الواقع العربي مظلم بحيث يستدعي مصباح محمد حسنين هيكل

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
لوحة الرسائل
رأى وكتاب
سجل الزوار 
استفتاءات

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 


تركي علي الربيعو الحياة 2003/12/28


محمد حسنين هيكل.
استئذان في الانصراف: رجاء ودعاء... وتقرير ختامي. 
دار الشروق, القاهرة. 2003.


لا أحد ينطبق عليه ما قاله المتنبي منذ قرون "وتركك في الدنيا دوياً كأنما/ تداول سمع المرء أنمله العشر", مثل محمد حسنين هيكل. فقد فاق صيته ما عداه, وامتد دويه في كل أرجاء المعمورة من طوكيو إلى نيويورك, مروراً بالقاهرة ولندن, وكأننا أمام ظاهرة معولمة سبقت العولمة وراحت تبشر بها. وهذا هو حال الكاب الكبرى والمفكرين الكبار, الذين ظلوا يؤكدون باستمرار على قدرة الأفكار على تغيير العالم, وقدرة الكتب على صنع القرارات, والأهم على ذلك الترابط بين المنطق والكتاب والعدالة والذي يبشر بأن مجرة غوتنبرغ إلى توسع؟ وهذا ما وسع في مجرة هيكل, إن جاز التعبير. فالرجل لم يمل من الذهاب إلى تخوم التاريخ الحديث والمعاصر عبر زيارات عدة, كما يشهد على ذلك كتابه "زيارة جديدة للتاريخ", بهدف توسيع مجرته, والأهم بهدف معرفة أدق التفاصيل التي كثيراً ما تساهم في صنع التاريخ. وهذه هي العلامة الفارقة لكتابات هيكل الذي كثيراً ما يصحبنا إلى أزقّة التاريخ وأحيائه القديمة لنتعرف على أم البطل "صانع التاريخ" أو زوجته الأولى, كما في "خريف الغضب" الذي قاد إلى قراءة الأرشيف السري لحياة الرئيس المصري أنور السادات. لكنها حركة ظلت تستبطن, في مسارها في بعض الأحيان, إرادة سخرية, إن جاز التعبير. أو أنه كان يصحبنا إلى الضفاف الاسطورية لحياة شاهنشاه العصر وأقصد محمد رضا بهلوي, شاه إيران السابق, إلى قصوره الفخمة وإلى لياليه العامرة وأين منها ألف ليلة وليلة, والذي مات في أحد أحياء القاهرة الفقيرة من دون أن يجد من يعتني له بقبره.

اذكر انني قرأت هيكل في سن مبكرة تعود إلى النصف الثاني من عقد الستينات وكنت طالباً في الثانوية التي كان طلابها يمرون باتجاهات سياسية شتى. كنت أتابع مقاله الأسبوعي "بصراحة" في "الأهرام" القاهرية التي ارتأى أن يكتب منها بيانه الختامي, وأقصد "استئذان في الانصراف". كان مقال هيكل, كما وصفه أحد الديبلوماسيين الغربيين آنذاك, الحدث الأهم إلى جانب صلاة الجمعة.

حدثان مهمان يرسمان بدقة مسار العالم العربي والإسلامي, الأول, أي صلاة الجمعة, يمنح شرعية تقليدية ويدفع باتجاه الوقوف على أرضية ثقافوية تقول بالصراع الأزلي بين الإسلام والغرب. والثاني, أي مقال هيكل, يمنح "شرعية ثورية" ظلّ هيكل باستمرار يشدد عليها كإطار مرجعي في خلافه واختلافه مع أنور السادات الذي راح يؤسس لمرجعية جديدة تتمثل في شرعية تشرين الأول (اكتوبر). انها إذاً شرعية ثورية تدفع باتجاه التأكيد على أن صراعنا مع الغرب هو صراع سياسي وليس ثقافوياً, وان المطلوب ليس مناطحة أميركا, فأميركا كالثور الهائج (والتشبيه لهيكل في واحدة من مقالاته المهمة), والثور الهائج يحتاج إلى مصارع ثيران يحسن التعامل معه وإلا دهسه الثور.

على مسار تاريخ طويل يقرب من نصف قرن, ويمتد من بداية عقد الخمسينات من القرن المنصرم إلى بداية الألفية الجديدة, ظل هيكل يؤكد على "شرعية الثورة", ثورة تموز (يوليو) 1952, وظلّ وفياً لها, وهذا ما دفعه إلى التأكيد على الدور الوظيفي للمثقف في خدمة الشرعية الثورية الجديدة. وهذا ما عابه عليه بعض المثقفين المصريين على إثر ما سمي بـ"أزمة المثقفين الأولى" عام 1954 بين المثقفين والسلطة, وهذا ما سجله أنور عبدالملك في كتابه المهم "مصر مجتمع جديد يبنيه العسكريون", مع تأكيده على الدور الوظيفي للمثقف الذي يجعل منه خادماً للشرعية الثورية. ومع قربه الحميم من الرئيس جمال عبدالناصر, إلا أنه لم يلتزم بذلك الدور الوظيفي للمثقف, مؤثراً ألا يكون ببغاء الثورة في قفصها الذهبي, بل نسر الرأي العام, كما قال في بيانه الختامي, فقد أثر العمل في "الأهرام" على "الجمهورية" على رغم أن هذه الأخيرة هي جريدة الشرعية الثورية, معاكساً بذلك رغبة عبدالناصر بالالتحاق بجريدة "الجمهورية".

مع موت جمال عبدالناصر كانت الناصرية, كظاهرة وممارسة معاً, قد هوت وتآكلت شرعيتها فراح السادات, كما أسلفنا, يؤسس لنفسه شرعية جديدة, وجدت تعبيرها في حرب تشرين الأول ومع تنازع الشرعيتين وطغيان كفة الشرعية الجديدة, وجد هيكل نفسه مدفوعاً إلى أن يستأذن في الانصراف, فقد راودته فكرة الانصراف مراراً, لكن قوة المكتوب وبقايا ثقة ميتافيزيقية بالأمة العربية هي التي دفعته إلى تجديد رهانه, فبقي حارساً لتخوم الثقافة القومية العربية, يرصد تراجعها ويراهن على إمكان نهضتها, ويكتب عبر قول سحري لطالما أثّر في سامعيه بصورة سحرية واستئناثية عن مكانة ومكان مصر في قلب أمتها العربية, عن "عبقرية المكان", كما أسماها الراحل جمال حمدان, وعن أهمية الزمان وقيمة التجربة التي لطالما أهملهما العرب وانقضوا عليهما.

يدرك هيكل أن الثور الأميركي الهائج أو دينوصور الحديقة الجوراسية, من شأنه أن يدهس شعوباً وأن يفترس أمماً, والأهم من ذلك, أن يرتكب أخطاء قاتلة. فقد أذنت أميركا للجهاد لتحرير كابول, على حد تعبير هيكل في كتابه "من نيويورك إلى كابول", ولم تدرك أن الإسلام السياسي سلاح ذو حدين, فارتد عليها الحدث الثاني بما يشبه الكارثة, كما جرى في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر), فتبدى الثور الأميركي كثور الأساطير في ملحمة جلجامش, يوزع الدمار والرعب في كل الاتجاهات في حربه على الإرهاب. وهذه من أوهام القوة التي تحاصر قادة البيت الأبيض والبنتاغون الذين ما عادوا يجيديون إلا القوة والحديث عن أوهام النصر.

ولشد ما أحزن هذا هيكل فراح يستفيض من على منبر مجلة "وجهات نظر" في الحديث عن "اكتشاف أميركا", وعن الكيفية في فهم العقل الأميركي والسلوك السياسي الأميركي, لكي يمكن تفادي قرون هذا الوحش الأسطوري. وأخيراً قرر هذا الفارس أن يترجل.

يقول هيكل في خاتمة تقريره: "إن مساحة البعد تمنح صاحبها فرصة أوسع للتفكر والتأمل والنظر إلى الوراء في أناة وروية, والنظر إلى الأمام بعقل وقلب ما زال فيهما حس ونبض, خصوصاً من رجل كان له حظ موفور مع الدنيا والناس, وذلك في حد ذاته يكفي وزيادة لمدد من الطاقة له سحر التجدد ولمسة من الحيوية, وربما الشباب - حتى عند الثمانين".

ما أتمناه, هو أن يعود هيكل عن قراره, فيستأذن في البقاء بدلاً من الانصراف. وهذه سنّة حسنة عمل بها دائماً, خصوصاً أن واقعاً مظلماً يستدعي الحاجة إلى مصباح هيكل. فعسى؟

**********************

Back to Top 


 © Arab World Books