البناء المتراكب




الكتاب : طفل شقي اسمه عنتر - ميريت للنشر والمعلومات. ط1. 2003م.
عرض محمد معتصم - المغرب.






1/ بعد عدة مراحل وأجيال تجد الرواية العربية نفسها تحت طائل الاختبارات والاختيارات. وقد أتاحت العقود المتتالية للرواية العربية إمكانية تجريب كل التقنيات الممكنة والمتداولة في النظرية النقدية، وفي جعبة السرديات، باعتبارها علما اقترح نفسه ميدانا لدراسة وتحليل السرد بشتى أشكاله وأنماطه. التقليدية والحديثة.

والرواية العربية اليوم تتعايش في ظلها اتجاهات مختلفة بألوان متنوعة. وفي مصر تطورت الرواية كثيرا، بعد التجارب الرائدة لصاحب "أولاد حارتنا" و "الحرافيش" ... وصاحب أول جائزة نوبل للآداب العربية "نجيب محفوظ". لقد رسخ نجيب محفوظ الرواية في التربة العربية بأسرها. وخرج بها من التقليدية، ولحظة الحبو، والتعثر في حبال الحدوثة، والحكاية الشعبية، والروايات المعربة، المجتزأة، والمقتبسات. وأسس لرواية واقعية، تستوحي الواقع المصري. وركز على الحارة بتركيبتها الاجتماعية النمطية.

لكن منذ تلك الفترة التأسيسية إلى اليوم جرى ماء كثير تحت الجسر، وتبدلت الرواية في المواقع وفي لبوس عديدة. ومع ذلك نزعم أن الرواية في مصر وإن تغيرت واختلفت من حيث الشكل وفي الموضوعات، فإنها حافظت على مستوى القصدية. فجل الروايات تتعامل بحساسية شديدة مع الواقع المعيشي. الواقع الجديد. واقع التحولات. وماضي الأحلام الكبيرة. شأنها في ذلك شأن الرواية العربية في البلاد العربية من المحيط إلى الخليج. لقد شهدت البلاد العربية موجة من الآمال تلتها هزات متوالية ومطردة جعل العقل العربي يدخل حالة من التردد ومن شبه التوقف من أجل فهم ما جرى. فهم التبدلات السريعة في الحياة السياسية وفي العلاقات وفي سلوك الأفراد. تحولات في بنيات المجتمع، وبالتالي في أنماط التفكير. لقد دخل العقل العربي في حالة من الشك والريبة. بعد سقوط الكثير من الأحلام.

ومن الروايات الحديثة الصدور والتي ركزت على الموضوع بوضوح وفنية كذلك، رواية محمد توفيق "طفل شقي اسمه عنتر".

2/ تنبني حكاية الرواية على فكرة وعلى صورة مركزيتين: الفكرة تحوم حول البحث عما جرى، والسعي في سبيل الحصول على أجوبة مقنعة للتحولات الخطيرة التي دخلتها مصر بعد ما عرف هنالك باسم عصر الانفتاح. والصورة تتمثل في شراكة معقدة التركيب، شبكة عنكبوت خيوطها محكمة لكن لا تراها العين المجردة. أطرافها أشخاص من كل لون، أشخاص يخونون وظائفهم وينخرطون في "مافيا" أنتجتها حركية المجتمع الجديد. مجموعات تحمي مصالحها الخاصة، وتتستر على بعضها للإفلات من قبضة القانون.

تتشكل الصورة على النحو التالي في الرواية: أحلام الشواربي فنانة شابة جميلة وذكية لكنها عنيدة، لم تستسلم لنزوات شكري شاكر، بل نالت ما ترغب فيه، وأول ذلك إخضاع الرجال وتقييدهم من نزواتهم. وقد جر عليها ذلك الكثير من المتاعب بلغت حد الاغتصاب والقتل. وهو ما تصفه الشخصية في الفصول الأخيرة بصوت عائد من عالم الموتى لاعتراف وترتيب الحكاية وترميم أطرافها وجزيئاتها المتشظية.

إصلاح المهندس صحفية تبحث عن الحقيقة في الواقع فتجده أكبر منها وأشد تعقيدا فتلجأ إلى الكتاب، "كشكول أحلام" تقلب أوراقه علها تعثر على أجوبة لأسئلتها المحيرة، حول رئيسها، وحول موت أحلام الشواربي، وحول جشع شكري شاكر،،،وحول الأيدي الخفي التي تحاصرها وتطمس معالم الجريمة، وحول التحالفات الخفي والخطيرة المتحكمة بمصائر الناس والبلاد.

الشاويش أشموني، مجند شارك في حرب أكتوبر 1973م، وأصبح شرطي مرور ينظم السير على الطريق. لكن قوة المال، وسطوة الرغبة الجنسية، وثقل وطأة العقم، كل ذلك جعله يقمع صوت الحق فيه، ويتستر على الجريمة؛ جريمة قتل أحلام الشواربي. وحتى في لحظة اعترافه أمام الضابط لتخليص ضميره والاستراحة النفسية لم يجد من يستمع إليه. لأن الشبكة محكمة التركيب والتعقيد. واتهم بالخرف، والتوهم.

عبد الملاك الدكتور العائد من أمريكا إلى مصر لتقديم خدماته لبلده، والمساهمة في إخراجه من حال التيه، والتخلف، يجد نفسه تدريجيا ينزلق نحو عش الزنابير، وكأن يدا خفية تتحكم في مصيره. يتحول من دكتور متخصص في الهندسة الوراثية إلى عالم روحاني يحضر الأرواح بالشقة التي قتلت بداخلها واغتصبت الفنانة أحلام الشواربي. وقبلها يفلت من عرض بالعمل في إسرائيل.

ديدي، التلميذة التي ستحاك حولها حبال الشبكة كذلك لكن بفضل إصرار إصلاح المهندس الصحفية التي ستصارع على هذه الواجهة من أجل تحقيق ولو نصر واحد يعيد للنفس توازنها وللعقل أهميته وثقته ومنطقه.

هكذا هي الصورة، شبكة محكمة من الأيدي الخفية تحرك العلاقات، وتوجهها بلا إرادة. أي تسلب الناس أرادتهم الخصوصية، وتحولهم إلى مجرد فرسان خشب على رقعة الحياة، يلبون ما يؤمرون به. وتصبح وظائفهم في الحياة شكلية مفرغة من الفعل. إنها صورة قوية وإشارة دالة على التحولات التي مرت بها مصر والبلاد العربية بعد التقلب السريع بين تيارات فكرية وحركات سياسية، لم تجن منها البلاد والعباد سوى المحنة. وكأن البلاد العربية ما تزال تبحث، في بحث مستمر، عن صيغة من خلالها تعيد لنفسها التوازن ولأهلها الاستقرار والطمأنينة. وصفة سحرية تستطيع أن تذيب الخلافات، وتردم الفوارق، وتخلق التصالح بين الماضي العربي والحاضر من أجل استشراف المستقبل الذي تحلم به.

إن الصورة التي تعبر عنها رواية "طفل شقي اسمه عنتر" تطرح أسئلة وجودية ومصيرية. ترتبط بالهوية السياسية، والهوية الثقافية، في مرحلة تاريخية شديدة الحساسية. تحددها الرواية في مساحة زمنية تمتد بين 02 أغسطس 1999م إلى بداية الألفية الثالثة. وهي فترة تجد البلاد العربية خلالها قد مرت من اختبارات واختيارات حاسمة في محلية ودولية. محليا، آثار ما بعد حرب الخليج الأولى والثانية، ودوليا آثار سقوط وتفكيك الكتلة الشرقية، ثم هيمنة القطب الواحد، والتبشير بفكر العولمة، ومنطق السوق الجشعة...

3/ إذا كان المحرك الأساس للرواية يتمثل في التحول السلبي في الحياة الاجتماعية، وفي القيم والمبادئ. فإن الرواية لم تتخل عن البحث عن وسيلة، صيغة خطابية، محددة لإبراز أفكارها تلك. ولهذا نجد الكاتب قد اعتمد في سرده للوقائع والأحداث على ثلاثة أماط بارزة من السرد.
1.3/ السرد البوليسي: وأستعمله لانتشاره في نمط الكتابة الروائية البوليسية، التي تقوم على أساس البحث عن الحقيقة، وكشف ألغاز الجريمة. يقوم بذلك الفعل مخبر محترف ومتخصص في مثل هذه الوقائع، والمخبر الحر الذي يتيح لنفسه تجريب كل الوسائل والإمكانيات من أجل الوصول إلى الحقيقة وكشف سر الجريمة. والتركيبة الأحداثية في الرواية البوليسية مركبة ومعقدة، ومليئة بالتوقعات الخاطئة والتكهنات الخاطئة. وفي ذلك تشويق وإثارة للمتلقي.

وفي رواية "طفل شقي اسمه عنتر" لمحمد توفيق استثمار لهذا النمط من السرد. لكن يبدو أن الرواية بدأت باتجاه البحث عن الحقيقة؛ حقيقة قتل الفنانة أحلام الشواربي، وانقلبت إلى بحث عن حقائق أخرى، حول جرائم أكبر. جرائم ارتكبها ويرتكبها مسؤولون عن تسيير أمور الناس، وتسيير البلاد. وتحتل شخصية إصلاح المهندس دور المخبر الذي يسعى إلى الوصول جاهدا للحقيقة. لكن دون سند حقيقي وفعلي.بل عكس الرواية البوليسية التي تستعمل فيها كل وسائل الضغط للحصول على النتائج وعلى المعلومات، فإن إصلاح المهندس تجد نفسها في محل المخبر الأعزل، لا سند له، بل عكس ذلك تتكاثر حولها المتبطات. رئيسها المباشر في الجريدة يأمرها بتوقيف التحقيق، ورئيس تحرير الجريدة يغريها بعرض يلهيها عن التحقيق، ويقدم لها تحرير صفحة المرأة (نصف المجتمع) رشوة حتى يبعدها عن الموضوع، ويثنيها عن متابعة البحث والتنقيب. فلا أحد يرغب في كشف المستور، ذلك الذي نراه ونتغافل عنه. الحقيقة المرعبة التي يتجنبها المسؤولون في مواقعهم، خوفا على تبدل مواقعهم وضياع فرصهم النادرة في الحياة، وخوفا على ضياع استقرارهم، ولو كان ذلك على حساب وظائفهم. ويأتي دور أخيها المهندس المعطل عن العمل الذي التقطته نباهة الأيدي الخفية لتستعمله ورقة ضغط ضد إصلاح المهندس للتنحي عن موضوع البحث.

إذا فالسرد البوليسي في هذه الرواية يجانب مساره في الرواية البوليسية للأسباب المذكورة: تحاشي الكشف عن الحقيقة والخوض في الأساسيات وأسباب السقوط والانحلال والانحراف السياسي والاجتماعي والثقافي...

2.3/ السرد التخييلي: وفيه تتجلى الحكاية. العلاقات بين الشخصيات الروائية، النسائية والرجالية. وهي علاقات ملتبسة يوحد بينها النفاق الاجتماعي، والتستر على سلوك اجتماعي سائد، والاستسلام له دون مقاومة حقيقية، بل تكتفي بعض الشخصيات الروائية بإبراز تذمرها وتكريس وطأة الشرنقة، وإحكام الشبكة العنكبوتية على الذات وإخصائها وسلبها كل قدرة أو فعل.

لكن أهم ما يوجد في السرد التخييلي الحوارات والصور الموازية التي تبدي بعض الشخصيات الروائية من خلالها ما يمكن أن يحققه الإنسان عندما يؤمن بالحرية، ويخرج من شرنقة الوهم القاتل. وأفضل مثال على ذلك شخصية "المخيخ" الذي زرعوا في ذهنه، كغيره، أنه ملاحق ومراقب من قبل عصابات القتل الدولية. وفرضوا عليه الإقامة الجبرية هاربا مختبئا في العتمة. وبذلك ضمنوا ثباته ومراقبته أكثر. حبسوه وشلوا حركة تفكيره وقدموا له العلف كما يقدم للحيوانات في الحدائق. يقول بعد تحرره وفي اعترافاته المتوالية، وفي محاوراته:" أنا كمان...ما بقيتش بخاف...ساهمت في بناء البرنامج النووي العراقي...قبل ما يدشدشوه الأمريكان...كنت فاكر إني بساهم في دعم القوة العربية...فلقيت نفسي شريك في أكبر نكبة على العرب بعد 67...لكن ما يهمش...وبعدين أنا ما لي...هو أنا إللي بلعب نار بمصائر الملايين؟...ولا أنا إللي بلعب شطرنج بمستقبل الشعوب؟...أنا مجرد واحد خدعه التاريخ...ما افرقش كتير عن مليون مغفل غيري". ص (302).

وتعاليق إصلاح المهندس خصوصا على المناضل صاحب الشعارات الذي تحول إلى التطبيع وحصل على شقة فاخرة ثمنا لتحوله، وتخليه عن مبادئه. واعترافات عبد الملاك وسعيه المحموم لتحقيق أحلام الماضي؛ الزواج من "فرح". واستسلامه للعبة التي حبسوه داخلها وأوهموه أنه يمتلك قدراتها. لكن يوما بعد يوم يكتشف أنه استهوته اللعبة وأصبح أكثر شطارة من المشعوذين. وأن علمه لا يساوي شيئا أمام حاجات الناس إلى المسكّن الذي يذهب القلق ويبعد عن مواجهة الحقيقة. أو كما قال له صاحب الوكالة:" للأسف يا دكتور عبد الملاك إحنا في بلد تعبد الشهادات لكن ما تقدرش العلم". ص (37).

أما الحوارات السجالية فلا عنى للقارئ من العودة إليها لمناقشة مضامينها، كل من زاويته. للبحث عن قصدية الخطاب الروائي في "طفل شقي اسمه عنتر".

3.3/ السرد الذاتي: ويتمثل في "كشكول" أحلام الشواربي. وتحتوي على خواطرها ومقتطفات من الجرائد وأشعار للشعراء قرأت كتبهم وأعجبت بمقاطع من قصائدهم. ولتلك المقاطع الشعرية والخواطر وظيفة خطابية مهمة، وهي: إضاءة جوانب من الاهتمام الفكري للفنانة التي قاومت الإغراءات وتحملت تبعات الجمال. وما يثيره في الرجال من نزوع نحو الحيوانية أو البدائية، والرغبة في التملك. وبالتالي فهو سلاح قوي وفتاك، سلاح ذو حدين. يقول النص في فصل يأتي فيه صوت أحلام الشواربي من العالم الآخر، بعد أن تحررت من تشوهات الحياة الدنيا ونقائص الوجود المادي:" جمال المرأة أطغى من أي جنية، أشد من أعظم الإمبراطوريات، أكثر فتكا من الصواريخ النووية متعددة الرؤوس، وأبقى من الزمان، والمرأة الجميلة هي المرأة التي لا تشيخ أبدا، سر نجاحها قناعتها التامة بجمالها...". ص (295).

يقترب السرد الذاتي من كتابة اليوميات. إلا أنه يختلف عنها لأن صاحبته لم تؤرخ للوقائع. ثم إن "صوت أحلام الشواربي" مجرد تضمين يضيء الغامض من الأحداث التي لم تتمكن إصلاح المهندس من الكشف عنها. وقائع الجريمة بالبشعة. ولذلك قامت أحلام الشواربي بسرد الأحداث بتفصيل. كما عمد الكاتب الواقعي إلى اللعب بالخطاب من خلال توازي محكيين مختلفين: محكي الجريمة التي وقعت ولم يسرد تفاصيلها أحد، سوى القتيلة. ومحكي القاعة. شقة الجريمة التي اعتمدت كمكان لإخفاء المخيخ، وتحضير الأرواح، أي حبس المخيخ وعبد الملاك قسرا.

الملفت للانتباه أن المحكي الذاتي يأتي عبر قنوات مختلفة، تلك القنوات هي الصوت الحقيقي والشفاف للشخصيات المغلوب على أمرها. يأتي في لحظات الصفاء الداخلي، وعودة الوعي وطرح السؤال. وأهم القنوات جلسات التحضير التي تتحول إلى لحظات اعتراف بالذنوب والمصائب المتستر عنها. ومنها جريمة قتل أحلام. ثم القناة الأساسية المتميزة بالبراءة والسذاجة أيضا، وأعني الطفل "عنتر". لأن الحقيقة لا تأتي من النفوس المشروخة التي نخرها الفساد. بل يأتي من القناة الصافية البريئة. القناة التي اختارتها أحلام لتنقل إلى عالم الخطيئة ما حدث. ولتكشف للأموات ما لا تراه أعينهم المخدرة بزيف الظاهر. تقول أحلام الشواربي:" لم يبق في وعاء الأمل شبه الخاوي سوى براءتك، وشفافيتك الطبيعية التي لولاها ما أمكن أن يتجسد صوتي ويرج أركان برج السعادة التعس". ص (314).
4/ ومن قنوات الاعتراف والبوح الذاتي الفصل ما قبل الأخير الذي تتحدث فيه أحلام عن كل شخصية على حدة، تذكر عيوبها ونقائصها ورؤيتها الفلسفية للعالم من حولها وإلى ذاتها. لكن تجمع في قول شبه عام ومطرد على أن كل شخصية تجسد الأخرى، وكأن الظرف التاريخي والشرط الوجودي هو المسؤول عن كل ذلك. والحقيقة أن الشخصية تتشكل وفق المحيط، وأن الخبرات والتجارب لا تأتي من فراغ وليست قبلية بل مصدرها الذات أيضا. ليست العملية في نهاية الأمر قدرية. إن للعقل نصيبا كبيرا في تحديد الشخصية الاجتماعية والتاريخية والمثقفة. والعقل ليس إلا مجموع القيم التي تربى عليها الفرد داخل المجتمع، والقيم التي تشكلت لدى الفرد من خلال مطالعاته واختياراته. ليست أحلام إذا تلخيصا أو تجميعا للشخصيات الروائية بل كل واحدة، كما في الحقيقة، تجسد رؤيتها للعالم من زاوية الاختيار الذاتي. وإلا سيكون المنطق القدري هو السائد وبالتالي تكون الشبكة العنكبوتية، المتحدث عنها في الرواية، حقيقة قهرية وقدرية. وبالتالي كذلك سيلغى دور العقل، والفعل، والذات.

تتجلى الحتمية والقدرية في الروايات العربية المعاصرة في عدد من المناطق والبلدان العربية التي شهدت صراعات طائفية، وصراعات ثقافية. وقد أطلقت عليها في دراسات سابقة "الرؤية الفجائعية". ولم تظهر ، وهنا المفارقة، هذه الرؤية في الفترة التي شهدت البلاد العربية الصراعات السياسية والإصلاحية التي عقبت فترات الاستقلال. وكانت الذات العربية رغم القهر والسجن والنفي ممتلئة معتزة بتاريخها، وبتضحياتها. أما اليوم في ظل النظام العالمي الجديد، ومنطق السوق العالمية الحرة والجشعة، وفي زمن تسليع الفكر، والإنسان، والمتاجرة في القيم، تحويل الواقع إلى عالم افتراضي، وتحول الشعوب من حقيقة إلى كائنات غريبة قادمة من العوالم المبتلعة، والغريبة الأطوار، فقد بات صعبا التأكد من شيء، أي شيء. وأصبح العالم الواسع الذي يمارس فيه الفكر حريته، محصورا في الداخل، في الأذهان.

لقد صور الكاتب "محمد توفيق" مخاوف الأزمنة القادمة. وجسدها في "الأرستقراطية الجديدة" كما يقول شكري:" وأننا نعيش عصر اﻠ "أنا"، عصر لا يعرف الانتماءات القومية، عصر المال الذي لا يعترف بالحدود، وأصحاب المال الذين يشكلون الأرستقراطية العالمية الجديدة، الأسياد الذين سيظلون مسيطرين على المقادير لقرون قادمة، انتماؤهم لبعضهم لا لدول وقوميات، آل هابسبورج وتيودور القرن الواحد والعشرين". ص (317).

هل هناك أقوى من هذه الرؤية القدرية الكالحة لكن الحقيقية إلى حد كبير. وقد جسدها الكاتب في الرواية. شبكة عنكبوتية لزجة قاهرة تحفر في ضعف الإنسان الفاعل، وتنقب عن مناطقه الهشة وتلوي ذراعه وتقهره، تخرسه، تعوق تحركاته، تلجمه، وتشده إلى الأغلال. وتتحالف فيما بينها تحتمي ببعضها وتنهش في بعضها. تقيم الحرب بينها وتشن الحرب ضد الصنف الآدمي الآخر الذي لا ينتمي إلى دمها الأزرق.

رواية قوية عنيفة تطرح الأسئلة الراهنة من موقع المشاركة في فهم منطق الحياة، ورصد منحنى التاريخ.