قطعة ليل


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

 

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 


قصة قصيرة بقلم : أحمد الخميسي

واصل الثلاثة سيرهم منهكين على طريق تعلو وتهبط وتلتوي كالثعبان .
الشمس في قلب السماء كالحريق ، والقمر مثبت في الجهة الأخرى ، أبيض ، بلا ضوء .
في اليوم الأول كانوا جماعة كبيرة من نحو خمسين شخصا ، ثم تساقط أفرادها من التعب واليأس واحداً بعد الآخر على جانبي الطريق . في اليوم الثالث تهاوى رجل وأمه ، في اليوم الخامس حطت أسرة بأطفالها تحت شجرة ، ثم شابان عاشقان ، ثم ذلك الرجل الذي قال إنه لا يرى جدوى من هذا البحث ، ولكنه ينضم إليهم من باب الفضول . وبعد ذلك لم تعد لدي أحد رغبة أو جهد لمراقبة الذين ينسلون بهدوء.
كان الثلاثة يجرجرون خطواتهم والغبار يتصاعد حول أقدامهم والعرق يسيل من أعناقهم إلى ظهورهم . من وقت لآخر كان أحدهم يتطلع إلى جانبي الطريق المقفرة بحثا عن ظل شجرة ، أو إلى السماء ربما تعبر سحابة مثقلة بالماء ، أو يرهف السمع إلى خرير مياه في نهر بعيد متخيل .

قال البدين الذي احمرَّت عيناه وهو يدفع جسده إلى الأمام:
- لو أنها أمطرت على الأقل .
ولم تكن لدى الاثنين الآخرين : النحيف ، والقصير ، قدرة على النطق بشيء . في اليومين الأخيرين كانت الكلمات تخرج من الفم كأنها أحجار ثقيلة ساخنة وملتهبة.
ابتلع القصير ريقه يرطب به حلقه :
- قيل لنا إن قطعة الليل مسدلة خلف الجبل ، وهانحن قد تركنا الجبل منذ أيام ، ثم جبلا ، وآخر ، والآن نمشي فلا نصادف سوى سلاحف تطل بأعناقها من جحورها ، وشجيرات صبار ، وضوء متدفق من كل ناحية . ما من شيء ، تلاشى حتى نباح الكلاب الضالة الذي رافقنا الأيام الأولى .
قال النحيف :
- لو كان الليل في مكان قريب لشاهدنا ولو ظلا من عتمته يعبر السماء .
توقف البدين لاهثا ، ثم ارتمى على الطريق جالسا وهو يغطي رأسه بيديه الضخمتين .
توقف الاثنان الآخران أيضا .
نظر البدين إلى ساعة يده وقال بصوت مذبوح :
- الثالثة فجرا ، والضوء ساطع كالجحيم ، حتى ذرات التراب مضاءة متوهجة.
ألقى النحيف بنفسه إلى جوار البدين متسائلا :
- ألا يجدر بنا أن نفكر في الرجوع ؟
أجابه القصير :
- نرجع ؟ ألا يحتمل أن نكون قاب قوسين من الليل ؟
زفر البدين :
- نعود إلى حياتنا دون شيء ؟
تبرم القصير :
- الضوء أربع وعشرين ساعة يبعث على الجنون .
تعجب النحيف :
- يحدق الجميع في أعين بعضهم البعض صراحة ، ولا يستطيع أحد أن يقول شيئا ، لم يعد هناك مكان لشائعة ، أو مال متدفق ، أو خطة تُدبر.
أوضح البدين :
- لابد أن قطعة الليل مرمية في مكان ما . كيف يمكن للحياة أن تستمر هكذا ؟
علق القصير :
- جفت حلوقنا ، ونفدت قوانا .
قال النحيف :
- مازال القمر يقف قبالة الشمس أبيض بلا ضوء .

تناول كل منهم جرعة ماء ، ومسحوا جباههم بقطرات منه ، ثم استأنفوا السير.
زحف البدين إلى الأمام والعرق يغطي عينيه والملح يحرق جلده متطلعا إلى نهاية الطريق . وكان النحيف يرسل بصره إلى السماء بحثا عن طير يضرب الجو بجناحيه ، أما القصير فراح يدفع أنفه إلى الهواء لعله يتنشق شيئا غير رائحة الدخان والحريق .
سحابة رمادية ركضت مسرعة في السماء . أشار النحيف إليها صائحا بلهفة:
- انظرا !
تطلع الاثنان الآخران إلى السماء .
هتف النحيف وركبتاه تصطكان من التعب :
- لعلها الظلمة قريبة منا في مكان ما .
اضطربت عينا البدين المحمرتين بهوس وغمغم :
-لابد أنها وراء هذه الرابية .
غذ ثلاثتهم السير ، وانحرفت الطريق بهم يمينا ، ثم ارتفعت إلى أعلى ، وظهرت رابية عالية توقف عندها الثلاثة يلتقطون أنفاسهم . وضع الطويل حافة يده فوق عينيه :
- لا أرى شيئا .
- ألم نقترب قليلا ؟
- ربما . لكن لا يبين شيء من هنا ولا يُسمع صوت .
- دقق النظر !
- لا شيء . بحر من الضوء !
مكثوا فوق الرابية يفتشون في الأفق عن خيط من ظلمة .
تقدم البدين باقتراحه :
- نستريح اليوم ونواصل السير غدا ؟
- كلا .
- فلنمض .
واصلوا سيرهم منهكين من الضوء ..
 

**********************

Back to Top 


 © Arab World Books