حماة.. و رعاة.. و رقباء 


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 

تأليف: ريشار جاكمون
ترجمة: بشير السباعي

‏علي كثرة الكتب التي أصدرها المستعربون حول الأدب المصري الحديث تحليلا وتنظيرا وتقعيدا، تتميز محاولة المستعرب الفرنسي ريشار جاكمون بكونها الأشد حميمية ومعايشة واقترابا من الجوهر. فريشار ليس مستشرقا جاءنا من عند الخواجات محملا برؤاهم ودهشتهم الساذجة من عالم ألف ليلة الحسي والشرق الساخن جنسيا، بل هو مستعرب، قضي في مصر نحو خمسة عشر عاما، صديقا للعشرات من الكتٌّاب والفنانين من كل الأجيال والاتجاهات. والفرق بين المستشرق والمستعرب واضح كما يري القارئ.

ولا يعني هذا أنه ليس منحازا، علي العكس، ينحاز ريشار للحرية واستقلال الأدباء والأدب عن الدولة ومؤسساتها وعن الرقابة الذاتة، حيث يتوقف طويلا عند احتكار الثقافة وقانون الحريات المتناقضة ورقابة الشارع والنشر والسوق والهيمنة والهوية وهامش الحقل الشرعي والأجيال والجماعات والشلل.
تلك العناوين السابقة مجرد مثل علي الجهد التحليلي والتنظيري الذي استخدم ريشار من خلاله منهج عالم الاجتماع الفرنسي الراحل بيير بورديو ليكشف لنا عن حقائق مدهشة وجديدة علينا أن نقرأها بعناية.

ومنذ السطور الأولي لكتابه يتضح انحيازه للاستقلالية في جميع حقول الإنتاج الثقافي، وانحيازه في نفس الوقت وقناعته ب'عالمية قيم الحقيقة والحرية التي يتعين علي العالم والفنان­ معا­ أن يدافعا عنها متضامنين، مهما كان انتماؤهما الوطني أو الديني أو العرقي' حسبما كتب في مقدمته.
وأضاف أيضا: 'إن فكرة استقلالية حقول الإنتاج الثقافي تعد، عند بورديو وعند من ينحو منحاه مفهوما تحليليا لدراسة ما يدور من صراعات في حقل ثقافي ما، ومشروعا سياسيا وأخلاقيا في أن واحد، هو الدفاع عن المثقف الحر، المستقل ضد كل أشكال السلطة التي تهدد استقلاليته: سلطة الدولة، سلطة الدين، سلطة السوق، بل وسلطة الآخر المهيمن ثقافيا (الآن) وسياسيا (أثناء الاستعمار).. حسبما كتب ايضا في مقدمته.
وفي بداية حواري معه حول هذه القضايا قلت له:

علي الرغم من أن كتابك أكاديمي وملتزم بكونه أكاديميا، إلا أنه مع ذلك يتميز بالحيوية الشديدة، فقد أخلصت للواقع الذي تعمل عليه من أجل فهمه وتحليله، فكيف جمعت بين الأكاديمية وما يشبه السيرة الذاتية شبه السرية للأدب المصري الحديث.
­ أنا محظوظ جدا إذا قارنت بيني وبين زملائي المستعربين لأني عشت في الوسط الذي حللته أكثر من عشر سنوات، وهي مدة قلما تتوافر لباحث أجنبي، ثم أنني عشت في هذا الوسط ليس كباحث يستكشفه من الخارج ولكن كشريك عمل أتعامل مع الناشرين والكتٌّاب والمترجمين في ظروف مهنية وليست بحثية.
ومحظوظ أيضا لأنني درست العلوم الاجتماعية قبل أن أدرس اللغة العربية والنقد الأدبي، وهكذا وقعت علي بيير بورديو الذي أعتبره أهم عالم معاصر في علم اجتماع الثقافة، لأنه أخرج الدراسات الأدبية من الثنائية العقيمة.. ثنائية القراءة الخارجية للأدب، أي الأدب بوصفه مرآة للتاريخ أو المجتمع، الوقراءة الداخلية أي الأدب بوصفه نصا مكتفيا بذاته يقرأ بالمقارنة مع نصوص أخري بعيدا عن أي اعتبار اجتماعي أو تاريخي واستبدل بورديو هذه الثنائية بالجمع بينهما عندما توصل إلي مفهوم الحقل الأدبي. والأخير يعني الوسط الاجتماعي الذي ينتج فيه الأدب. هذا الوسط له تاريخه الخاص ومؤسساته الخاصة وقيمه الخاصة، ودراسة تاريخ هذا الحقل هي التي تعطينا المفتاح لفهم تطور الإبداع وديناميته الخاصة.

هل هناك مثال محدد استبدلت فيه­ مثلما فعل بورديو هذه الثنائية بمفهوم الحقل الأدبي؟
­ الدليل الأوضح علي وجود الحقل الأدبي وفعاليته هو فكرة التجديد. إن كل جيل جديد من الكتٌّاب يستمد مشروعيته من أنه جدٌّد في النوع الأدبي أو الفن الذي تخصص فيه. هذه الفكرة فرضت نفسها في مصر في بداية القرن العشرين، وأعتقد أن أول تعبير واضح عنها هو ما نجده في مقدمة الديوان التي كتبها العقاد والمازني وطالبا فيها بحقهما في تجاوز نموذج القصيدة الاحيائية، أي أنه لأول مرة يطالب الكاتب الشاب بحقه في الوجود الأدبي عن طريق 'قتل الأب'. ثم تكررهذا بعد ذلك مع كل جيل من الشعراء، مما أوصل الشعر العربي لتجاوز القصيدة التقليدية للرومانسية للتفعيلة وأخيرا قصيدة النثر. هذا التطور لا يفسره التاريخ الممتد للتحولات الكبري في المجتمع، ولا تفسره كذلك علاقة النصوص ببعضها، وإنما تفسره الدينامية التاريخية الخاصة بالحقل الشعري.

هل تقصد أن هناك دينامية خاصة للحقل الشعري منفصلة عن التحولات الكبري في المجتمع؟
­ نعم.. بل هي منفصلة عن الدينامية الخاصة بالحقل الروائي، بدليل أن الأجيال الكبري التي غيٌّرت مجري تاريخ الشعر لا تتزامن مع مثيلتها في الرواية. فنحن مثلا نتحدث في الشعر المصري عن جيل الخمسينيات وجيل السبعينيات، بينما نتحدث في الرواية عن جيل الستينيات، أما الستينيون في الشعر فهم تابعون لرواد الشعر الحر، مثلما هو الحال بالنسبة للسبعينيين في الرواية. لكن ما يضلل النقاد أن الأجيال الأدبية الكبري تزامن ظهورها مع أحداث تاريخية كبري، ثورة 1919، ثورة 1952، هزيمة 1967، حرب الخليج الأولي.. مما يعطي انطباعا أن هذه التيارات الأدبية مجرد رد فعل لظرف تاريخي معين.

لكن واقع القصة القصيرة علي سبيل المثال.. يشير إلي ما يتناقض مع ما تقوله. فالقصة ارتبطت­ علي نحو غير ميكانيكي بالطبع­ بالهبات والانتفاضات الكبري في المجتمع. فمثلا جيل المدرسة الحديثة هو جيل ثورة 1919 بامتياز، ويوسف إدريس ابن انتفاضة 1946، والقصة في الستينيات بلغت ذروتها عشية وبعد هزيمة ..1967 وهكذا.. فما رأيك؟
­ طبعا لا أنفي وجود تفاعل بين الكاتب والأحداث الكبري خاصة في مجتمع يعتبر فيه المثقف نفسه مكلفا بالتعبير عن مجد الأمة، ولكن هذا التفسير هو المعروف والشائع، وهو غالبا ما أعطاه النقاد أهمية مبالغا فيها أو جعلوا منه التفسير الوحيد لحركة الإبداع. لذلك وجدت من الضروري (لوي العصا في الاتجاه المعاكس)­ حسبما عبٌّر بورديو­ ويعني اللجوء إلي نوع من المبالغة لإثبات فكرة تناقض التيار السائد.
فبالنسبة للقصة القصيرة نستطيع أن نقول أنها مرت منذ جيل المدرسة الحديثة، وحتي جيل التسعينيات بمراحل تشبه المراحل التي مرت بها القصيدة، أي التطور التدريجي والتخلي عن القيود الخاصة بالمضمون الواقعي أو بالشكل السردي، إلي أن أصبحت تشبه الآن في بعض الحالات قصيدة النثر، بل إن هناك كتابات يصعب تحديد جنسها: هل هي قصة قصيرة أم شعر منثور؟

لاحظت أنك تتعامل مع الدور الذي يكاد الكتٌّاب أن يجبروا إجبارا علي الانخراط فيه في مصر­ وهو دور يقترب من السياسة بشدة، لاحظت أنك تتعامل معه أحيانا بوصفه جانبا سلبيا قلل الكثير مما كان ممكنا أن يتطور إليه الإبداع.. هل هذا صحيح؟
­ هذه هي الإشكالية الأساسية في الكتاب. هذا الدور المفروض علي الكتاب، هو أيضا دور يسعون إليه. أي أنه قيد وفرصة معا، إنه يقيد حريتهم في التعبير الأدبي، وفي نفس الوقت يحميهم من مزالق التجريب من أجل التجريب أو الفن للفن أو البرج العاجي. لذلك اعتبرت أن الجماليات السائدة حاليا في الحقل المصري، وهي الجماليات التي فرضها جيل الستينيات هي محاولة للإمساك بطرفي العصا: أي أن تكون الكتابة ملتزمة أي مرتبطة ارتباطا وثيقا بقضايا المجتمع، وفي نفس الوقت تكون متحررة تماما من كل القيود والتي يفرضها هذا الالتزام. وأنا كقارئ أنحاز دائما للأعمال التي تقترب من هذه المعادلة الصعبة: أي بعبارة أخري تبنيت الجماليات السائدة في الحقل الأدبي المصري.
لكن الواقع أن الأعمال التي تقترب من هذه المعادلة المعجزة ليست سوي قلة قليلة ما يصدر، والغالب هو وقوع العمل الأدبي في الذرائعية، أي أن الأدب ليس غاية، بل فقط مجرد وسيلة أو ذريعة للتعبير عن رسالة سياسية أو أيديولوجية، وهذا نتاج للواقع الاجتماعي المهني الذي يعيشه معظم الكتٌّاب، هو ما سميته ثنائية الكاتب بالمعني القديم، أي الموظف الكاتب، وبالمعني الحديث الفنان الحر من كل قيد. ومن هنا عنوان الكتاب 'بين كتبة وكتٌّاب' وهذا لا يعني أن هناك كتبة من ناحية، وكتاب من ناحية أخري، بل الظرف التاريخي والاجتماعي الذي يجد نفسه فيه.

لاحظت أنك أوردت ملحقا للفائزين بجوائز الدولة منذ انشائها.. ما السبب؟
­ هذا الملحق قد يبدو غريبا علي القارئ، إلا أنه ليس ملحقا للكتاب بل لفصل رقابات ورقباء. وفي هذا الفصل حاولت أن أبين أن الدولة تساهم في تحديد المعيار الأدبي ليس فقط بالسلب، أي عن طريق نبذ ما تراه خارجا عن معاييرها هي، ولكن أيضا بالإيجاب فدرست الدور الذي يقوم به المجلس الأعلي للثقافة، أو للفنون والآداب سابقا، لفرض معيار معين عن طريق جوائز الدولة، وكذلك درست المناهج المدرسية التي تقدم الأدب الحديث بشكل محدد وبذلك تحاول هي الأخري فرض معيارها.

لماذا تلجأ شأن نقاد مصريين آخرين لإطلاق صفة جيل كل عشر سنوات.. ألا تري أنه ليست هناك أمة في التاريخ تستطيع أن تنجب جيلا أدبيا كل عشر سنوات؟!
­ أنت بذلك تخلط بين تعريفين لكلمة جيل: التعريف الديموجرافي والتعريف الجمالي، وهذا يدلل علي المشاكل التي يمكن أن تثيرها هذه الكلمة.
وأشير هنا إلي الفصل المنشور في هذا العدد من الكتاب والذي يتناول تحليل هذه الكلمة، ورأيي أن السبب الأساسي لشيوعها هو عدم وجود سوق حقيقية للأدب بالمعني الاقتصادي، فالموارد والمزايا التي يمكن للكاتب الحصول عليها لا تأتي من بيع كتبه، بل من الدولة، وتتعامل الدولة مع الكاتب مثلما تتعامل مع أي موظف آخر، أي أنها ترقيه وتكافئه حسب أقدميته!! وإذا قارنت ما يحدث في الحقل الأدبي بما يحدث في الفنون التي تحظي بسوق أوسع، ستجد أن عنصر الجيل لا يلعب نفس الدور فيها مثل الموسيقي والتمثيل أو الإخراج السينمائي.

في نهاية كتابك تشير إلي أن الفترة القادمة لن تشهد ما يسمي بموت الكاتب الكبير، أي سقوط المثقف التنويري بوصفه ضمير الأمة، بل علي العكس ستستمر هذه المعاني مادام نسق العلاقات بين الكتاب والدولة والجماعة القومية والخارج لن يطرأ عليه تحول جوهري.. ما تنبؤك تحديدا؟
­ هذا هو موضع الخلاف بيني وبين أصدقائي من كتٌّاب التسعينيات وكما تعلم المقولة السائدة الآن بينهم هي سقوط الدور التنويري والجماعي للكاتب والعودة إلي الذات الفردية والإعلاء منها. وأنا أري أن جيل التسعينيات يكرر إلي حد بعيد، أو قل إلي حد أكبر مما يتصورونه تجربة جيل الستينيات. بدأ الستينيون ثائرين علي نموذج الكاتب الناصري، ثم تحولوا إلي المزج بين الالتزام والتجريب، أو ما أسميته 'الازدواجية السحرية'، وفي رأيي أن العديد من عناصر الثورة التي نجدها عند التسعينيين اليوم تعود إلي موقعهم الحالي، أي كونهم مازالوا مبتدئين ومايزالون محرومين من الموارد.
وإذا كانت الدولة ستجبقي نفس السياسات، أي ضبط واحتواء المثقفين، وإذا كان سوق الأدب سيظل محدودا كما هو الحال الآن، وإذا كان الخارج سيظل مهيمنا كما هو الآن، فأعتقد أن الشباب الطليعيين الثائرين الذين نقرأهم الآن سيمرون بتطور لا يختلف كثيرا عن الذي مر به آباؤهم.

أخيرا.. أصبحت الترجمة إلي اللغات الأجنبية الآن أحد المعايير الأساسية التي يتم بموجبها صعود الكاتب والاعتراف به.. فهل تري أن هذا أثٌّر علي الكتابة ذاتها، وبأي معني؟
­ هذا ليس جديدا، فمحمود تيمور كان في الثلاثينيات، والأربعينيات يدفع من جيبه الخاص للمترجم، أما الجديد فهو أن السوق الخارجية تعد الآن أكثر انفتاحا علي الآداب المهمشة سابقا، أو آداب الأطراف، وبالتالي يفكر الكاتب اليوم في الترجمة أكثر مما كان يفكر فيه أيام الناصرية. لكن المهم هو علاقة التبعية التي تربط بين الثقافة العربية الحديثة والثقافة الغربية، والتي تفسر الأهمية التي يوليها الحقل الأدبي للترجمة.
ومن الطبيعي بالتالي أن يؤثر هذا علي الكتابة، ولكن هذا التأثير غالبا ما يعتبر سلبيا في الوسط الأدبي العربي، لكنني أري أن له مع ذلك وجها إيجابيا عندما يكون حافزا للكاتب علي الإجادة. فالكتابة للتصدير­ كما يقولون­ لا تعني فقط كتابة الموضوعات المطلوبة عند الغرب، لكنها تعني أيضا صناعة منتج أدبي قابل للتصدير بمعايير الجودة العالمية، وليس بمعايير الهيئة المصرية العامة للكتاب!!
لذلك كانت علاقة الكاتب المصري بالخارج دائما لها وجهان: الوجه الإيجابي لأن الحقول الأدبية السائدة عالميا تحظي في الواقع باستقلالية أوسع من الحقل الأدبي العربي، وبالتالي يكون اللجوء إلي الخارج في أحيان كثيرة طريقا مشروعا للهروب من القيود الداخلية. أما الوجه السلبي فيتمثل في الرؤية الاستشراقية المتعالية للثقافة الغربية التي ماتزال مؤثرة كثيرا في الغرب، وكنت آمل أن تتقلص هذه الرؤية الزائفة في الثمانينيات والتسعينيات بفضل الترجمات والنشاط الأدبي والنقدي للتعريف بالثقافة العربية، كما هي في الواقع، حتي جاءت أحداث 11 سبتمبر لتعيدنا إلي الوراء لمدة قرن علي الأقل.

ففي المقام الأول، يسهم هذا المعيار المزدوج في زيادة تسييس الحقل بأشكال مختلفة. فالكٌتاب يستخدمون، في صراعاتهم الرمزية، خطابا مستعارا من الحقل السياسي ويستثمرون رأس مال اجتماعيا جرت مراكمته في هذا الحقل. وفي اتجاه مقابل، يستثمرون الحرية الأوسع التي تهيمن داخل الحقل الثقافي لكي يستوردوا إليه الصراعات والمناقشات التي لايمكن أن تدور بحرية في الحقل السياسي، وذلك بإلباسهم قناعا لهذا الصراعات والمناقشات. وهكذا تصبح الكتابة الأدبية، بفضل خصائصها النوعية، أداة ممتازة لإبداء النقد السياسي والاجتماعي. وفي عهد عبدالناصر، كان الإبداع والنقد الأدبيان، بالنسبة لمثقفين عديدين، بديلا للفعل السياسي أو امتدادا طبيعيا له. ولم تكن هذه الظاهرة جديدة: فمنذ الأربعينات بالفعل، نجد أن الحركات السياسية التي تدور في الفلك الماركسي، والمحظورة بصفتها هذه، قد أنشأت جمعيات ومجلات أدبية صاغ فيها مثقفوها بشكل علني الصيغة الأدبية أو الفلسفية أو الفنية لإيديولوجيتهم ولصراعاتهم السياسية السرية . والحاصل أن هذا التقليد الخاص بالتداخل بين الطليعية الأدبية أو الفنية والطليعية السياسية سوف يستمر بعد عام 1952، ولن نرصد إلاٌّ في التسعينيات قطيعة مع هذا النموذج القديم­ علي شكل عزوف شامل من جانب الطلائع الأدبية الجديدة حيال الفعل السياسي، العلني أو السري. وفي نسق الأفكار نفسه، ولعب الالتزام النضالي دورا جوهريا في التكوين الثقافي، بل والأدبي، لكتٌّاب عديدين تممت 'مدرسة الحزب' تكوينهم المدرسي والجامعي. حيث كان هذا التكوين بالغ الكفاءة، وذلك بفضل الوقت الذي كان يجب شغله كما بفضل تنظيم منهجي للعمل. وعلي الرغم من المكابدات البدنية والنفسية التي تحملها ضحايا القمع السياسي، إلاٌّ أنه كان مولٌّدا لاستعدادات ولأعمال أدبية ربما ما كانت لتري النور لولاه.

والحال أن المعيار المزدوج الذق فرضته السلطة إنما يرغم الكتاب علي استحداث لغة مزدوجة ذات أشكال ومضامين متغيرة وذلك بحسب الوضعية المزدوجة، الأدبية والسياسية، لكل كاتب. ومع الاعتراف بمشروعية المطلب، الذي غالبا ما عبٌر عنه الكتٌّاب، والخاص بوجوب الحكم عليهم (بما في ذلك في سياستهم) استنادا إلي العمل الأدبي وليس إلي خطابهم غير الأدبي، إلا أنه يبقي أننا لايمكننا أن نفهم هذا العمل فهما كاملا بإغفال النظر إلي هذا الخطاب، وبشكل أعم، إلي موقف وإلي مسيرة كاتبه في حقل السلطة.

وإذ تقارن سيزا قاسم الكتابين اللذين كرسهما صنع الله إبراهيم (ولد في عام 1937) لسد أسوان العالي، والذي يعد ملحمة قومية بامتياز لزمن عبدالناصر­ إنسان السد العالي (1967)، وهو عبارة عن ريبورتاج اشترك معه في تحريره صديقاه كمال القلش ورءوف مسعد (ولد في عام 1938)، وروايته نجمة أغسطس (1974، الترجمة الفرنسية: 1987)، فإنها تبين كيف أن الريبورتاج الذي يقدم نفسه بوصفه خطاب صدق 'إنما يعمل في اتجاه تضليل للقراء عبر الإجراءات المألوفة لخطاب التخييل'، في حين أن الرواية، 'بتجريدها اللغة من الوهم، تجرد الواقع من بداهته'. وهي تستنتج أن 'الفن صدق، بينما الريبورتاج خديعة'. وهو تحليل نافذ، لكن معناه لايكتمل نظرا إلي عجزه عن تحديد ظروف إنتاج هذين الكتابين: فإبراهيم والقلش ومسعد، وهم مناضلون شيوعيون سابقون، نزلاء للمعتقل من عام 1959 الي عام 1965، عندما حل حزبهم نفسه وانضوي تحت راية النظام. وفي عام 1968، يغادر ابراهيم مصر إلي ألمانيا الشرقية ثم إلي الاتحاد السوفييتي: بما يشكل أخذ مسافة جسدية وفكرية سوف تخرج منه نجمة أغسطس، المكتوبة في معظمها في موسكو والمنشورة في دمشق في عام .1974 وبعد عشرين عاما من ذلك التاريخ، يفسر 'لغته المزدوجة' علي النحو التالي:
أعددت أنا وصديقاي علي عجل كتاب رحلات عن تجربتنا أسميناه إنسان السد العالي. تعاملنا معه كواجب ثقيل يجب الانتهاء منه بأقرب فرصة (000) . ولم يكن هذا الكتاب يختلف في لغته وبنائه، كما هو واضح في العنوان، عن الخطاب الدعائي الحماسي السائد، لكني لم أشعر بأني أكذب، لقد كنت ببساطة أقوم بما خلته واجبي، مبررا لنفس أن أتقصي الحقيقة علي مهل، معطيا لنفسي الحق، بعد ذلك، في أن أعبر عن نفسي بحرية، أن ألعب لعبة الفن كما أشاء (5).

والحاصل أن تردد إبراهيم حيال ريبورتاجه ، الذي يجري التقليل من قدره في البداية ('واجب ثقيل') ثم يجري تبريره بعد ذلك بسطور قليلة ('واجبي')، إنما يشير إلي أن اللغة المزدوجة لاتفسر فقط بالرقابة وبالاستخدام الذرائعي للكتاب، بل هي أيضا ترجمة رمزية لهوية مزدوجة للكاتب الذي هو في آن واحد 'مثقف عضوي' و'فنان مستقل'، وهي هوية يجري اتخاذها أو المطالبة بها إلي هذا الحد او ذاك بحسب الأفراد.

قانون الحريات المتناقصة
'إن حرية (التفكير والإبداع) حق طبيعي لكل مفكر ومبدع (000)، لكن هذه الحرية لايمكن أن تكون مطلقة، بل يجب أن تكون مشروطة بشرطين: الأول امتلاك الصنعة والآخر حضور الضمير. حرية الفكر ليست حقا إلا لمفكر يستطيع أن يكتب فيقدم لنا أفكارا واضحة كاشفة مبنية علي أساس منطقي سليم. نتفق معه أو نختلف، لكننا لانستطيع الا التسليم بانه مفكر حقيقي فحرية الابداع ليست حقا الا لشاعر يستطيع ان يكتب فيقدم لنا قصيدة تهزنا وتمتعنا (الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي (ولد في عام 1935)، الأهرام، 6 يناير 1993).­ 'إنه لمن أعز أمانيٌّ أن يحظي الفكري مطلقة وأن يقتصر الخلاف فيه علي المناقشة العلمية الموضوعية (000) ومما يشجع علي شرعية هذه الأماني أن الفكر الحقيقي يدور في أوساط الصفوة من الراشدين، الذين لايخشي عليهم من الانبهار بالباطل. أما التعبير فالموقف مختلف. التعبير الفني أشمل من الفكر. إنه يعبر عن التجربة الإنسانية بجوانبها الفكرية والعاطفية والغريزية، ودائرة التعامل معه أوسع بكثير من المتعاملين مع الفكر. إضافة إلي ذلك فإنه كثيرا مايعرف سبيله إلي وسائل التعبير الجماهيرية، فيصل تأثيره إلي الأميين أنفسهم. من أجل ذلك يجب أن يراعي الحياء والأدب والذوق. ولن يضير الفن أن يراعي ذلك' (نجيب محفوظ، الاهرام، الأول من سبتمبر/ ايلول 1994).­ 'إن الذين ينظرون إلي مجتمعات الفلاسفة في الماضي قد غاب عنهم مانحن عليه اليوم من تقدم في وسائل المواصلات والاتصالات والإعلام مما يسر انتشار المعلومات الصالح منها والطالح ويصعب تنقيتها مما يضر المجتمع. فلا محل إذن للاحتجاج بالماضي في هذه الحالة، فقد كانت حلقات الفلسفة تتم بين العلماء والمتخصصين ولاتخرج إلي عامة الناس (الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيح الأزهر، الأهرام، 17يناير/ كانون الثاني1992).

من شأن الجمع بين هذه الأستشهادات المنقولة عن مثقفين ذوي انتماءات شديدة التباين أن يسمح لنا بإدراك الخاصية الرئيسية للنظام القومي لمراقبة نشر الإنتاج الثقافي: نخبويته. فنادرون هم أولئك الذين يطالبون بحرية مطلقة وغالبا ما تتردد الفكرة التي تذهب الي أن حرية التعبير إنما تجد حدا لها في المسئولية الاجتماعية للمثقف من حيث هو مبدع ومرب: والحال أن الخطابات المعاصرة إنما تندرج دوما في التمثيل الذي صيغ في عصر النهضة، وهو التمثيل الذي يذهب إلي أن مهمة الكاتب هي إيقاظ الضمائر وتهذيب الأذواق. وعلاقته بالجمهور ليست علاقة منتج بمستهلك بقدر ماهي علاقة استاذ بتلميذ: ولا يجري النظر إلي المسافة الثقافية بوصفها اختلافا، وإنما بوصفها هيراركية، ويتم إبقاء 'الجماهير' في نوع من القصور (بالمعني الحقوقي) لاعلاج له.

وهذه النخبوية التقليدية تجد ترجمة لها في نظام رقابة يعد اقتصاد العام واحدا قبل وبعد .1952 فالابتكار المهم الوحيد الذي أدخله نظام الضباط الاحرار يتعلق بالتعبير السياسي، والذي اصبح منذ ذلك الحين تحت رقابة صارمة. أمٌّا في المجال الأدبي والفني، بالمقابل،. فإن النظام لم يفعل سوي تثبيت نظام الرقابة الذي أنشيء في اوائل القرن من جانب الملكية الدستورية والمحتل البريطاني. ويتمحور هذا النظام حول نوع من قانون حريات متناقصة: فكلما كانت وسيلة النشر قادرة علي الوصول إلي جمهور واسع، خضعت لرقابة أشد. حرية قصوي للكتاب، الوسيلة ذات الجمهور الأكثر محدودية: وهكذا ألغيت الرقابة المسبقة في عام 1977 ولم يعد النشر يخضع لأي تصريح مسبق­ إذ لا يمثل الإيداع القانوني سوي إجراء شكلي، ناهيك عن أنه نادرا ما تتم مراعاته بالشكل الأمثل. حرية نسبية أيضا للصحف اليومية والدورية: وكانت الرقابة المسبقة علي الصحف قد ألغيت من الناحية الشكلية منذ عام 1974، لكن حرية التعبير في الصحف لم تصبح فعلية إلاٌّ اعتبارا من عام .1982 أمٌّا فيما يتعلق بالقيود التي تطال نشر الدوريات، فهي لاتمنع الكتٌّاب من قيامهم، منذ أواخر السبعينيات، بالنشر الغزير لعديد من النشرات والمجلات قصيرة العمر إلي هذا الحد أو ذاك، ثم حرية أقل لجميع الوسائل السمعية ­البصرية (المسرح، السينما، الكاسيتات ، الفيديو كاسيتات، إلخ)، والتي تخضع كلها لرقابة مسبقة تتولاها وزارة الثقافة وجري مؤخرا توسيعها ومنهجتها في حقل تطبيقها (القانون رقم 38 لعام 1992). ثم حرية من أدني حد أخيرا للإذاعة وللتليفزيون، وهما احتكاران للدولة مزودان برقابتهما الخاصة، والتي تتولاها وزارة الإعلام، وهي أكثر قسوة بكثير، بما في ذلك في مجال إنتاج القصة (الأعمال الدرامية، المسلسلات الأفلام).

كما تراقب وزارة الإعلام استيراد الكتب والدوريات، والذي يخضع دائما لرقابة مسبقة . ومن المؤكد ان هذه المراقبة للحدود تسترخي بفضل الانفتاح المتزايد للبلد علي الخارج، في الوقت الذي أصبحت فيه عديمة الجدوي بفضل الميديا عبر القومية الجديدة (قنوات التليفزيون الفضائية، الانترنت، إلخ). لكن حرية انتقال الصور والنصوص غير المادية، لاتفيد السلع الثقافية المادية، التي يظل دخولها وخروجها تحت رقابة صارمة. وعلي هذا المستوي­ مراقبة الحدود­ ، نجد أن رهان الرقابة رهان سياسي بالدرجة الأولي: فالدولة تجتهد في السيطرة علي صورة مصر كما تبديها للخارج وصورة مصر المصاغة في الخارج والتي يعاد استيرادها محليا. والمسألة علي جانب كبير من الحساسية بقدر ما أن الانتلجنسيا المصرية تحيا، منذ العصر الكولونيالي، في الشعور بأنها قد ججردٌِت من 'حقها' الطبيعي في تمثيل مجتمعها: ثم إن 'الإساءة إلي سمعة مصر' تستخدم كذريعة لتدابير مصادرة كثيرة يوافق عليها بل ويطالب بها مثقفون مصابون بالحساسية القومية المفرطة

ومن الوارد الظن بأن الكتٌّاب لم يعودوا، منذ عام 1977، معنيين بهذا النظام لتأطير الإنتاج الفكري والفني. لكن هذا سوف يكون إغفالا لواقع أن الكتاب في مصر، كحاله في أي مكان آخر إن لم يكن بأكثر مما في أي مكان آخر، ليس الركيزة التي ينشر بها الكاتب عمله. فهذه الرواية أو تلك المجموعة القصصية سوف تظهر في الصحف، قبل أن يتسني نشرها علي شكل كتاب. وهذه الرواية الاخري سوف تكون موضوع إعداد للمسرح أو السينما أو للإذاعة أو التليفزيون. وهذه الانتقالات، الضرورية لتوسيع الحضور الاجتماعي للكاتب، إنما تعد مناسبة لكل أنواع التدخلات التي ترجع أحيانا إلي الرقابة السافرة (الصريحة والمباشرة والعلنية)، أو ترجع في الأغلب إلي رقابة ضمنية: رقابة السوق والأذواق والموضات، إلخ، والتي يترتب عليها أن نوعا ما من الأعمال سوف يكون أنسب للشاشة بأكثر مما هو ممكن لعمل آخر، وسوف يخضع لهذا التحويل أو ذاك. ثم إن قصصا أو روايات تنشر بحرية علي شكل كتاب لم يتسن نشرها في الصحف، ومسرحيات نشرت دون مانع واجهت الحظر علي خشبة المسرح. وتحت ستار من البراءة لم تفقد الرقابة علي المسرح شيئا من فاعليتها منذ الستينيات إلي اليوم. أمٌّا فيما يتعلق بكتٌّاب السيناريوهات الإذاعية والتليفزيونية، فلا مفر أمامهم من الانصياع لنظام محظورات بالغة الصرامة من شأنها، في زمن الأقمار الاصطناعية، أن تعطي لبرامج مصرية عديدة شكلا متخلفا أكل عليه الدهر وشرب، في حين أن عددا من الأفلام المستمدة من أعمال أدبية، مع استهدافها بالفعل من جانب رقابة وزارة الثقافة، يجري تشؤيهها عند انتقالها إلي الشاشة الصغيرة أو يجري منعها من التليفزيون منعا باتا.

واستمرار هذا النظام القمعي­ التوجيهي يفسر أن رفض رقابة الدولة، والذي غالبا ما يعبر عنه الكتاب ، انما يفضي في غالبية الاحوال إلي ماطلبة ليس بالغاء هذه الرقابة وإنما بالأحري بالإدارة الذاتية لها. فالكتاب الشبان الرافضون المجتمعون في الزقازيق في عام 1969 قد طالبوا بأن يقوم علي الرقابة 'مثقفون علي مستوي المسئولية، وأن يجحتكم عند الخلاف مع الرقابة إلي لجنة من الأدباء والفنانين'. وفي عام 1994 أيضا، طالبت النخبة الأدبية المجتمعة في أتلييه القاهرة في بيان لها ب'إلغاء حق أي جهة أيا كانت في مصادرة الاعمال الأدبية أو الفكرية أو الفنية وطالبت ب'اعتبار الرقابة علي المصنفات الفنية مهمة مقصورة علي منظمات الفنانين المستقلة وهكذا، ففي مواجهة رقابة دولة يشتبه دوما بانعدام كفاءتها او انعدام فهمها، وان كان ايضا في مواجهة حرية كاملة قد تنتهك 'ثوابت المجتمع'، نجد أن المثل الاعلي الأوسع مشاطرة هو المثل الأعلي المتجسد في طائفة أدبية وفنية تتولي بنفسها مهمة انضباطها الذاتي.

وتقدم قضية علاء حامد تصويرا جيدا لهذا الموقف. فقد حجكم علي هذا الكاتب في عام 1991 بالسجن لمدة ثماني سنوات وبدفع غرامة قدرها 2500 جنيه (حيث طالت العقوبات نفسها موزع وطابع كتابه)، وذلك بسبب رواية رؤي انها تزدري الأديان . والحاصل أن هذا الحكم قد استثار صدمة شديدة وذلك بقدر ما أنه قد صدر عن محكمة استثنائية، في غياب سجال يعارض هذا الحكم ودون طعن ممكن. إلا أنه عندم حجكم علي هذا الكاتب نفسه، بعد ذلك بشهور قليلة (يونيو/حزيران 1992)، بسبب رواية أخري، بالحبس لمدة سنة مع التنفيذ، من جانب محكمة عادية، لم يحدث رد فعل من جانب أحد تقريبا: ففي نظر أقرانه الشرعيين ، نجد أن علاء حامد، وهو كاتب مغمور لروايات منشورة علي نفقته، ليس كاتبا. وكان لابد من انتظار تأييد هذا الحكم في محكمة الاستئناف وحبس حامد كيما ترتفع بالاحتجاج أخيرا بعض الاصوات.

لكن النخبوية المحورية المسيطرة علي الحقل الأدبي إنما تتجلي بأوضح شكل علي نحو خاص في موقفها من النتاجات الكبري للمجال التجاري (السينما، الأغنية). فالنزاع التقليدي بين 'الثقافة الرفيعة' و'الفن المبتذل'، وهو النزاع الذي كان قد جري إسكاته للحظة، في عهد عبدالناصر، تحت وطأة التمثيلات الإجتماعية التي فرضتها الإيديولوجية القومية وأجهزتها الرقابية، قد عاود الظهور واكتسب إتساعا جديدا اعتبارا من السبعينيات، عندما ردٌّ النظام إلي صغار وكبار منتجي الصناعة القومية في حقول السينما والمسرح والأغنية حريتهم. ومن سجالات أتاحت لها الوقوع آنذاك مسرحيات كمدرسة المشاغبين (1971) أو بعد ذلك بعدة سنوات، أغاني أحمد عدوية، إلي اليوم، نجد أن النجاح الجماهيري لمسرحية أو لفيلم أو لأغنية لاتتماشي مع 'ذائقة' النخبة 'الرفيعة' إنما يتيح بصورة منتظمة مجالا لمداخلات من جانب المثقفين علي اختلاف مشاربهم يترافق فيها نقد 'الفن المبتذل' مع مناشدات للرقباء بمزيد من اليقظة أو من الصرامة.

والخلاصة أن المكتوب وبالأخص الكتاب، الذي تنجه وتستهلكه نخبة، كان ومايزال الركيزة الأقل تعرضا للمساس من جانب الرقابة، لكنه ايضا، وبشكل مفارق، الركيزة التي يعد تدخل الرقابة فيها الأكثر مدعاة للرفض الصاخب: ومن جهة أخري، في المناقشة حول الرقابة، تعد مسألة ما يجوز أو مالا يجوز ثانوية بالقياس إلي مسألة من الذي يقرر ما هو جائز وما هو غير جائز. فالواقع أن النخبة المثقفة المصرية، علي اختلاف فصائلها، إنما تشترك في هاجس واحد يعلي من شأن ما هو مكتوب، وتشترك في إعلاء واحد من قيمة الكلمة المكتوبة: وهي تميل ميلا مسرفا إلي اعتبار كفاءتها النوعية، إجادة الكتابة، تعبيرا ممتازا عن المخيال القومي بحيث إن هذه الكفاءة تتيح لها مدخلا إلي مواقع السلطة الرمزية حيث يمكنها السيطرة بكفاءة علي مجمل جهاز إنتاج المخيال الاجتماعي وتوجيهه بكفاءة، كما سوف نري.

بين المطالبة بالحرية واتخاذ موقف سلطوي
هكذا تطرح الأمثلة السابقة مسألة الحدود بين الرقابة الخارجية والرقابة الداخلية في الحقل، أو بين التقييم النقدي والرقابة في داخل حقل أدبي استقلاليته محدودة، حيث تنفرد الصراعات من أجل الرمزية بموقع الفاعلين في داخل حقل السلطة إلي حد بعيد. فكتٌّاب الافتتاحيات الصحافية ورؤساء التحرير والمشرفون علي السلاسل أو دور النشر التابعة للدولة، وأعضاء لجان القراة بالمسارح أو بالإذاعة أو بالتليفزيون وهم أنفسهم، في الغالب، شعراء وكتٌّاب وكتٌّاب سيناريوهات، إلخ يوجهون ويراقبون الإنتاج الأدبي والفني بتطبيقهم معايير محددة إلي هذا الحد أو ذاك، حيث يكون كل قرار ثمرة موازنة معقدة بين القيود الخارجية (السياسية، الايديولوجية، إلخ) والرهانات الداخلية في داخل الحقل، أو ، وهو ما يؤول إلي الشيء نفسه، يكون تعبيرا عن موقع مزدوج، رمزي (في داخل الحقل الأدبي) وسياسي (في داخل حقل السلطة)، لصاحبه، ووطأة نظام الرقابة الضمنية هذا تفسر مفارقة العهد الناصري، حيث كان الإبداع الأدبي والفني أكثر عرضة للرقابة المشددة وحيث كانت حالات المنع المعلنة نادرة نسبيا. وهكذا تشير دراسة حديثة للرقابة المسرحية إلي التباين بين اعوام 1955 1968، حيث لم يجر رفض أية مسرحية، والعقدين التاليين، حيث كان هذا الرفض متكررا، وهو ما يفسره الكاتب بنوعية لجان القراءة في الستينيات، حيث كان عمالقة الثقافة المسرحية يقومون ب 'عملية تقطير وتصفية للنصوص المسرحية قبل أن تجرّاقٌّب من قِبّل الرقابة نفسها'.

والإغراء عظيم دائما، بالنسبة لفاعلي الحقل الأدبي، لكي يلعبوا علي المستويين، أي لأن يلجأوا إلي رأسمالهم الرمزي لكي يفرضوا في داخل الحقل القيم الخاصة التي يدافعون فيه عنها. وكلما تمكن كاتب من تنمية هذا النوع من رأس المال، كان قادرا علي فرض نفسه في مواجهة سلطات الرقابة وكلما كانت حريته في التعبير والنقد أعظم. والمثال الكلاسيكي في هذا الصدد هو مثال نجيب محفوظ، المحمي من جانب محمد حسنين هيكل الذي يحصل من عبدالناصر مباشرة علي التصريح بمواصلة نشر أولاد حارتنا في الأهرام (1959)، ثم المحمي من جانب ثروت عكاشة،وزير الثقافة، الذي كان آنذاك رئيسه في هيراركية الوزارة، والذي يتفادي بالشكل نفسه الرقابة علي رواية ثرثرة فوق النيل (1966، الترجمة الفرنسية: 1989) ولئن كانت كل رقابة تميل إلي أن تكون أكثر صرامة تجاه الكتاب الأقل شهرة والأقل فوزا بالاعتراف مما تجاه الكتاب المكرٌّسين، فإن ذلك لايزال أصدق بقدر ما أن هؤلاء الكتٌّاب المكرٌّسين، كما في مصر المعاصرة، يتحركون في المجال الاجتماعي الواحد الذي يتحرك فيه من سوف يراقبون أعمالهم.

وعدم التحدد النسبي للحدود بين الرقابة والنقد إنما يظهر في السجالات الأدبية العديدة حيث ينحط نقد عمل من الأعمال إلي دعوة سافرة إلي هذا الحد أو ذلك إلي حظره، وعلي خلاف التثميل السائد الذي يوجد تعارضا مانويا بين رجعيين أو اصوليين يلعبون دور الرقباء وتقدميين أو علمانيين يلعبون دور المدافعين عن الحرية، يبين التاريخ المعاصر انه في داخل كل من هذين المعسكرين، بل وفي النزاعات الداخلية في كل معسكر منهما، هناك دائا كتٌّاب مستعدون لاستخدام موقعهم في داخل حقل السلطة لإخراس من لا يشاطرهم آراءهم من أقرانهم. وفي الستينيات، قام المجلس الأعلي لرعاية الفنون والآداب باتهام انصار الشعر الحر­ مستخدما عبارات تكاد تكون سافرة­ بالخروج عن الدين ثم نشهد نقادا يساريين يهاجمون أعمالا أدبية أو درامية متهمة بأنها تبذر بذور التشكك والريبة في اللقاء الثوري الذي يتم في بلادنا بين مختلف القوي الاجتماعية المؤمنة بالتقدم والاشتراكية. وفي عهد السادات، نجد أن كتابا محافظين جري تصعيدهم إلي مواقع السلطة في داخل الحقل سوف يحبذون نوعا مصريا من المكارثية، كما فعل ذلك الشاعر صالح جودت (1912­ 1976) الذي أعلن أن ساحة الصحافة المصرية قد أصبحت في حاجة ملحة إلي التصحيح لتتطهر من العقارب. ثم يرتد البندول في التسعينيات: فالكتاب المرتبطون بالمؤسسة الساداتية، وقد أصبحوا مهمين في الواقع السياسي والاعلامي الجديد، يحتجون علي استبعادهم... وبتعبير الناقد جابر عصفور (ولد في عام 1944): آية ذلك ما رأيناه (....) من حالات دالة (....) علي تحول العلاقة بين المثقفين إلي ما يشبه العلاقة بين 'الأخوة الأعداء (....) في مناخ يعيد إنتاج القمع الواقع علي المقموعين بما يحيل المقموعين إلي قامعين (....) بأكثر من معني من معاني الارهاب (....) والمفارقة الدالة أن هذا النوع من المثقفين لايزال يتحدث عن حق الاختلاف الذي لايحترمه في ممارساته اليومية، ويطالب بالحرية التي يحرمها علي غيره، ويرفع راية الحوار الذي يرفضه باندفاعه الي لغة الاتهام القمعية. ولذلك أصبح الوجه الآخر من 'المكفراتي'.

وهذا التباين بين خطاب تهيمن عليه إشكالية الحريات وممارسات سلطوية ليس مقصورا علي الحقل الأدبي: فهذا الحقل لايفعل سوي أن يعيد بأسلوبه انتاج قاعدة اللعبة سارية المفعول في مجمل حقل السلطة. فبالنسبة للنخب السياسية والاقتصادية، تسمح الايديولوجية الليبرالية بتجريد المعارضة الاسلامية من الشرعية كما تسمح لها بتكوين صورة عن نفسها تتماشي مع توقعات أو مطالب الفاعلين السياسيين والاقتصاديين الأجانب. وفي الحقل الثقافي، من المؤكد أن خطاب الحريات يساعد علي توطيد مطلب الاستقلال الذي يعبر عنه الفاعلون الأكثر تمسكا بالقيم الخاصة للفن أو للفكر أو للأدب: إلا أن هذا الخطاب ينحط أيضا إلي رطانة يستخدمها الفاعلون استخداما ذرائعيا في صراعاتهم من أجل السيطرة في داخل الحقل ومن أجل الوصول إلي موارد السوق الدولية. وهذا هو السبب في ان المؤسسات التي تمارس رقابة فعلية أو قانونية تسعي الي اخفاء تدخلاتها، في حين ان الفاعلين، بالمقابل، يلجأون إلي استراتيجيات تصوير درامي مثير حيث نجد حوادث عادية من حوادث الحياة الأدبية (رفض النشر أو تأخيره، تدخلات المسئولين عن النشر في النصوص المعروضة للنشر. إلخ) وقد تحولت علي أيدي ضحاياها المزعومين إلي أحداث كبري مرئية للجميع.

الصياغة المؤسسية للمعيار الأدبي
في فعل الدولة الخاص بتعريف وبفرض معايير وقيم الأدب، لاتقوم فقط بالمنع: بل هي تتولي التوجيه والتشجيع والمكافأة عن طريق مجموعة من المؤسسات التي تشترك بأشكال مختلفة في صياغة المعيار الأدبي. وبين هذه المؤسسات، يعد مجمع اللغة العربية، الذي انشيء في عام 1932، واحدا من المؤسسات القليلة التي نجت من تغيير النظام في عام 1952 (فهو لم يخسر من جراء هذا التغيير سوي صفته 'الملكي'). ومع أن من المفترض فيه أن يضم الشخصيات الثقافية القومية الأرفع مكانة، والتي تعين فيه إلي آخر العمر، إلا أن الجامعيين قد أضيفوا إلي الأدباء فيه منذ زمن بعيد وقد تأثرت مكانة المجمع تأثرا سلبيا بالتعيينات التي ترجع إلي المجاملة. وكان المجمع قد اجتهد، في بداياته، في لعب دور في الحياة الأدبية، إلا أنه انكب أساسا، منذ الخمسينيات، علي المسائل اللغوية وحل محله المجلس الأعلي لرعاية الفنون والآداب في دور الراعي الرسمي هذا للأدب.

والحاصل أن هذا المجلس الذي انشيء في عام 1956 وتحددت له مهمة رسمية قوامها تنمية وتشجيع الفنون والآداب كان في البداية فترينة لانتماء النخبة المثقفة لزمن ما قبل 1952 إلي نظام الضباط الأحرار. وفي مقابل دعمهم، وفر المجلس لعباس محمود العقاد (1889­ 1964) ولعزيز أباظة (1898­ 1973) ولمحمود تيمور (1894­1973) ورفاقهم امكانات قيامهم الي الستينيات بترويج معايير لغوية وجمالية تحيد الي حد بعيد عن ايديولوجية النظام كما عن المفاهيم السياسية والجمالية للأجيال الجديدة من الشعراء والكتاب. ففي الستينيات، في زمن الواقعية الاشتراكية، رفض مجلس رعاية الفنون والآداب الاعتراف بالشعر الحر وخاض معركة مؤخرة ضد استخدام العامية في النثر القصصي.

وفي عام 1993، بعد عقدين من السبات، نجد أن المجلس الأعلي لرعاية الفنون والآداب، والذي أعيدت تسميته في عام 1980 بالمجلس الأعلي للثقافة، قد قام من رماده الي الحياة مرة اخري. الحاصل أن فاروق حسني، وزير الثقافة، قد قرر أن يجعل منه الأداة الرئيسية لسياسته الثقافية وقد عهد بهذه المهمة إلي جابر عصفور. وهذا الجامعي، القريب من الأوساط الأدبية اليسارية في عهد السادات، وصاحب أبحاث مرموقة حول الشعر والنقد العربيين الكلاسيكيين ورئيس تحرير فصول، مجلة النقد الأدبي، هو اليوم واحد من الممثلين الرئيسيين للنقد الشرعي. وبحفز منه، نجد أن المجلس، الذي جري تزويده بامكانات جديدة، قد أصبح الأداة الرئيسية للسياسة الجديدة المتمثلة في ضم جميع الاتجاهات الفكرية إلي أحضان الدولة، وإن كان المجلس يريد أيضا أن يكون الفترينة الثقافية للبلد وأن يكون التعبير عن الإشعاع الاقليمي والدولي لمثقفيه.

وقائمة الحاصلين علي جوائز الأدب القومية تشكل مؤشرا جيدا علي علاقات النظام بالنخبة الأدبية. وكانت الجوائز القومية قد انشئت منذ عام 1946­ بما يعد مثالا آخر لاستمرارية السياسات العامة للثقافة قبل وبعد .1952 وتكتسب منظومة الجوائز اتساعا جديدا مع القيام في عام 1958 بإنشاء مجموعة كاملة من جوائز الدولة في مجالات الفنون والآداب والعلوم، مقسمة إلي جوائز تقديرية تشكل تتويجا لمسيرة عمل وجوائز تشجيعية تمنح لكاتب عن عمل بذاته. وإذا كانت الجوائز التقديرية، في الستينيات، والتي كرست 'عمالقة' جيل 1919 وخلفائهم المباشرين (يحيي حقي 1905­1992)، الفائز بها في عام 1967، نجيب محفوظ، الفائز بها في عام 1968)، قلما كانت محل نزاع، فإن منح الجوائز التشجيعية، حيث حبذ المجلس أشكال الكتابة الأكثر تقليدية، غالبا ما أدي الي سجالات­ بما يشكل علامة علي أن الجوائز قد تمتعت بمكانة لها قدرها في الحقل الثقافي. وقد انهارت هذه المكانة في السبعينيات وأدي إصلاح عام 1980، بزيادته عدد الجوائز، إلي الإسهام في تقليل قيمتها.

فالجوائز التقديرية سوف تشكل عندئذ مكافآت عن خدمات سياسية مهمة (يوسف السباعي، الذي فاز بها في عام 1973 عندما كان وزيرا للثقافة، وحملة مباخر الساداتية أنيس منصور (ولد في عام 1924)، الفائز بها في عام 1981 وثروت أباظة، الفائز بها في عام 1982): وبشكل أكثر اتساعا، يقوم الجامعيون المهيمنون علي المجلس بتكريس أنفسهم بأنفسهم ويتداركون نسياناتهم الأكثر إثارة بجوائز يجري منحها لأسماء راحلين (صلاح عبدالصبور، 1981، إحسان عبدالقدوس، 1989) أو بجوائز قبل رحيل الفائزين بها عن عالمنا بوقت قصير (لويس عوض، 1988)، يوسف إدريس، 1990). في حين أن قائمة جوائز تشجيعية عديدة للغاية، منحت في الأجناس الأدبية الأكثر تنوعا، تكشف أن المجلس قد تجاهل جميع الأعمال الرئيسية في هذه الفترة، باستثناء عدد نادر منها.

والحال أن تحول السياسة الثقافية للدولة في منعطف التسعينيات إنما يتجلي بشكل شفاف في قائمة الجوائز التقديرية الموزعة منذ ذلك الحين بشكل متوازن الي هذا الحد أو ذاك علي مختلف الاتجاهات السياسية­ الأدبية: إذ يجري 'رد الاعتبار' إلي ضحايا الساداتية المكرسين أكثر من سواهم (ألفريد فرج ولد في عام 1926، جائزة 1992، فتحي غانم (1924­1999)، جائزة 1994، لطيفة الزيات (1923­1996)، جائزة 1995، غالي شكري (1935­1998)، جائزة 1996، بهاء طاهر وأحمد عبدالمعطي حجازي، جائزة 1997، إلخ)، مع مواصلة مكافأة جامعيين وأعمدة المؤسسة السياسية­ الاعلامية علي اسهام محدود القيمة من الناحية الأدبية.

وفي أوروبا، غالبا ما تكون القيمة المالية للجوائز الأدبية ثانوية، إما لأن الأدباء يسعون إليها بسبب قيمتها الرمزية بالأحري، أو لأن قيمتها المادية تقاس من زاوية المكاسب التجارية التي سوف تترتب علي الفوز بها. أما في مصر، خلافا لذلك، فإن ضعف السوق يدفع الفاعلين إلي قياس مستوي التزام الدولة حيال الثقافة بالحجم المالي للجائزة. والحاصل أن تأكل قيمة العملة المصرية قد جعل هذا الحجم مثيرا للسخرية علي مر السنين، لكن إعادة التقييم المنتظرة منذ زمن بعيد قد حدثت: ففي عام 1999 (الجوائز عن عام 1998)، زيدت قيمة الجوائز التقديرية والجوائز التشجيعية عشرة أضعاف، وجري إنشاء جائزة انتقالية بين هذه وتلك (جائزة التفوق)، بينما جري إنشاء جائزة مبارك فوق هذه الجوائز الثلاث، وهي جائزة تمنح لفائز واحد في كل حفل: وقد ذهبت جائزة مبارك للآداب أول ما ذهبت الي نجيب محفوظ، المشمول بالفعل بكل آيات التقدير، ثم ذهبت ثاني ما ذهبت إلي أنيس منصور، بما يعد نذير سوء بالنسبة للمستقبل..
ويجب أن نشير أخيرا إلي ما يعد علامة علي تضخم وصاية الدولة وتضخم الآمال التي يعقدها الفاعلون عليها، وهو العجز المزمن لهؤلاء الأخيرين عن إنشاء جوائز موازية كان يمكن ان تنبثق منها هيراركية أدبية أخري غير الهيراركية التي يفرضها المجال الرسمي.

حماة ورعاة ورقباء عرب
رأينا في الفصل السابق كيف أن الكتاب المصريين قد اضطروا، اعتبارا من السبعينيات، إلي إعادة تحديد استراتيجياتهم المهنية ردا علي تراجع راعيهم الرسمي، الدولة المصرية، وتجاوبا مع إغراءات القوي الإقليمية الجديدة. وهؤلاء الفاعلون الاقليميون، الرسميون أو شبه الرسميين، إنما يميلون إلي أن ينشئوا مع اولئك الكتاب عين النمط من العلاقات الذي انشأته معهم الدولة المصرية، من الرعاية النزيهة الي الاستخدام الذرائعي والقمع، كما يميلون إلي أن يفرضوا سلبا (عن طريق الرقابة) أو إيجابا (عن طريق الرعاية والحماية) معايير أدبية معينة.

فقد انشأت دول عربية متباينة جوائز أدبية وعلمية تستلهم إلي هذا الحد أو ذاك نظام جوائز الدولة المصرية: جائزة فيصل في المملكة العربية السعودية وجائزة صدام في العراق، وجائزة الكويت للبحث العلمي، إلخ. وفي السنوات الأخيرة، حذا حذوها فاعلون خاصون، هم من حيث الجوهر رجال أعمال من بلدان الخليج يخصصون جانبا من ثروتهم الشخصية لهذه الرعاية بإنشائهم 'مؤسسات': مؤسسة سعاد الصباح (الكويت)، مؤسسة البابطين (الكويت)، مؤسسة سلطان العويس (الإمارات العربية المتحدة)، إلخ. وهذه الجوائز، التي يجوز منحها لمن لايتمتعون بجنسيات هذه البلدان، وهي جوائز غالبا ما تكون ذات قيمة مالية ضخمة، إنما تفيد الي حد بعيد مثقفين ومبدعين مصريين وتعمل كتبادل لرأس مال رمزي برأس مال مادي: فالحاصل علي الجائزة، بقبوله ربط اسمه بها، إنما يخلع هيبة وشرفا علي مانحها.

أما تنوع أنظمة الرقابة من بلد عربي إلي آخر فيمكن أن يكون قيدا تارة وتارة اخري فرصة للكاتب العربي. وتاريخيا، غالبا ما تمكن من جعلها فرصة، بتوجهه الي المركز الثقافي الاقليمي الأكثر ليبرالية في كل مرة تخرسه فيها الرقابة المحلية: بيروت بالنسبة للكتاب المصريين، القاهرة اليوم بالنسبة للكتاب العراقيين أو كتاب شبه الجزيرة العربية. إلخ. واليوم، نجد ان قيام صناعة ثقافية واعلامية تعمل علي أساس سوق تمتد من الخليج الي المحيط وتهيمن عليها رءوس اموال خليجية، سعودية اساسا، إنما يميل الي تحويل هذه الفرصة الي قيد كابح: فاليد العليا لم تعد للرقابة الأكثر ليبرالية، بل للرقابة الأشد قسوة (الرقابة السعودية) التي تفرض نفسها ليس فقط علي الأرض السعودية وانما فيما خارجها، علي مجمل المجال العربي.
وهذه الظاهرة تتجلي بأوضح ما يكون في مجال الوسائل السمعية­ البصرية: فالتليفزيون القومي المصري، لكي يتمكن من بيع منتجاته في الخليج، انما يضطر الي مراعاة قواعد الرقابة السعودية الصارمة إلي أبعد حد. لكن الكتابات لاتفلت من هذه الرقابة المستوردة: وسوف نري في الصفحات التالية أن ناشرين 'يعيدون كتابة' نصوص كتابهم كيما يتمكنوا من توزيعها في الخليج. ثم إن منابر افتتاحية يكتبها كتاب مصريون للصحف القومية المصرية إنما يتوجب عليها، عند إعادة بيعها وإعادة نشرها في صحف يومية أو أسبوعية عربية مختلفة، أن تراعي المعايير التي تفرضها الصحف العربية التي تنشرها في تزامن مع نشرها في مصر: بما يعد شكلا لرقابة يومية وغير مرئية. والمثال علي هذه الأولوية المعطاة للرقابة الأشد قسوة في هذا الصدد هو مشروع كتاب في جريدة، الذي دشنته اليونسكو في عام 1997 والذي يتمثل في نشر أعمال رئيسية للأدب العربي في عشرين صحيفة يومية عربية من الخليج إلي المحيط. فالمشرفون علي المشروع، إذ قرروا نشر مختارات من قصائد أمل دنقل (1940­1983)، أشهرها علي وجه التحديد تلك القصائد التي تعبر عن مواقفه السياسية النقدية، لم يستبعدوا فقط هذه القصائد بل إنهم قد حذفوا أيضا البيت الأول لإحدي القصائد التي أبقوا عليها كما حذفوا ماهو مهم في المقدمة التي كتبتها أرملته، عبلة الرويني.

الأدب في المدرسة
منذ تأميم 'المدارس الأجنبية' في عام 1956، وكرد فعل علي التنافرات التي سبق لها ان ترتبت علي تعايش أنماط من المؤسسات والمقررات المدرسية المختلفة في البلد، جري اخضاع جميع المؤسسات المدرسية المصرية، العامة والخاصة، لوصاية مكثفة من جانب وزارة التربية والتعليم، التي تحدد أدق تفاصيل برامج كل مادة. وهكذا نجد ان النصوص الأدبية المقصود بها مصاحبة وتوضيح تعليم العربية، اللغة القومية، إنما يجري اختيارها وإعادة انتاجها في الكتب المدرسية التي توزعها وزارة التربية والتعليم مجانا علي التلاميذ: ومن 'مدارس اللغات' الخاصة في القاهرة (وهي مؤسسات يتم فيها تدريس جزء من المواد بلغات أجنبية، الانجليزية أو الفرنسية أساسا)، حيث قد تبلغ تكاليف التعليم عدة آلاف من الدولارات، إلي المدارس الثانوية المزدحمة بالتلاميذ في المدن ومراكز الأقاليم، يدرس جميع التلاميذ في المرحلة الواحدة نصوصا واحدة في كتب مدرسية واحدة.
والحاصل أن بحثا جري مؤخرا حول النصوص الشعرية في برنامج السنة الثالثة للمدارس الثانوية المصرية إنما يلقي اضاءات لافتة ومثيرة للانتباه.
فالبرنامج الذي جديد انشاؤه في عام 1957، قد جري تعديله في ثلاث مناسبات، في أعوام 1968 و1974 و1992 (أي بعد كل نزاع عسكري انخرط فيه البلد).

ونجد حضورا لشاعرين في الكتب المدرسية الأربعة (هما الكلاسيكيان الجديدان المصريان محمود سامي البارودي واحمد شوقي). كما نجد حضورا لاربعة اخرين في ثلاثة كتب مدرسية: كلاسيكي جد مصري (علي الجارم 1881­1949) وثلاثة رومانتيكيين (اللبناني إيليا أبوماضي 1889­1957) التونسي أبوالقاسم الشابي (1909­1934 والمصري ابراهيم ناجي 1898­1953). علي ان المختارات، التي كانت ثرية ومتنوعة في برنامجي 1957 و1968، قد جري اختزالها وافقارها فيما بعد: إذ أصبح المقرر أخف وأكثر تمحورا علي الانتاج المصري وأكثر تسييسا. وقد جري تمثيل الشعر الحر منذ عام 1974، وإن كان تحت اسم (المدرسة الواقعية) الذي يحجب ثورة الشكل التي قام بها ناهيك عن ان النصوص التي تمثله في المقرر المدرسي يغلب عليها الطابع السياسي.

ويكشف هذا البحث الايديولوجية الأدبية الكامنة وراء وضع هذه البرامج: فالشعر، في شكله التقليدي، إنما يجري تقديمه بوصفه أسلوب التعبير الأدبي الأرقي: وفي تعليم يرمي نظريا الي تنمية المهارة اللغوية، يشكل الشعر التقليدي النموذج المقدم الي التلاميذ في مجموعة من النصوص حيث يجري ايلاء اهتمام خاص الي نقاء اللغة. وتنقل غالبية النصوص رسالة اخلاقية او اجتماعية أو سياسية واضحة: ولا مجال هناك للخيال أو للأدب الساخر. وينصب التشديد علي الموضوع القومي، في أبعاده العربية والمصرية.
ومن شأن نظرة الي برنامج اللغة العربية في الصف الثالث الثانوي، والذي مايزال قائما منذ عام 1992، تأييد هذه الملاحظات فالشعر يستأثر بنصيب الأسد ذلك ان التيرم الأول، وهو الأطول، مكرس له وحده، بينما يتم حشر الأجناس الأدبية الاخري (المقال والرواية والقصة والمسرح) في التيرم الثاني. أما فيما يتعلق باختيار النصوص، فيبدو بالأحري انه مصاغ لأجل برنامج تربية وطنية بدلا من أن يصاغ لأجل برنامج في الأدب! ناهيك عن أن التلاميذ مطالبون باستيعاب مجموعة من المعارف المرتبة ترتيبا دقيقا (فالأجناس والمدارس والأجيال الأدبية تتعاقب في آلية سهلة تماما) عن تطور هذه الأجناس في الأدب العربي الحديث وعن خصائص أشكالها، وهي معارف تظل نظرية بشكل خالص، إذا حكمنا علي الأمر قياسا إلي بؤس النصوص التطبيقية المقترحة.

وهكذا نجد أن المؤسسة المدرسية، بحكم القصور الذاتي الذي تضعه في مواجهة التجديد، إنما تدفع الي نهايته التباين بين الايديولوجية اللغوية والأدبية النخبوية والتقليدية، التي تعد هذه المؤسسة حصنا لها، والاستخدامات الاجتماعية للغة وللكتابة والتي تعد كلها في قطيعة مع هذه الإيديولوجية. والحاصل أن الخطاب الدائر حول أزمة التعليم عموما، إنما يتغذي أساسا علي هذا التباين بين معايير ومعارف لم تعدتهم، في أحسن الأحوال، سوي أولئك المتوقع منهم نقلها، وتلك المعايير والمعارف التي تنتجها وتوزعها الوسائط المطبوعة والسمعية­ البصرية، وذلك في لامبالاة تقدم فروض الاحترام الي المعايير والمعارف الأولي. وأخيرا، فإن هذا التباين بين المعايير اللغوية والأدبية المدرسية والهيراركيات الداخلية في الحقل الأدبي إنما يعد سببا أساسيا لظاهرتين مترافقتين: شبه انعدام وجود 'جمهور كبير' للأدب وما يسميه آلان روسيون ب'غياب مبدأ 'التراكم' الذي يسمح بتحصيل الاسهامات المتعاقبة للأجيال المختلفة. والحال أن النظام التعليمي المصري بغرسه (أو بالأحري باجتهاده عبثا في غرس) ايديولوجية ادبية متسمرة في المعيار الكلاسيكي الجديد إنما يسهم في تأبيد هذا الانسداد فيما بين الحقل الأدبي والحفل الاجتماعي والذي كان يتوجب علي اشاعة التعليم تخفيفه، كما انه يسهم في إرغام كل جيل جديد من الكتاب علي إعادة اختراع العجلة اي علي أن يعاود لحسابه قطع المشوار الذي قطعته الأجيال الأسبق.

التآكل البطيء
للمعايير الأخلاقية والجمالية

حيال هذا النظام المؤسسي، لم تكف الطلائع الأدبية، منذ منتصف القرن، عن رفض وعن تجاوز معاييره، تارة باسم حرية الفنان في ابداع معاييره الخاصة وغالبا باسم الواقعية واختزال اتساع هوة التواصل بين النخبة والجماهير. ولئن كانت الحجة الأولي قد ساعدت بشكل خاص علي تحرير التعبير الأدبي، فإن الحجة الثانية قد اسهمت بقوة في تمزيق المعيار اللغوي وفي الاختفاء الفعلي للفصحي الكلاسيكية الجديدة، علي نحو ما اعاد احياؤها' أساتذة النهضة.
وعندما نشر يوسف إدريس في عام 1954 أرخص ليالي، مجموعته القصصية الأولي، اكتشف أن مصححا قد غير كتابة العنوان، حاذفا الياء الأخيرة من ليالي. وذلك بما يتماشي مع المعيار النحوي، في حين ان ادريس كان قد اضافها عمدا لأنه، كما أعلن ذلك آنذاك، 'ملتزم في كتاباتي بقواعد الحياة وليس بقواعد النحو' وسوف يظل هذا التجاوز عديم الأثر، حيث يكمن الابتكار الرئيسي ليوسف إدريس في مجال آخر، في ابتكار لغة مكتوبة صحيحة نحويا، لكنها تقرأ أحيانا كعامية مستترة في فصحي. وهو ابتكار يهدد مجمل جهود احيائيي اللغة: والواقع أن هؤلاء لم يناضلوا ضد العامية بحد ذاتها (فلكونهم واقعيين، كانوا يعرفون ان من المستحيل تفاديها وقد اعترفوا بقيمة جمالية معينة لأشكالها التعبيرية الأكثر تبلورا)، وإنما ضد غزو العامية للغة المكتوبة. بل إن ناقدا كعلي الراعي (1920­ 1999)، القريب سياسيا وجماليا من إدريس، يري عندئذ أن 'اللجوء إلي ترجمة العامية إلي فصحي عادة ما يعطي انطباعا عاما بفقر الأسلوب.

وهذه التحفظات سوف يبددها خلفاء ادريس والذين، بادخالهم في النثر الأدبي واحيانا في الشعر اجراءات الكتابة الصحافية (وذلك بشكل بالغ السهولة بقدر ما انهم يمارسونها هم انفسهم غالبا)، انتهوا الي صياغة لغة أدبية جديدة، تستند الي حد بعيد علي أساس تحتي عامي (العامية القاهرية خاصة وإنما أيضا العاميات الإقليمية). وعبر أشكال متباينة بحسب الكتاب وبحسب مستويات التعبير عند كل كاتب، يتجلي حضور العامية عند الجميع، عند الكتاب ذوي المعجم بالغ التعقيد، العاكفين علي تحري إمكانات الشكل كإدوار الخراط (ولد في عام 1926)، كما، علي الطرف الآخر، عند الكتاب المشربين بالثقافة الشعبية كخيري شلبي (ولد في عام 1938)، وهو أحد أولئك الذين يدفعون بإضفاء الطابع الشفاهي علي اللغة المكتوبة إلي أقصي مدي.
وفي ما عدا القطب المحافظ للنقد، والسائد في الحقل الجامعي وان كان محدود التأثير علي الحقل الأدبي الشرعي، نرصد اليوم أن 'إضفاء الطابع العامي' علي اللغة الأدبية لم يعد محل نقاش من زوايا معيارية (أهو مشروع أم غير مشروع). وإنما يناقش من زوايا جمالية (في أي استخدامات يتم، ما الوظائف التي يؤديها، إلخ). وبوسع كاتب معروف كيوسف القعيد (ولد في عام 1944) أن ينشر رواية مكتوبة كلها بالعامية لبن العصفور (1994) دون أن يثير أدني جدل. والحال أن هذا التجريد للطابع السجالي عند اللجوء إلي العامية في الكتابة الأدبية لا يتناقض مع تعلق النقد بالمعيار اللغوي، خاصة في سياق ارتخاء للقيود الرسمية علي السوق وتفكك الممارسات المهنية في سوق النشر. والاحري أن هذا المعيار لايتم الحكم عليه في المطلق وإنما تبعا للسياق، قياسا إلي مستوي اللغة الذي يختاره الكاتب، كما يميل هذا المعيار إلي الانحصار في مجرد التدقيق النحوي.

وفي الستينيات، أدت القيود التي فرضتها السياسة علي التعبير الأدبي إلي ازدهار أدب كامل يستند إلي المواربة والرمز والمجاز، ربما كان أول مثل له هو رواية محفوظ أولاد حارتنا (1959). وهذه الظاهرة واضحة بشكل خاص في المسرح: فمن الستينيات إلي اليوم، يستند جانب مهم من الانتاج الدرامي المصري والعربي، في الكوميديا كما في المسرح 'الجاد'، علي آلية 'الإسقاط السياسي'. واحد الموضوعات الأكثر تواترا هو موضوع الأمير الصالح والوزراء الفاسدين وهو موضوع يتكيف بشكل خاص مع نظام رقابة يجيز النقد السياسي بشرط ألا يمتد إلي الرئيس الأعلي. إلا أنه اذا كان هذا اللجوء إلي المجاز يتواصل باستمرار في المسرح، وهو فن بصري يخضع لرقابة اكثر صرامة مما تخضع له الكتابة ومكان للتعبير الطبيعي، بحكم وظيفة التنفيس التي يؤديها، عن النقد الاجتماعي والسياسي، فإن هذا اللجوء إنما يرتبط ارتباطا مباشرا أكثر، في القصة الروائية، بنظام الرقابة السائد خلال الستينيات. ففي هذه القصة، نجد أن الكتاب الرافضين للقيود المفروضة علي الوصف الواقعي للعالم الاجتماعي إنما يلوذون بالمجاز والعبث والتعمية والسوريالية وهي سمات تميز نصوصا عديدة ترجع إلي ذلك الزمن وتتواجد عند الكتاب المكرسين كما عند المبتدئين. وفي ذروة الرقابة الناصرية، كان القراء 'اليقظون' يعتبرون كل شيء ذريعة لا تعدو أن تكون من قبيل 'الإسقاط السياسي'، وقد ذهبت التخمينات بالنقاد كل مذهب حول المعني السياسي المستتر لقصة أو لأخري من قصص محفوظ أو يوسف إدريس، وعندما غنت أم كلثوم في الأطلال (1966)، وهي قصيدة غزلية لابراهيم ناجي:
أعطني حريتي أطلق يديا إنني أعطيت ما استبقيت شيئا
رأي البعض في ذلك مجازا يوميء إلي انهاء شهر العسل بين الشعب وزعيمه!
وعندما نقارن الانتاج الادبي الحالي بالانتاج الادبي في عهد عبدالناصر، يمكننا أن نرصد أن ما تراجع ليس هو الرقابة السياسية وحدها، وإنما أيضا الرقابة الاخلاقية. وخلافا للفنون البصرية (السينما، الفنون التشكيلية)، والتي تأثرت علي نحو مباشر أكثر برجوع النظام الأخلاقي الذي فرضته السلطة بقدر ما فرضه المجتمع منذ السبعينيات، نجد أن الطلائع الأدبية قد نجحت إلي الآن في الاحتفاظ بمساحة تعبير مستقل نسبيا حيث يمكن للكتاب الأكثر جرأة الإفلات من الأخلاق الاجتماعية السائدة أو هدمها. والحاصل أن الأدب العربي الحديث، منذ بداياته إلي أواخر القرن الماضي، قد أولي اهتماما خاصا إلي الموضوعات الجنسية، وان كان في اتجاه يتماشي مع المعيار الأخلاقي: فهذا المعيار لم يجر تهديده في نهاية المطاف لا عن طريق وصف الانحرافات الجنسية والتعاسة الجنسية في الأدب الواقعي، من يوسف إدريس إلي نوال السعداوي (ولدت في عام 1931) ولا عن طريق أدب فرعي إيروتيكي يجري قبول تجاوزاته المزعومة لأنها إنما يجري تقديمها علي وجه التحديد علي أنها تجاوزات ومن ثم فإنها تؤكد المعيار الأخلاقي السائد. ومن هذه الزاوية، قلما توجد هوة بين الانتاج الحالي وانتاج أوائل أو منتصف القرن: فالاهتمام الأكبر المولي إلي الموضوعات الجنسية والصراحة الأكبر في تناولها إنما يؤولان إلي تعميق للمشروع الواقعي بأكثر من أن يؤولا إلي مشروع لتهديد الأخلاق الجنسية السائدة، وذلك فيما عدا استثناء ملحوظ كرواية السيرة الذاتية المنشورة في لندن والتي كتبها رؤوف مسعد: بيضة النعامة (1994، الترجمة الفرنسية: 1997). والحق أن الاستحضار الصريح للرغبة والتجربة الجنسيتين، حتي وان كانتا الأكثر تماشيا مع المتعارف عليه، إنما يعدان بالفعل، في المناخ المحافظ السائد اليوم، بمثابة قطيعة مع المعيار الاجتماعي.

ولابد من بيان عدم تساوي حقوق الرجال والنساء في الإقدام علي هذا النوع من الكتابة: ففي حدود المسموح به عندما يقوم بهذه الكتابة رجل، تصبح هذه الكتابة غير مقبولة اذا أقدمت عليها امرأة. ويبدو أن الانتاج النسوي المصري، في تناوله للجنس، خاضع لرقابة اجتماعية ولرقابة ذاتية أكثر قسوة مما يخضع له انتاج الذكور. وفي أعمال الروائيات المصريات الرئيسيات (لطيفة الزيات، نوال السعداوي، رضوي عاشور غولدت في عام 1946ف، سلوي بكر غولدت في عام 1949ف، إلخ)، نجد أن النقد السياسي والاجتماعي وقدرا من التحيز 'النسوي' المؤكد إلي هذا الحد أو ذاك إنما يترافقان مع تصوير متزن، تقليدي للتجربة الجنسية الأنثوية . وربما كان أحد الأعمال الروائية النادرة التي كتبتها امرأة والتي تنتهك هذه الاتباعية هو رواية الاجيال المتعاقبة لأهداف سويف (ولدت في عام 1950): في عين الشمس (1992). والحاصل أن وضعية هذه الرواية إنما تعد مميزة للقيود الحالية: ففي حين امتدحها النقد الشرعي نجد أن وزارة الاعلام قد منعت استيرادها، في مناسبات مختلفة، ولذا فلا يبدو أنها سوف تترجم إلي العربية قريبا.

تنامي قوة الأزهر
لكن استقطاب جميع المناظرات المصرية الكبري حول الرقابة خلال القرن العشرين قد جري في ساحة الدين بأكثر من جريانه في ساحة الأخلاق بما يعد دليلا علي أن وضعية المرجع الديني في الثقافة القومية ماتزال غير محسومة. وفي التسعينيات، اتخذت هذه المناظرات اتساعا غير مسبوق، وذلك بحكم تنامي قوة رقيب جديد: الأزهر. فالمؤسسة التي يبلغ عمرها ألف عام قد سعت إلي الفوز، عن طريق ممارسة الرقابة، بسلطة تدخل منتظم في الحقل الثقافي تتجاوز كثيرا حدود سلطتها الروحية التقليدية. وخلافا للتصوير الرائج الذي يرجع هذا التطور إلي 'الثورة المضادة' الساداتية، أوضحت مليكة زغال أنه صار ممكنا في البداية بفضل الاصلاح الناصري للأزهر (1961)، والذي أنجز دمج الأزهر بالدولة وأكد في الوقت نفسه دور جماعة العلماء الكهنوتي. ومنذ ذلك الحين يحدث كل شيء وكأن الجميع يحترمون صفقة ضمنية توجز مليكة زغال شروطها علي النحو التالي: 'يقدم العلماء الرسميون دعمهم الكامل للنظام في مقابل حريتهم في التدخل في الحقل الثقافي'.

وهكذا أنشأ قانون عام 1961 مجمعا للبحوث الاسلامية، وهو عبارة عن مجمع علماء وجامعيين يرأسه شيخ الأزهر، تقتصر صلاحياته في مسألة الرقابة، من الناحية النظرية، علي القرآن والأحاديث النبوية ، وإن كان سوف يتمكن شيئا فشيئا من فرض نفسه كشريك، ثم كمنافس للرقباء 'العلمانيين'. ويبدأ هولاء الأخيرون باستشارة الأزهر عندما يكونون بإزاء نتاجات دينية مشكوك في تماشيها مع صحيح الدين، لكننا سرعان ما نري المجمع وهو يأخذ زمام المبادرة ويطلب إلي سلطات الشرطة، في تقارير مسببة، مصادرة هذا العمل أو ذاك. ومن الناحية الشكلية، لاتعد هذه المصادرات غير اجراءات تحفظ، ويمكن لكاتب كتاب مصادر أن يتظلم أمام القضاء، وهو وحده، صاحب الصلاحية في الحكم النافذ، لكن القضاة، في الممارسة العملية، نادرا جدا ما يتجاسرون علي معارضة العلماء وغالبا ما يتخلي ضحايا المصادرات، الذين يعرفون ذلك، عن رفع دعاوي قضائية علي العلماء.

وفي مستهل التسعينيات، أدي تزايد تدخلات العلماء إلي إثارة نزاع صامت بين إدارة الرقابة بوزارة الثقافة والأزهر الذي طلب تدخل مجلس الدولة لحسم النزاع. والحال أن هذا المجلس قد رأي، في فتوي قوبلت بخلاف واسع (10 فبراير/ شباط 1994)، أن مجمع البحوث الاسلامية بالأزهر وهو وحده يمكنه إصدار 'الرأي الملزم لوزارة الثقافة، في تقدير الشأن الاسلامي للترخيص أو رفض الترخيص بالمصنفات السمعية البصرية . وفي قضية حيدر حيدر الأخيرة (مايو/ آيار 2000)، رأينا الأزهر وهو يستفيد من هذه الفتوي الصادرة عن مجلس الدولة لكي يطالب بحق رقابة مسبقة علي مجمل الانتاج المكتوب .
كما أن أشهر قضايا الرقابة الدينية المفروضة علي عمل أدبي قضية رواية نجيب محفوظ أولاد حارتنا بحكم مضاعفاتها الكثيرة، إنما تعد واحدة من أكثر هذه القضايا دلالة. ففي هذه الرواية كانت لمحاكاة التاريخ المقدس وظيفة نقد سياسي بالدرجة الأولي، كما أعلن ذلك محفوظ فيما بعد. لكن العسكريين ليسوا مع ذلك هم الذين ردوا علي الرواية، بل رجال الدين. وبينما كانت الرواية ماتزال تنشر مسلسلة في الأهرام، طالب علماء أزهريون بحظرها. والحال أن محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير الأهرام، إصرارا منه علي عدم التزحزح، قد اقترح علي عبدالناصر، سعيا إلي كسب الوقت، تكليف لجنة من العلماء بفحص الرواية. وقد انتهت اللجنة إلي وجوب حظرها، لكن نشر السلسلة كان قد تم تقريبا، وقد حرص هيكل علي إتمامه بالكامل. وبعد ذلك بوقت قصير أخطر مدير الرقابة علي المطبوعات محفوظ بأن النظام سوف يحظر نشر الرواية علي شكل كتاب، ل 'أننا لانريد جدلا مع الأزهر' في اللحظة التي كانت فيها الدولة، ولنتذكر ذلك، بسبيلها إلي أن تفرض علي العلماء إصلاح .1961 وبعبارة أخري، كان حظر أولاد حارتنا أول تجليات 'الصفقة الضمنية' بين الدولة والعلماء.

وسوف نلاحظ، مع سامية محرز، انعزال محفوظ النسبي: 'لايبدو أنه قد لعب في ذلك دورا مهما غ...ف. لقد أصبح مشمولا بحماية غهيكل وجهاز الدولةف، وبالمقابل، قبل الحل الوسط، بدلا من أن يجازف بمواجهة سافرة مع السلطات الدينية . وهذا الانعزال يمكن تفسيره بهويته المزدوجة ككاتب وموظف. ومن المؤكد أنه قد زعم أنه يفصل فصلا صارما قدر الإمكان بين هاتين الهويتين، مطالبا للكاتب بتحرر كامل من القيود الاجتماعية والسياسية، غير 'أننا لايمكننا إلا أن نرصد أن مسيرته الأدبية تشوش وتنتهك التمايزات الحادة التي يقيمها بين هذين الجانبين لحياته' .
وبعد ذلك بأربعين عاما، سوف يدلي محفوظ بتصريح مثير حول تفجر الأزمة: 'الأزمة بدأت بعد أن نشرت الصفحة الأدبية بجريدة الجمهورية خبرا يلفت فيه كاتبه النظر إلي أن الرواية المسلسلة التي تنشرها جريدة الأهرام فيها تعريض بالأنبياء. بعد هذا الخبر المثير، بدأ البعض، ومن بينهم أدباء للأسف، في إرسال عرائض وشكاوي إلي النيابة العامة ومشيخة الأزهر، بل وإلي رئاسة الجمهورية، يطالبون فيها بوقف نشر الرواية وتقديمي إلي المحاكمة . والخلاصة أن الرقابة، في هذه المرة، كما في مرات أخري كثيرة ، قد ترتبت علي وشاية صادرة من داخل الحقل الأدبي، وهي سلاح يستخدمه بعض فاعليه سعيا إلي تعديل علاقات القوة الرمزية في داخل الحقل.

وفي عام 1967، نجد أن سهيل إدريس، صاحب دار الآداب، قد قام، علي غير إرادة محفوظ إلي حد ما، بنشر أولاد حارتنا، وان كان قد حذف بعض الفقرات . ومنذ ذلك الحين تصبح الرواية متاحة للقاريء العربي ويتم تداولها سرا في مصر. وفي ذلك الزمن نفسه، يجري إعدادها للإذاعة المصرية، 'مع بعض التعديلات الطفيفة' . وعندئذ يؤكد الأزهر معارضته للرواية، موصيا، في تقرير مؤرخ في مايو آيار 1968، بعدم نشرها 'مطبوعة أو مسموعة أو مرئية'. وسوف تبقي الأمور في هذا النوع من المراوحة حيث يبدو وكأن الجميع قد أصابوا مغنما ما، إلي أن يشد فوز محفوظ بجائزة نوبل للأدب (اكتوبر/ تشرين الأول 1988) الانتباه من جديد إلي الرواية. وبما أن الأكاديمية السويدية قد استشهدت في حيثياتها بالترجمة الانجليزية لأولاد حارتنا فقد حث كتاب عديدون محفوظ علانية علي نشر الرواية أخيرا في مصر، بينما أعلن الرئيس مبارك أن الكتاب لم يتعرض لأي إجراء من اجراءات المنع . وتبدأ صحيفة المساء اليومية في إعادة نشر الرواية مسلسلة، لكنها سرعان ما تتوقف عن ذلك استجابة لطلب معلن من جانب محفوظ. وفي الوقت نفسه، يعيد مجمع البحوث الاسلامية تأكيد معارضته لأي نشر للرواية. والخلاصة أن محفوظ قد اعترف للأزهر بسلطة منع نشر روايته حتي مع أنه قد حصل، لأول مرة، علي الضوء الاخضر لنشرها من جانب السلطة السياسية الأعلي.

وما كادت الحماسة المحيطة بفوز محفوظ بجائزة نوبل تهدأ حتي تفجرت قضية سلمان رشدي التي تعيد أولاد حارتنا إلي قفص الاتهام. وإزاء الإلحاح الواسع من جانب وسائل الاعلام التي تنسب إلي محفوظ تصريحات متناقضة، ينشر الأخير هذا التوضيح، الذي يعد استسلاما حقيقيا للأزهر:
أما عن إهدار دم غسلمان رشديف الصادر من الزعيم الخميني، فأدنته من ناحية اختراقه للعلاقات الدولية وخروجه علي الاسلام الذي نعرفه فيما يتعلق بمحاسبة المرتد (...). وأيدت مقاطعة الكتاب غأي الآيات الشيطانيةف أو مصادرته حفظا للسلام الاجتماعي وعلي شرط ألا يتخذ ذلك ذريعة لقهر الفكر، بل أيدت مطالبة الأزهر بمنع أولاد حارتنا طالما أن رأيه فيها لم يتغير، وأكدت أن كتابي ليس فيه ما يمس الأديان أو الرسل وأن الربط بينه وبين كتاب رشدي خطأ بالغ، وإني كبير الأمل في أن أوضح للمعترضين عليه وجه الحق فيه .
لكن هذه الفرصة لن تمنح له أبدا. وتبلغ الهجمات علي الرواية ذروتها بهذا التصريح الصادر عن الشيخ عمر عبدالرحمن المرشد الروحي للإسلاميين الجذريين المصريين
ومن ناحية الحكم الاسلامي فسلمان رشدي ومثله نجيب محفوظ... هؤلاء مرتدون. فكل من يتكلم عن الاسلام بسوء فهو مرتد. والحكم الشرعي أنه يستتاب فإن لم يتب قتل لقول الرسول صلي الله عليه وسلم: 'من بدل دينه فاقتلوه'. ففتوي الخميني صحيحة، وعين الصواب. وإن سلمان رشدي يجب أن يقتل، ولو كان هذا نفذ في نجيب محفوظ عندما كتب أولاد حارتنا لتأدب سلمان رشدي وأي واحد يتحدث عن الاسلام بسوء.
وبعد ذلك بخمس سنوات، في الرابع عشر من اكتوبر/ تشرين الأول 1994، ينتقل شابان متطرفان إلي التنفيذ ويحاولان اغتيال الكاتب. وبعد إلقاء القبض عليهما بسرعة، يعلنان أنهما أرادا تنفيذ فتوي الشيخ عمر (56). وبهذه الفتوي، تم اجتياز عتبة جديدة: فقد جري الانتقال من منع كتاب إلي تكفير كاتبه الذي جري اعتباره مرتدا لابد من استتابته.

وقد أوضحت مليكة زغال كيف أن العلاقات بين المؤسسة الأزهرية والاسلام السياسي الجذري، والتي طالما صورت علي أنها علاقات تناحرية، قد طرأ عليها تحول في العقدين الأخيرين. ومسيرة الشيخ عمر عبدالرحمن، وهو دكتور أزهري صار مفتيا للجماعات الاسلامية الجذرية، تعد مثالا لذلك، إلا أن بالإمكان أيضا أن نتذكر الشيخ محمد الغزالي (1917 1997)، أحد كبار العلماء المصريين، الذي قام بعد الحدث بإضفاء الشرعية علي قتل فرج فودة، المناضل العلماني، خلال محاكمة قاتليه. وفي الاتجاه نفسه، تجب الإشارة إلي التباين بين التقرير المكتوب في عام 1968 عن أولاد حارتنا، حيث رأي مجمع البحوث الاسلامية 'ان ما قدمه الكاتب من حيث هو بعيدا عن المعتقدات والمقدسات عمل فني ممتاز'، وتقرير عام 1988، حيث يري المجمع، بنبرة أكثر عداء بكثير، 'وأما تقدير العمل من حيث هو فن' (رفيع) فنتركه لهؤلاء النقاد الذين استساغت أذواقهم (الرفيعة) مثل هذا الفن 'وأما نية محفوظ، 'فسوف يحاسبه الله تعالي عليها'.

علي أن محاولة الاغتيال إنما تؤدي، للحظة، إلي تحويل وضعية الرواية. ففي صفوف الانتلجنسيا العلمانية، يشار باصبع الاتهام إلي الأزهر، المتهم بتسليحه عقول القتلة، وإن لم يكن أيديهم، كما يجري حث محفوظ علي نشر الكتاب أخيرا. ومرة أخري يقول الكاتب لا، وهو راقد علي سريره بالمستشفي. علي أن جانبا من الصحافة ينخرط في مزايدة علي نشر الرواية، وذلك باسم حق الرأي العام في المعرفة. ويشجب العلماء محاولة الاغتيال، لكن الأزهر لايصدر أي تعليق رسمي. ويري محفوظ أن هذا الصمت إنما يعني بجلاء أن المؤسسة الدينية.

فما الذي يأخذه هؤلاء الأخيرون علي الرواية؟ إنهم يقولون إن سيرة شخصيات الرواية إنما تعتبر، من حيث الجوهر، مستمدة إلي حد بعيد من سيرة الأنبياء وصحابتهم بحيث إن القاريء العادي لايمكنه إلا أن يرصد الشبه بين هؤلاء وأولئك. والشيء نفسه يمكن قوله عن 'الجد' الجبلاوي، الذي لايمكن للقاريء المؤمن إلا أن يري فيه سلسلة بأكملها من الصفات التي تخص الله. علي أن هذه الشخصيات المقدسة إنما تتحرك في وسط من القاذورات والذباب وأحيانا ما تعاقر الخمر وتتعاطي الحشيش، بل إنها تتمادي (شأن قاسم محمد) في مطاردة النساء، وثالثة الأثافي أن الله الجبلاوي يموت بفعل عرفة (الشخصية الرامزة إلي العلم الحديث)، ومن المؤكد أن هذا قتل لله غير مقصود أو أنه قتل غير مباشر، لكنه يظل قتلا لله في جميع الأحوال. وهذا كله يكفي لتبرير منع الكتاب: وهذا هو موقف الشيخ عبدالجليل شلبي، مدير لجنة الترجمة والنشر بمجمع البحوث الاسلامية أي لجنة الرقابة الأزهرية . فنحن نجد لديه، كما لدي معلقين آخرين محبذين لمنع الرواية، عين الفكرة التي تذهب إلي أنه لايمكن أن تكون هناك حرية مطلقة، وإلي أن هناك بعض الأمور المقدسة التي لايجوز للفنان المساس بها وهي فكرة صدق عليها من جهة أخري محفوظ نفسه وعدد من المثقفين المؤيدين لنشر الرواية. ومن ثم فإن الخلاف لايدور حول تعريف مضمونه وفي الوقت نفسه، تعريف الجهة التي تحوز صلاحية القيام بهذا التعريف (الأزهر أم الرقباء العلمانيين؟).

وهذا هو السبب في أن جانبا كبيرا من الجدل حول الرواية قد دار حول مسألة ما اذا كان أبطالها هم أبطال المروية المقدسة أم لا. ويتمثل حجاج رجال الدين في 'حل رموز' مروية محفوظ سعيا إلي مقارنتها بالمروية الاسلامية، بهدف إثبات أن المروية الأولي ليست غير تصوير للمروية الثانية، كما بهدف إعادة تنصيب هذه المروية الأخيرة في حقيقتها الخالدة. ويقول الشيخ شلبي: كان كل ما أعنيه بالكتابة عنها غأي عن رواية أولاد حارتناف هو حل رموزها، والمطابقة بينها وبين أصولها في كتب الأديان والتاريخ.
فما الذي يبقي من هذا كله؟ يبقي، أولا، أن محفوظ إنما يخضع لاعتراض الأزهر الذي لايمكن رفضه: فمنذ عام 1988، لم يكن هناك مانع سياسي أو قانوني يحول دون نشر الرواية. ويبقي، ثانيا، أن موقفه وموقف المدافعين عن الرواية إنما يؤول إلي تناقض: فهم بتأكيدهم معه أن روايته لاتتضمن شيئا يسيء إلي الايمان وصحيح الدين إنما يعترفون بأن الابداع الأدبي أو الفني يجب أن يحترم معايير من خارج مجال الأدب، وبهذا الموقف نفسه، تبدو مطالبتهم بالاستقلال واهية الأساس إلي حد بعيد. فما أن يقبل الفنان الانصياع لمعايير من خارج مجال الفن (أكانت معايير دينية أم سياسية أم أخلاقية)، هيهات له أن يفلت من تدخل سلطات خارجية تري، بشكل منطقي، أنها الأجدر منه هو نفسه بتعريف هذه المعايير وبالسهر علي احترامها.

'رقابة الشارع'
المناخ العام الآن أسوأ بكثير من الأيام التي نشرت فيها غرواية أولاد حارتناف، فالأزهر في هذه الأيام يمثل التسامح بالنسبة للتيارات الاخري(...) وضغوط الشارع أسوأ بكثير من الرقابة الرسمية، لأنك تستطيع التفاهم مع الأخيرة، ولكن كيف تتفاهم مع أناس منتشرين من الاسكندرية إلي أسوان!
نجيب محفوظ.
في أواخر التسعينيات، أصبح 'إلغاء المؤسسات العديدة المتحكمة في الانتاج الثقافي' أول مطلب للكتاب وللفنانين المصريين. ومن المؤكد أن الأزهر هو المستهدف بالدرجة الأولي، لكن الضغوط الأخري إنما ترجع إلي أصول جد متنوعة. وذلك لأن إلغاء الرقابة المسبقة علي الكتابات في عام 1977 قد تم في سياق يتميز بتطورين متناقضين: من جهة، انبثاق قطب مستقل نسبيا، في داخل الحقل الأدبي، ومن الجهة الأخري، الرغبة في عودة الأخلاق المحافظة، وهي رغبة أوساط اجتماعية متزايدة الاتساع باطراد، تتمكن غالبا لأول مرة من استعمال واستهلاك سلع ثقافية 'حديثة' بفضل النمو الأقتصادي والهجرة المؤقتة إلي ملكيات الخليج المحافظة. وفي منشأ العديد من المناظرات التي فجرتها أعمال أدبية منذ إلغاء الرقابة، نجد فاعلين لاهم الأزهر ولارقباء الدولة الرسميين، بل رقباء يعلنون أنفسهم رقباء من تلقاء أنفسهم: علماء مستقلون، محامون، نواب برلمانيون، عاملون بدور النشر، صحافيون، إمناء مكتبات إلخ. ومحل لعبة غير متكافئة، وإن كانت قواعدها معروفة ومفبولة من الطرفين، بين الكاتب والرقيب الرسمي، تحل، بفضل 'دمقرطة' سوق السلع الرمزية، لعبة ذات قواعد غير ثابتة، تعد أكثر تهديدا لاستقرار الكاتب بقدر ما أن هؤلاء الرقباء الذين يعلنون أنفسهم رقباء من تلقاء أنفسهم، حتي مع كونهم لايتمتعون بأية سلطة قانونية، غالبا ماينجحون في فرض وجهات نظرهم.

وهذه الرقابة الجديدة إنما تصور مفارقة خطاب أدائي فعال بينما هولا يملك سلطة مؤسسية. ويوضح بيير بورديو في كتابه: بعبارة أخري في معرض نقده للنظرية اللغوية 'الخالصة' للخطاب الأدائي، أن هذا الخطاب لايكون فعالا إلا بقدر السلطة الاجتماعية المعترف بها لصاحبه لكن السلطة المعنية هنا لا تنبع بالضرورة من مصدر قانوني ورسمي: فممارسات الرقابة هذه من خارج المؤسسة أومما يشبه مؤسسة إنما تشهد علي انتشار اجتماعي للسلطة خارج احتكار الدولة يهدد الحرية النسبية التي كان فريق من الكتاب قد كسبها (أو استردها) عند رحيل الناصرية، وإن كانت تشهد أيضا علي انتقام معين من جانب المجتمع المدني من الدولة.

وفي آواخر عام 1996، دشن الناشر الرسمي، ألا وهو الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة جديدة تحمل اسم كتابات جديدة، مهمتها أن تكون نافذة، كما يشير إلي ذلك اسمها، ل 'الكتابات الجديدة'، وقد عهد بالإشراف عليها إلي الروائي إبراهيم عبد المجيد. وبين العناوين الأولي المنشورة في هذه السلسلة، نجد رواية الصقار لسمير غريب علي (ولد في عام 1966)، وتعتمد حبكة هذه الرواية القصيرة علي الصلة العاصفة بين الراوي، يحيي، وهو مهندس شاب يعمل في مصنع تملكه الدولة آخذ في الأنهيار وبسبيله إلي الخصخصة، ومليندا، وهي طالبة فرنسية جاءت لتعلم العربية في القاهرة.
قرأتْ:
'مليون سما فوق رأسي ولا إله يسمع لي
إدني أي كنيسة أدوسها تحت نعلي'
وسألتني:
­ هذا من شعر لويس عوض، تعرفه؟
أجبت:
­ لاأعرف أنه كتب شعرا.
استدارت وعادت إلي الكرسي: ­ أنت لاتعرف شيئا!
(...)

هل تعرف أحدا كتب مثل هذا عن المساجد؟
التفت إليها وأضافت:
­ ابحث لي ! (ص ص 56 ­57)
وفي موضع آخر، يحكي لها يحيي حكاية عائلته، وهي حكاية تتميز بوجود عدة شخصيات غير قويمة السلوك. شأن جده الذي قال أهل القرية إنه كان يوصد الباب علي نفسه، خلال شهر رمضان، في غرفة ببيته ويقتات علي ما تأتي إليه به الجن و'يقضي حاجته قرب فراشه ويمسح نفسه بأوراق القرآن' وبعد ثلاثة أشهر من ظهور الرواية، استشهد بهذه المقتطفات فهمي هويدي ­ وهوكاتب من كتاب الأهرام له نفوذه، حيث يمثل التيار المسمي
بالتيار الإسلامي المعتدل ­ وذلك بوصفها أمثلة علي التطاول علي 'ثوابت المجتمع' باسم الحرية.
وبعد أن أوضح أن كل مجتمع يجب أن يدافع عن هويته التي تتجلي في عدد من الثوابت، وأن الحريات يجب أن يتم التعبير عنها ضمن حدود احترام هذه الثوابت، يتوقف طويلا للكلام عن الصقار التي رأي أنها 'نوع من الكتابة الشيطانية العدمية المدمرة لكل ماهو ديني ­ إسلامي أومسيحي ­ فضلا عما هو أخلاقي'، ثم يدعو إلي 'تدخل السلطة والحاصل أن هذا المقال قد دشن مناظرة طويلة، بينما قامت الهيئة المصرية العامة للكتاب بسحب الرواية في تكتم من السوق.
فلماذا يلجأ كاتب يدعو إلي 'عقد اجتماعي جديد' (توافق آراء علي 'ثوابت المجتمع' إلي استهداف الرواية الأولي لكاتب مغمور؟ سوف يتساءل إبراهيم عبد المجيد: ' هل يمكن أن تفسد رواية يقرأها عشراتج الناس شعبا بأكمله؟
وبصرف النظر عن دوافع هويدي، إلا أن مداخلته إنما تشير إلي قوة حضور خرافة المكتوب، فالمكتوب (أدبا كان أم غير أدب)، إنما يجري تحويله، بعد إضفاء طابع تفتيشي عليه، إلي فترينة وإلي معيار رئيسي ل 'الثوابت' ­ ورفض الرواية ينبع من هذا. وبالرغم من استنكار المدافعين عن الرواية لهذا الرفض، لايتوقف هويدي ولو لثانية واحدة أمام واقع أن الكاتب والراوي (الذي يتكلم بضمير المتكلم) يعبران دون لبس عن تباعدهما عن مليندا، بل وعن عدائهما لها: فالرقابة إنما تحرم الكاتب مماهو كامن في أساس العقد الروائي. والوجه الآخر لخرافة المكتوب إنما يوجزه جيدا ضحيتها اليوم:
لقد حاولتج الكتابة بنفس الطريقة التي نتكلم بها. شاعر كبير قال لي: مايمكن قوله علي أنه شفاهي لايمكن قبوله مكتوبا (...) إني قرأت روايتي علي مجموعة من العمال بالمصنع (الذي أعمل به) فلم يعترض أحد علي شيء، بل علي العكس، المشكلة تكمن في تناقضات الطبقة المتوسطة. يقولون لنا: نحن مع حرية الرأي ويقفون علي النقيض من ذلك، يمارسون حياتهم بطريقة ويعتقدون في أشياء أخري كل شيء واضح: فالمكتوب يرتبط بالشريحة السائدة من المجتمع ومنظومة المعايير والقيم التي تنصب نفسها حارسا لها ورقيبا. وهذا هوالسبب في أن المكتوب لايمكنه تصوير الواقع تصويرا محايدا، 'موضوعيا' . فالعنف والأنحراف أو أنعدام الأخلاق، والتي تشكل كلها مفردات يومية للحياة الواقعية، يجب تخفيفها وحجبها كي لاتصدم ذائقة 'النخبة'، وبالأخص كي لا تقدم ل 'الجماهير' أفكارا سيئة.

وكما نري غالبا عندما نتابع هذا النوع من المناظرات من يوم لآخر، من الداخل تقريبا، فإن مختلف الفاعلين المتدخلين في قضية الصقار غالبا ماكان رد فعلهم مراوحا، ومباينا بهذه الدرجة أوتلك من الوضوح للمواقف المتوقعة من مثقفين 'ليبراليين'و 'مستنيرين'. فقد توحد كتاب ومثقفون من مختلف المشارب في شجب 'الابتذال' الذي يغزو كتابات الجيل الشاب واعتبروا الصقار مجرد مثال له بين أمثلة أخري. وهم يقولون من حيث الجوهر إن هذا الجيل إنما يتمادي في انتهاك 'التابوات' الدينية والأخلاقية بينما لايجرؤ واحد من ممثليه علي انتهاك التابو السياسي، الأكثر أهمية بكثير. وقد شجب كتاب كبار عديدون تدخل فهمي هويدي، الأكثر مقتا لدي الأنتاجنسيا العلمانية منذ دوره في قضية نصر أبو زيد، والمتهم ب 'استعداء السلطات علي المبدعين'، بل وبتسليح أيدي 'المتطرفين'. لكن دفاعهم عن حرية الكاتب إنما يظل مشروطا: فهو يخضع ل 'ضميره' ول 'شعوره' بالمسئولية: والمرفوض هو تدخل قوي 'من خارج دائرة الإبداع' ومرة أخري، يفصل الحقل الأدبيج استقلال 'الإبداع' عن استقلال 'المبدع'. فمن حيث الحوهر، يقول الكتٌّاب: دعونا نراقب أنفسنا بأنفسنا، وسوف تكون 'ثوابت المجتمع' مرعبة علي مايرام. وهو حل وسط قلما يكون مرضيا من الناحية الفكرية، إلا أنه قد يكون لامهرب منه بالنظر إلي القيود الموضوعية التي تنيخ بكلكلها علي الكاتب.

الأدب في الجامعة: قضية 'الخبز الحافي'
في ديسمبر/ كانون الأول 1998، نجد أن سامية محرز، أستاذ الأدب العربي الحديث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، قد طولبت من جانب إدارة الجامعة بالتوقف عن تدريس الخبز الحافي (الترجمة الفرنسية: 1981) وهي سيرة ذاتية روائية للكاتب المغربي محمد شكري، وذلك لأن عددا من أولياء أمور الطلاب قد اشتكوا من أن هذه القراءة الإلزامية للرواية 'تهدم أخلاق' أبنائهم وتشكل في نظرهم، جنحة 'تحرش جنسي' وكانت الجامعة الأميركية قد وجدت نفسها قبل ذلك ببضعة أشهر في قفص الأتهام بعد أن قام كاتب صحافي له نفوذه (صلاح منتصر، في الأهرام) باتهام مدرس آخر بهدم إيمان الطلاب بإلزامهم بقراءة الترجمة الإنجليزية لكتاب مكسيم رودنسون: محمد. وكان وزير التعليم العالي قد أمر آنذاك بسحب الكتاب من مكتبة الجامعة، بينما قدمت إدارة الجامعة الأمريكية بالقاهرة اعتذارا في بيان منشور في الصفحة الأولي بالأهرام (14 مايو/ آيار 1998). وحتي لاتجد إدارة الجامعة نفسها من جديد هدفا لتجريس علني، أخذت هذه المرة زمام المبادرة بالضغط علي الأستاذة التي تعمل بالجامعة.
وهو مجهود ضائع: فقد استحوذت الصحافة علي القضية وفي الأشهر التالية تدخل عشرات من الصحافيين والمثقفين في المناظرة في مصر، في حين تطورت حملة تضامن في أوساط المستعربين الدولية مع الأستاذة المهددة.

وما كان مهددا في قضية الخبر الحافي هو بالدرجة الأولي حرية التعليم والتي تعد، في مصر كما في كل بلد آخر، القاعدة (من الناحية النظرية) في المستوي الجامعي ومن المؤكد أن القضية قد اتخدت منعطفا خاصا بحكم أن الإطار الذي دارت فيه هو الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والتي تمثل بؤرة جميع تناقضات العلاقة بين مصر والولايات المتحدة
(و'الغرب' بصورة أعم) . لكن تكاثر القضايا المماثلة، في الوقت نفسه، في الجامعات القومية المصرية إنما يشير إلي أن الرهانات تتجاوز كثيرا الجامعة الأمريكية بالقاهرة. والمهم بصورة خاصة هو أنه إذا كانت الخبز الحافي قد أراقت الكثير من الحبر في مصر عام 1999، فما ذلك إلا لأنها قد ركزت عليها كل الجدل المتعلق بالوظيفة الأجتماعية للأدب.

ودون أن نعيد هنا تتبع القضية برمتها، دعونا نتذكر وجهات النظر الرئيسية المطروحة. فمن جهة 'الرقباء' أولا، يجب أن نميز بين أولئك الذين طالبوا بمنع الخبز الحافي من الأساس وأولئك الذين اعترضوا علي مجرد اختيارها لتكون موضوعا دراسيا. ويري هؤلاء الأخيرون أن المدرس، حتي ولو علي المستوي الجامعي، لايمكنه التمتع بالحرية نفسها التي يتمتع بها الكاتب، ولو لمجرد أن الطلاب، خلافا للقاريء العادي، ليسوا أحرارا في قراءة أوعدم قراءة النصوص التي يختارها لهم المدرس، ومن ثم فمن واجبه 'أخذ رؤيتهم' في الأعتبار . وهذه، ولنقل ذلك، نسخة ديمرقراطية من حجة لاتخفي، عند معلقين عديدين، طابعها النحبوي: فالطلاب يبدون في هذه النسخة قاصرين يمكن أن يسقطوا تحت سيطرة كافة أنواع المؤثرات الخبيثة والمدمرة ­ ولا أهمية تذكر لواقع أنهم قد بلغوا كلهم أو كلهم تقريبا سن الرشد القانوني (الثامنة عشرة من العمر) وأنهم موجودون علي وجه التحديد في مؤسسة يفترض فيها تنمية استعداداتهم الفكرية وملكة الحكم لديهم، ويكفي إحلال 'الجماهير' محل الطلاب حتي نجد أنفسنا من جديد بإزاء النخبوية المعتادة: فلأن الكتابة الأدبية لاتمس غير نخبة محدودة، تحديدا، نعترف لها بحق تجاوز المعايير المقررة اجتماعيا، ضمن حدود معينة. وما أن يقرأها آخرون غير هذه القلة المحظوظة. فلا مفر من التحفظ وفرض الرقابة..

والحال أننا نجد عند مدرسين آخرين بالجامعة الأمريكية بالقاهرة التعبير الأكثر تبلورا عن الجدل ففريال غزول، أستاذ الأدب المقارن، تقترح قراءة للخبز الحافي علي شكل مرافعة دفاع عن 'هذا العمل الكلاسيكي في الأدب العربي الحديث ويتألف حجاجها الرئيسي من توضيح وتبرير لا أخلاقية العمل ليس باستقلال الفن، وإنما بالإحالة إلي واقع اجتماعي هو نفسه لا أخلاقي ­ البؤس الذي فرضه الواقع الأستعماري. وهي تغرس هذا الحجاج في اللغة:
'الخبز الحافي كلها يمكن أن تقرأ بوصفها لعبة أدبية علي معني الفعل ّحّرّمّ. (...)
والشيء الجوهري، في نظري، إنما يكمن في اللعبة بين حرام وحرمان، وهما تعبير عن حرمان واحد وهناك إشارات عديدة إلي هاتين الكلمتين في عديد من المواقف (في الرواية) وأعتقد أن مايرمي إليه شكري هو أنهما يرتبطان ارتباطا حميما فيما بينهما وأن بوسعنا التحرر من هذه الحلقة الجهنمية، في نهاية المطاف وهذا التحرر الفردي إنما يرتبط بالتحررالجماعي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر
والحال أن محمد شكري إذ يجعل زميلا له في الزنزانة يقرأ له هذين البيتين الشهيرين للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي سوف يقرر تعلم القراءة والكتابة وسوف يتوصل إلي كسر 'الحلقة الجهنمية'.

والخلاصة أن فريال غزول إنما تضفي الشرعية علي الخبز الحافي بالإحالة إلي عبرة، فالوصف الواقعي، الفج، للانحراف الاجتماعي وللا أخلاقية الواقع يحوي إشارة ضمنية (في مجمل الكتاب) ثم صريحة ( في آخره) إلي معيار أخلاقي أرقي يحول القهر السياسي والظلم الاجتماعي دون تطبيقه وفي هذا الصدد، تقف فريال غزول علي الأرضية نفسها التي يقف عليها زميلها ومعارضها جلال أمين وهو أستاذ للاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة وكاتب مقالات يكثر، منذ عشرسنوات مداخلاته في المناقشات الأدبية.

ويسعي جلال أمين في رده علي فريال غزول إلي بيان أننا لايمكننا استخلاص أية عبرة ضمنية من لا أخلاقية بطل الخبز الحافي 'إن من الممكن جدا أن تكون رواية، هذا موضوعها، وهذه هي أحداثها، سرقة وتهريب ودعارة وسكر ومخدرات، رواية إنسانية، بالرغم من هذا كله، ولكن لهذا بالطبع شروط. من أهم هذه الشروط أن يكون البطل الذي يروي القصة والذي نري كل أحداثها من خلاله ونحكم علي كل شيء من وجهة نظره، أن يكون هذا البطل شريفا في الأساس(...) أن يكون رجلا نظيفا من الداخل، مهما كانت قذارة الأعمال التي يرتكبها رغما عنه (...) ولكننا للأسف لا نجد شيئا من ذلك في هذا الكتاب. فليس في المائة والخمسين صفحة التي تتكون منها رواية الخبز الحافي دليل واحد، مهما كان صغيرا علي أن بطل الرواية رجل نظيف من الداخل علي أن مداخلة جلال أمين، المؤسفة علي أقل تقدير، في المناقشة، إنما تتميز علي الأقل بماثرة الإشارة إلي قصور الحجة الأخلاقية. وفي مواجهة الرقابة، ألا يتمثل الدفاع الممكن الوحيد عن العمل الفني في إعادة تأكيد استقلاليته، أي القطيعة التي لابد منها بين الفن والأخلاق؟
هذا مايفعله إدوارد سعيد في مقال نشرته الأهرام ويكلي، يعد مساهمة في المناقشة، بالرغم من أنه لايشير إلي الخبز الحافي فإذ يتخلي سعيد لمرة عن التعليق السياسي، يضع النقاط علي الخروف بجلاء وببلاغة يذكراننا بأنه كان ومايزال أستاذا للأدب قبل أن يصبح المفكر الكبير الذي صاره اليوم. فهويقول من حيث الجوهر إنه منذ جمهورية أفلاطون إلي القرن الثامن عشر، استرشد الأدب والنقد ب ' مايسميه الشاعر اللاتيني هوراس باتحاد الجميل والخير وخلافا لذلك فرضت الرومانسية وإيدولوجيات الفن الحديثة الأخري الفكرة التي تذهب إلي أن الفن يمكنه، بل ويجب عليه 'انتهاك كل ضروب اللياقة، وكذلك انتهاك التصوير الواقعي ومنذ ذلك الحين أصبح من المفترض في الفن أن يكون مختلفا عن الحياة، فهو يجب أن يهدم الواقع العادي، وقد خلق لكي يكون متطرفا، لا لكي يكون متصالحا مع المألوف' ويذكرنا سعيد بأن هذا الفصل بين الجميل والخير والذي لايتم إنجازه مرة واحدة وإلي الأبد وإنما يتوجب دوما إعادة تأكيده وإعادة الفوز به ضد كافة العقائد الجامدة وكافة محاكم التفتيش، في الغرب كما في العالم العربي، لايبدو إلي اليوم مع ذلك أقل استحالة علي الفوز به من جانب الكتاب المصريين، ففي الحقل المصري المعاصر، يبدو من المستحيل الفوز بمكانة كمكانة سيلين في الحقل الفرنسي، المكرس بوصفه كاتبا عظيما بالرغم من لا أخلاقيته، ولايرجع ذلك إلي مجرد ضغوط كافة الرقباء، الضغوط الممارسة من فوق والضغوط الممارسة من تحت، وإنما يرجع أيضا إلي أن الإيديولوجية السائدة في الحقل نفسه انما تبدو عاجزة عن تأسيس مفهوم مستقل للفن والأدب. .‏

**********************

Back to Top 


 © Arab World Books