تمنيت أن أكون رســـاما.. ولغتي ألـــوانا


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 


حوار مع الكاتب ادوار الخراط
أجرى الحوار : سامح سامي - شفاف الشرق الأوسط



قال ادوار الخراط للفنان عدلي رزق الله في معرض لعدلي في بداية الثمانينيات: انك ترسم ما احلم بكتابته، ولكن تلك إمكانيات التشكيل التي لا نستطيع منازلته فيه. ولكن الفنان عدلي أصدر كتابا تحت عنوان :" الوصول الي البداية " يقول فيه: "عند قراءته – يقصد رواية الزمن الآخر للخراط – أعرف مدى مجاملة ادوار حين قال لي انه لا يستطيع منازلة التشكيل فقد فعلها في كتابة رامة الانثي / الفن. الآلهة الأم / الوطن. أليس فيها تلك الرامة موازاة كاملة للآلهة الأم في أعمالي؟ معروف أن الخراط روائي وشاعر وقاص، وهذا المعلن عنه. ولكن القريبين منه يعرفون مدى عمق ووسع إدراك الخراط لجميع المعارف من أدب وفن تشكيلي وفلسفة ونقد وفكر، ولكن اقرب الأشياء الى فكر وقلب الخراط هو الفن التشكيلي، فهو حين يكتب يرسم. فهو يكتب بعقل وحساسية الرسام وحماس النحات .. تتكون لغته من ألوان ..

في هذا الحوار نتعرف على الخراط فنانا تشكيليا بالقلم وليس الفرشاة، ونتعرف منه على مقتنياته من لوحات أصلية ومستنسخة وصلته بالحركة التشكيلية

* متي بدأت صلتك بالفن التشكيلي ؟

** لعل صلتي بالفن التشكيلي قد اتخذت صورة خاصة مع أنها شائعة في حياة معظم الأطفال من فئة اجتماعية معينة علي الأقل هذه الأيام، أما في 1932ونحوها فلعلها لم تكن من خبرة معظم الأطفال..حتى في تلك الفئة من الطبقة الوسطى الصغيرة في أطراف مدينة مثل الإسكندرية.


* وماذا كان يجذب انتباهك في هذه الفترة، وكيف نما عندك تذوّق الفن التشكيلي ؟

** الصور الملونة متقنة التشكيل والتلوين التي كانت مدارس الأحد توزعها وعليها كتابة باللغة القبطية وشرح بالعربية، تصور مشاهد وأحداثا من الكتاب المقدس مثل خروج آدم من ملكوت السماوات أو طوفان نوح أو سلّم يعقوب أو ميلاد السيد المسيح، كنت في السابعة أو السادسة، وملتهب الروح بالدين ورؤاه الخارقة، وها أنذا أراها مصورة نافذة الوقع يمتزج فيها التشكيل البصري الدقيق بما هو وراء الواقع الأرضي.


* وهل شاهدت اللوحات الأصلية للفنانين الذين شدوك لهذا العالم منذ الصبا ؟

** نعم شاهدتها عندما نزلت باريس لأول مرة في 1960 ، وعرفت فرحة اللقاء بهذه الأعمال وصدمة التعرف المباشر للوحة الأصلية – بما تحمل من عبق وحضور لا يبارى ولايمكن ان تثقله المستنسخات – وقضيت أيام زيارتى كلها في "متحف الفن الحديث" قبل ان ينتقل الى "البوبور" ، و"الاورانجيري" و"اللوفر" ، ومازلت اقضي الساعات الطوال كل مرة ألم فيها بالمدينة الساحرة أمام الإبداعات المتجددة التي انتقلت الآن الي "الكي دورسي"، وفي الجاليرات الصغيرة الأنيقة في "سان جرمان دي بريه" ، ومازال دأبي وديدني ان أعرف من جديد إبداعات الفن التشكيلي في متاحف لندن أو برلين أو زيورخ أو موسكو أو ليننجراد أو نيويورك.


* هل صحيح انك كتبت روايتك " حيطان عالية " في مرسم الفنان احمد مرسي ؟

** نعم عندما استقلت من عملي في شركة التأمين الأهلية سنة 1955ومنحت نفسي إجازة تفرغ على حسابي كتبت فيها الجزء الأحدث والأوقع من "حيطان عالية" كنت اعمل وسط لوحات اأمد مرسي التامة أو التي في سبيلها للتمام، في اضطراب الأشياء التي يعرفها كل فنان في مرسمه بين لفات الورق والقماش وبراويز اللوحات الفارغة، وأنابيب الألوان وزجاجات الترابنتينا برائحتها الفواحة المختلطة برائحة ألوان الزيت ،وكتب الفن الغالية النادرة التي كان احمد مرسي شغوفا باقتنائها، بالتقسيط ، من محب للفن في شارع فؤاد اسمه اوسكار يعيرنا أحيانا ما لا طاقة لنا بشرائه من هذه الكتب الفخمة، هائلة الإخراج ،فادحة الثمن حتى بمقاييس ذلك الزمان.


وعندما كانت تلج بي الوحدة أو المضض أو تباريح الكتابة والغرام، كنت اصعد من المرسم الذي كان نصفه تحت الأرض وله نافذة تطل علي الحديقة الصغيرة المخضرة بعشب يافع ، الى مرسم النحات العظيم محمود موسي، في الدور الأول لأجده باستمرار ودون توقف يضرب بأزميله الصلب في الجرانيت أو البازلت ، وهو يحكي حكاياته التي لا تنتهي عن مغامراته ، ولا ينجو احد من لاذع تعليقاته ، وله دائما نفاذ الرأي بنظرة سليمة وحدس ذكي في كل ما يعى لنا ان نتحدث فيه وهو مازال يطرق المادة الخام – اصلبهاواعتاها – لكي يطوع منها تحفه الجميلة مرهفة الرقة ومكينة البنيان معا

وعندما افتتح بينالي الإسكندرية كانت الترجمة العربية للمقدمة التي كتبها له ايميه آزار من عملي، وعرفت أيامها – وقبل ذلك – فنانين من قبيل عبد الهادي الجزار ورفاقه سمير رافع وإبراهيم مسعودة وماهر رائف ويوسف سيده ممن كانوا يقيمون معارضهم الأولي في دار جمعية الصداقة الفرنسية في شارع فؤاد.

وحتى أبان اشتغالي بالحركة التروتسكية الثورية في الأربعينات كانت زيارتي الأولي لرمسيس يونان في مرسمه بدرب اللبانة تجربة لا تنسى ونشأت عنها ونمت علي طوال السنين صداقة متينة، وحية بيني وبين هذا الفنان الشامخ رهيف القامة عميق الوجدان.


* لماذا لم تسلك طريق الفن التشكيلي خاصة انك شغوف بهذا الفن ؟.

** تمنيت – لو لم أكن كاتبا – ان أكون رساما أو نحاتا ولعلّي – على نحو ما – مارست التصوير بشكل أخر في كتاباتي الروائية والشعرية حيث اللغة أحيانا تقوم – وحدها وبما تحمله من طاقة – مقام اللون بكل أطيافه ودرجاته، من الزعفراني إلى اللازوردي ومن القاني اليانع الي الأبيض الساطع أو تقوم مقام مادة النحت الصلبة الصوان أو البازلت أو الناصعة المرمرية، وحيث يحتل المشهد البصري أو التجسيم الذي يكاد يكون نحتيا مكانة لعلها أولى من هذه الكتابات.

وقد تكون ثمة لوحات ساكنة ينتفي فيها الزمن – على الأقل فيما يبدو ظاهريا – كما يحدث في اللوحات التشكيلية أو المجموعات المركبة النحتية ثم تلبث عند نقطة ما قد تكون خارجية مشهدا طبيعيا أو طبيعة صامتة، وقد تكون داخلية أفقا لسماء روحية كما يحدث في تصوير أفق السماء أو أفق البحر، لكنها منبعثة على هيئة مجسدة بلغة ملونة أو منحوتة – والنحت هنا بأكثر من معنى – لكن ذلك بطبيعة الحال لا ينفي وجود حركة درامية ما اظنها قائمة بالفعل في أفضل الصور أو اللوحات أو التماثيل، هذه على سكونها الظاهري تموج بحياة داخلية جياشة ودرامية في تناغمها أو في تنافرها، في تناسقها أو تناقضها كما لعله يحدث في فن أخر زمني بامتياز أو درامي بامتياز، هو كما لا يخفي الموسيقي السيمفونية، فلعل الصراع بين اللازمنية وبين الحركة الدرامية من خصائص الفن التشكيلي عامة ولعله فيما أتصور من سمات كتابتي في الوقت نفسه.


وفي دراسة للباحث التونسي محمد الخبو عن كتابي "إسكندريتي" قال: "إن النص الخراطي تضخم فيه حضور المكان في حين تراجع الزمن .. تقلص السرد وتضخم الوصف". أليس ذلك بالضبط ما يحدث في اللوحة التشكيلية ؟

* اعرف أن لك كتاباً تحت الطبع تحت عنوان "في نور آخر: رؤى ودراسات في الفن التشكيلي" تتحدث فيه عن الفن القبطي ضمن فصول الكتاب، وكتبت مقالا عن الفن القبطي نشر في جريدة وطني. لماذا، أو ما الذي شدّك في هذا الفن ؟

** إن الفن القبطي أساسا هو حلم ظل يراود الإنسانية منذ الأبد ويظل يراودها حتى الأبد، حلم التماسّ مع المطلق ، مع ما وراء الواقع اليومي ، وإن ظل حلما يضرب بجذوره في الحياة بكل واقيتها العميقة التي تنبع مما هو غير قابل للتفسير .

نظرة العينين القبطيتين تحمل أكثر من النظر، أكثر من مجرد الرؤية، إنها تقترن بالرؤيا، لكنها تظل رؤيا لا تصل الى إجابة، لا تعرف اليقين، بل تسعي الى تحقيق يظل مستحيلا في لا نهائيته ولكنه دائما قائم ماثل في نهائيته الإنسانية.

هذه رؤيا تجمع على نحو فريد بين القدسي والأرضي، فإذا كانت تتجاوز ما هو دنيوي مبتذل الي ما هو مطلق وما وراء الواقعي فأنها تظل محتفظة بما يجعل حياة الخلود متصلة أوثق اتصال بالحياة على الأرض، مومياء المرأة القبطية، شأن جداتها الفرعونيات، تحمل معها حليها : قرطها وعقدها وزينتها حتى وهي عارية، وهي مع ذلك كأنها ترى في عمق العينين النجلاوين رؤى غير أرضية، مومياء الرجل القبطي، وصورته التي تطالعنا بحياة ساكنة وثابتة مهيبة ورصينة وهي مع ذلك تتدفق بديناميكية متفجرة تكاد تردنا عن الاقتراب منها أكثر مما ينبغي لفرط قوتها وحضورها، كأننا نراها اليوم في شوارع شبرا بالقاهرة أو احدى قرى الدلتا أو بيوت الصعيد، وهي في الوقت نفسه ليست من دنيانا .

الألوان الحارة تلتئم مع الرؤية الحارة في انصهار، كما يلتئم التأملي بالشعري والنسبي بالمطلق والمقدس بالدنيوي في توحد لا انفصام له.


* لعل ذلك ما تمارسه حين تكتب...؟

** نعم فإنني اكتب نصا أتصور أنه مشرب تماما - عن وعي أو عن غيره- بيقين ولا أقول عقيدة، بأن المطلق إنما يتجسد في الإنسان، وبأن الخالد والعرضي هو واحد في الآن نفسه، وان الإنسان هو المطلق دون قسمة، وان التوحد بين الإنساني و القدسي مكتمل أو هذا ما أرجو أن أكون قد فعلت في كتاباتي.


* ما هي أهم اللوحات التي تقتنيها في منزلك ؟ وهل تقتني لوحات أصلية لفنانين عالميين ؟

** أنا لا اقتني اللوحات الأصلية لكبار الفنانين العالميين لان ذلك يخرج على نطاق إمكانياتي المادية المتواضعة. ولكن لدي بعض اللوحات الأصلية من ثلاثة فنانين أصدقاء هم : الفنان عدلي رزق الله والفنان احمد مرسي والفنان والفيلسوف وأستاذ التحليل النفسي سامى علي المقيم بباريس،

يالاضافة الي أنني اقتني مستنسخات كثيرة جمعتها من عواصم الفن الكبرى، باريس وبرلين ومدريد وموسكو، لفنانين كبار مثل غويا وفان غوغ وعلى الأخص رينوار، وأيضا مستنسخات من فن التصوير الفرعوني القديم, وأقتني لوحات لإبني ايمن الخراط وهو مصور ورسام، واقتني لوحات لآدم حنين على ورق البردى، وأقنعة افريقية، وأيضا أقتني أشياء غريبة جدا وهي لفنانين شعبيين لا إسم لهم .. ليست لوحات بل أعمال صغيرة تصور أشياء مثل رحلة العائلة المقدسة والملاك ميخائيل وهو يطعن بالسيف الشيطان وأيقونات شعبية إثيوبية.


* هل لديك ميل خاص لمدرسة معينة في الفن التشكيلي على أساسها تشترى اللوحات ؟ وهل تفضل الواقعية أم التجريدية أم التشخيصية ؟

** ليس لدي ميل خاص إلا أني أري ان الواقعية الآن لم تعد كافية لان تفي بالرؤية الحداثية في الفن التشكيلي فقد استنفدت أغراضها بكل ما يمكن ان تصل إليه الواقعية .. إنما التجريد يسحرني وأفضل ما يجمع بين ما أسمّيه ما وراء الواقعية دون ان يكون خلوصا تاجا للتجريدية ، حيث توجد عناصر تشخيصية في قلب بنية مركبة بين التجريدي والتشخيصي مؤسسة على المغامرة والجدة والأصالة والفردية للفنان.


*وما رأيك في الحركة التشكيلية في مصر الآن ؟

** حركة غنية متنوعة الاتجاه وفيها مغامرات جيدة وعظيمة خصوصا من رسامين أمثال: حامد عبد الله ومحمود سعيد، ولكن الذي يمكن ان يؤخذ على هذه الحركة اتجاه يكاد يكون متفشيا، وهو تقليد المذاهب الغربية الأوربية.

**********************

Back to Top 


 © Arab World Books