وبين أي نشاط كتابي آخر.

يعود المؤلف إلى سير عقلاني لتحرير مؤثر جدّ خطير في انتحار الادب وهو التكنولوجيا.. ثقافة الكتاب وثقافة التلفزيون كامتداد لسنن القوى التاريخية التي تؤسس لتغير مناحي وموجات من الطاقة الدينية تؤثر في القيمة الثقافية والانساق الاجتماعية ثم يؤولها تأويلا جدلياً مؤسساتيا: (كلما أصبحت وسائل الاتصال هي الصورة الأولى للانتاج وظروف العمل فإن التغير أصبح أكثر ميكانية بحيث يدفع شيئا ما بالشيء الآخر وأصبح الأمر أساسا مجرد سريان لمعلومات) وفي سياق الحديث عن الحاسوب يطرح بول دولاني مقالاً عن (الحاسوب والنقد الأدبي يلتئم فيه رأيه مع ما ذكر آنفاً ولاحقا فهو يؤكد أنه (لم تنطفئ شهرة البنيوية الأدبية نتيجة عدم قدرتها على كشف البنى المعقدة في الأعمال الأدبية ذلك أن المنهجيات البنيوية نفسها تنتج هذه البنى بسهولة، لقد مات البنيوية لأن النقاد تعبوا من استخدامها فقرروا ببساطة أن يتجاوزها تاركين وراءهم أرضاً محروقة مثبطين همة كل راغب في ان يحلتها ولقد اهمل مشروع بناء فن شعر شمولي باعتباره هذيانا علميا تافهاً واصبح النقد سلسلة من التأويلات دون هدف وغاية)(1)

وهذا التنظير الحاسوبي يفتح باباً للمراجعة لا سيما في هذا المحور المفصلي فالمؤلفات تؤكد أن الوسيلة الرئيسة للاتصال لا تغير طريقة صنع الأشياء فحسب بل تعيد تشكيل الوعي نفسه وتحوير الادراك الحسي وافتراض نوع مختلف من الصدق عما ذكر إلفين كرنان ويذكر لمزيد من البرهنة أن المجتمع الاغريقي استبدل بالفلسفة الشعر بسبب ظهور المجتمع الشفوي وتم التحول الآخر بظهور الطباعة ولكن ماذا عن الرواية في هذا السياق العلمي المعقد وهي مرحلة حاسمة في استعراض (موت الأدب) كسيرورة وبراهين لا سيما اذا راجعنا مع المؤلف ازمة القراءة فهو يذكر ان قاعات القراءة ومخازن مكتبات البحث الكبيرة لم تعد الاطار اللازم للمعرفة والقارئ المنفرد الذي يجلس وحيداً يقرأ في صمت لم يعد هو صورة الإنسان الذي يحصّل المعرفة. وأزمة القراءة والكتابة اصطلاح صيغ للاشارة الى تدهور المهارات القرائية والكتابية ويحمل مرة اخرى على الحداثة والنظرية التفكيكية واصفاً اياها باكثر النظريات جذرية تفترض ان كل لغة بطبيعتها غير محددة وغير يقينية مما يجعل القراءة نسبية وإشكالية.
ولعل الظاهرة العالمية في سياق الحديث عن ضمور المكتوب أمام المرئي هو التلفزيون حيث يناقش بلغة رفيعة ما يؤمن به تلقائياً والفوضى الهرمية وإعادة ترتيب المواضع مكانياً وحتمية التلقي الحسي غير المشروط وإن كنا لم نحدد بعد درجة الشفافية التي تحكم العلاقة بين المطبوع والمرئي والبعد التكاملي في السيطرة على آلية التلقي.

يقول المؤلف (يتزايد عدد الأفراد الذين يستمدون من التلفزيون على نحو غير واعِ حسهم بالواقع وموقعهم الوجودي فيه ومع تزايد هذه الظاهرة فإن العالم الذي كان مقروناً بالأدب سيصبح أكثر فأكثر أقل مصداقية ومع الزمن سيصبح مشكوكاً فيه تماما).
التفكيكيون او الثوار لا يكادون يغادرون محاور المؤلف ففي حديثه حول المعركة من أجل الكلمة والقواميس والتفكيكيون فقد اتفق جونسون صاحب القاموس مع التفكيكيين على ان اللغة اعتباطية وغير جوهرية بطبيعتها وهذا ادى الى سيطرة الثوار على اللغة وإعلان سلطانهم عليها وتبرز - في رأيي - مقدمات الانسجام في الرأي عندما اكد على (أن اللغة ليست نتاجاً لمنطق ما بقدر ما هي فهرس للعالم) والحاجة على مجاز واستعارة الشعر ستقتحم باستمرار اللغة. وفي السياق ذاته لن يفوته التعريض بالبنيوية وإثارة هالة من الشكوك (قامت البنيوية بتنظيم الشكوك حول اللغة بأن افترضت وجود وضع لغوي منعزل انعزالاً جذرياً فلم تعد اللغة تتعرض لتسمية العالم كما فعل آدم في تسمية الحيوانات.

فليس هناك علاقة جوهرية بين العلامة اللفظية والمدلول) ولكن واقعنا العشريني يفترض قَدَراً تصارعياً يدفع بالكلمة إلى موقع هرمي أعلى لتنفذ دورها في إدارة الصراع وكرنان رغم عدم قبوله بذهبية هذا العصر لغوياً إلى أنه يصفه بالحيوية اللغوية غير العادية عارضاً لهتلر كنموذج لا يطال في استخدام اللغة يقول: (إن كل السيول الجارفة التي بدأت بها في التاريخ كل الحركات الدينية والسياسية وجعلتها فاعلة في حركتها كان وراءها دائماً قوة واحدة منذ اقدم العصور وكانت هذه القوة هي الكلمة وليس شيئا آخر غير هام(2)، اذا النشاط اللغوي لم يفقد وهجه ووجاهته ولكن التناوب الصوتي على هذا النشاط أخذ في التبدّل من ازدحام النشاط بتشخصيات شكسبير إلى سلبية تسقط معها نظريته (الفرح الكبير للغات) كما يصف الأدب.
ولعلي اختم هنا تعليقي على الكتاب في الاختلاف حول شجرة المعرفة وحضور الادب في العالم الاجتماعي فهو ابتداء يشكك اهليته للموقع الاكاديمي فيذكر ان الادب واقعي حتى ان التفكيكيين التشكيكيين يفترضون ضمنياً واقعيته ثم دخل نطاق الممارسة الأكاديمية في القرن التاسع عشر دون اتفاق على ماهيته في برنامج ادبي فهو إذاً نشاط اكثر منه شيء آخر مما يفضي الى عدم موضوعيته التي لا مهرب منها والسؤال هنا ان ثمة حقول وتخصصات جعلت من الادب مستودعاً لنظرياتها المعرفية تبوأت هذا الحقول مواقع عليا في الهرم الاكاديمي فكيف بالادب المشكوك في موضوعيته على حدّ رفض الكاتب واقصد علم النفس وذلك ساعة يشير سيجموند فرويد الى خزانة كتبه الادبية قائلا هؤلاء هم آبائي).

ويذكر الكاتب مجدّدا أن الأدب له مكان إلاّ في الواقع الاجتماعي فهو في زعمه فكرة فطرية او مثال افلاطوني او مقولة قبلية وغيرها من خيرات الماهية بل ان العلاقة بين الثقافة والمجتمع محصورة في تفاعل آلي يحيل اليافع الى اقامة الواقع الاجتماعي الى لون من المغامرة يدفعها النهب في السلطة والاختلاف معه يكون في أن الوصول إلى السلطة الاجتماعية نتيجة حتمية للمثقف المغامر والنتيجة البعيدة تؤكد ان الانخراط في تفاصيل الواقع لا يكون بمباشرة الشارع كما يظن فتأثير الاديب بعيد المدى اختماري يؤسس نظرية الحياة في اللاوعي والحضور يكون بمشروع التغيير الجماعي فكل مناشط التغيير في العالم لا سيما الحديث منه اتكأت على فرضية مثقفة ضخمها السلوك المتلقي وحولها من رأي الي عقيدة وكتاب (العقد الاجتماعي) لجان جاك روسو يُعدّ من ابرز أسباب الثورة الصناعية في باريس فالادب في تصوري باقٍ ما بقيت رغبة الانسان في الانقلاب على ما هو قبلي. يقول المؤلف: (فالمعنى وليس الوقائع هو ما تبحث عنه البشرية والمجتمع وهو مجموعة من الحقائب المعدة او القواعد والقوانين لمعالجة الوقائع غير الناضجة واحالتها الي معنى هو ابسط وابقى المناهج البشرية للعثور على المعنى).

ويطرح اخيرا كرنان محوره المستقبلي ساعة يذكر أن اهتزاز الموقع التصنيفي للآداب في العلوم الإنسانية وإدراجه في شجرة المعرفة الرسمية كان موضع رهان ولكنه ادرج وبات وسيلة هامة للمعرفة ولكن هل سيحتفظ بمكانته في اللائحة الأكاديمية؟
وللإجابة يجدر بنا عرض ما قال حول ما ذكر بصدد أسباب اختلاله رغم عدم اتفاقنا معه على وجه التمام: (الارهابيون المتفلسفون من التفكيكيين والثوريين المحاربين من اجل (حرية) المرأة قد يكونون جميعاً مجرد موجات او موضات الزمن الحاضر). وهو هنا يربط بين بقاء الادب من اللائحة الاكاديمية وسقوط الارهاب التفكيكي.

ان الفين كرنان كان حزبياً في رفضه للحزبيه ودفاعه عن الادب كان بسبب ما طرأ على آلية التلقي عند الشريحة الكبرى من مثقفي وأدباء وأكاديميي الغرب من قبل لما هو عبثي ودفاعه دفاع عن نمط معين قد يكون رومانسياً أو كلاسيكياً وكأن السيرورة الفعلية ستبقى قانعة بما هو صارم بنيويا دون العرضي واللامتوقع واقتراح اللامتوقع يؤسس لبنائه ذهنيا ثم واقعياً والطفرة التقنية لا متوقعة اسسها غيابها في اللاوعي الانقلابي والمؤلف لم يجب حتي نهاية الكتاب عن طبيعة هذه النقلة الاجتماعية الحاسمة عندما قال: (لا نملك اسما مقنعاً لهذه النقلة الاجتماعية).


* قراءة في كتاب (موت الادب) من تأليف ألفين كرنان وترجمة بدر الدين الديب واصدار المشروع القومي للترجمة.
1) مجلة ثقافات - العدد الثالث.
2) كتاب (كفاحي) لادولف هتلر..
 

**********************

Back to Top 


 © Arab World Books