الجنون: مقاومة الصمت بالكتابة

 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
قضايا للحوار
رأى وكتاب
سجل الزوار 

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 



 
نقد  : هاله كمال
مدرس مساعد كلية الآداب- جامعة القاهرة
عن "أدب ونقد"، يوليو 2001، العدد 191



تستهل سمية رمضان روايتها أوراق النرجس (القاهرة: دار شرقيات، 2001) بلحظة مقاومة تسبق الاستسلام لـ "العلاج"، وتصف صعوبتها بقولها:
اللحظة ما قبل الاستسلام هي الأصعب. ربما كان هذا هو سر جاذبيتها النهائي. حد المقاومة على حافة القضم، بعد أن يكون الكيان قد تمدد كأقصى ما يمكن. الهوة لا ملامح لها. جديدة تماما ومستعصية تماما على الخيال (ص9).
وهكذا تبدأ كيمي حكايتها بوصف لحظة الاستسلام لمن حولها من الأهل والأصدقاء المقربين في محاولاتهم لما يعتبرونه علاجها من الجنون. ومن هنا تقتحم بنا الرواية منذ افتتاحيتها مساحة الصراع بين الاستسلام والموت من ناحية، والمقاومة والجنون من ناحية أخرى. والجنون هنا ليس نتاج فشل في التعامل مع معطيات الواقع، كما أنه ليس عجز العقل عن الاستمرار في مسايرة الحياة، وإنما الجنون عند كيمي هو حالة من الوعي والتمرد وفعل المقاومة. حيث يتبدى لنا جنون كيمي عبر الرواية على أنه حالة ذهنية مترتبة على حساسية تلك الشخصية المرهفة بكل تفاصيل واقعها، وهو واقع تتراكم تفاصيله حتى تكاد كيمي تعجز عن احتماله فلا تجد أمامها من خيارات سوى الموت أو المقاومة والجنون.
ومنذ البداية تكشف لنا كيمي عن وعيها بحالة الجنون كفعل مقاومة، فتميز بين وعيها هذا وبين حالة غيرها من مرضى المصحة ممن تراهم "يساقون. رغما عنهم. لابد أن ذلك أرحم، لابد أنهم ييأسون ومن ثم يموتون وينتهي الأمر" (ص9). أما كيمي فهي ترفض الاستسلام وتظل تقاوم، وتعبر عن ذلك بقولها: "ما إن تدخل حبة الدواء إلى فمي حتى ألفظها"، بينما نسمع أصوات من حولها وهم يقنعونها بفعالية تلك "الحبة الوردية الصغيرة".

"جنون" المرأة
تعكس السطور الأولى من الرواية وعيا بمفهوم الجنون على أنه نتاج توصيف مؤسسة الطب النفسي والمجتمع لمن يختلفون عن النموذج الإنساني السائد، وهو ما يظهر لنا في الوعي بالمؤامرة التي يحيكها الآخرون لتهدئة كيمي: "الأصدقاء والصديقات وأخوتي وأمي، الأقرباء الأقرب يتآمرون مؤامرة طيبة بعدها سوف تنامين نوما عميقا" (ص9). وهنا نرى دور المجتمع في وصم المرأة بالجنون، فنحن لا نرى أية مظاهر لـ "جنون" كيمي، بل على العكس، يبدو جنونها مجرد انعكاس لما يتصوره الآخرون جنونا (متمثلا في البحلقة في سقف الغرفة، وفي المرآة). وهو ما يتسق مع نظريات النقد النسوي التي ترى أن "الهستيريا" (إحدى مصطلحات "الجنون") هي من صنع المؤسسة الطبية والاجتماعية التي تفرض هي نفسها على المرأة (وأحيانا الرجل أيضا) قيودا وقهرا وضغوطا ثم تصف المتمردين والمتمردات على تلك الحدود بالهستيريا والجنون. وهو أمر يتفق أيضا مع الآراء التي ترى أن ردود أفعال النساء لما يتعرضن له من محاولات إخضاع وقهر وتبعية إنما هي ردود أفعال تعبر عن وعي ورفض لهذا الوضع، يتفجر في صور من الغضب والتمرد لا يجد لها المجتمع من مسمى سوى "الجنون".
وجنون كيمي هو جنون نابع من وعيها الشديد وحساسيتها المرهفة للواقع، ومن هنا كان رفض العلاج على مستوى رمزي بمثابة فعل مقاومة، بينما يمثل الانصياع وتناول الدواء إنهاء للعذاب، أي إنهاء للوعي واستسلاما لنوم هو أقرب إلى الموت: "حبة وردية صغيرة وبعدها تنامين إلى الأبد وينتهي عذابك" (ص9). وفي موقف آخر، وقبل استسلام كيمي لضغوط من حولها وابتلاعها الدواء نسمعها وهي تشهد نفسها وربها على أنها قد قاومت، وذلك في عبارة أقرب إلى الصلاة، فتقول: "أشهد: أني فعلت كل ما بوسعي. وأني قاومت بكل ما أملك من إرادة وأني تشبثت حتى آخر لحظة، حتى وأنا أشاهد عقلي يحلق بعيدا وأني لم أيأس" (ص11). فكيف تصف كيمي وعيها بجنونها، وكيف تشير إلى وعيها وإدراكها لما يراه الآخرون على أنه جنون؟
الجنون ليس مرتبطا بموقف معين تعجز عن التعامل معه، وإنما هو هنا لحظة وعي بتراكم خبراتها التي تتكثف في ذهنها من خلال فعل التذكر وإعمال الذاكرة - وما نراه نحن من خلال الآخرين بوصفه "بحلقة" في السقف والمرآة، والتي يفسرونها بحالة من فقدان لقوى العقل، بينما نكتشف نحن من خلال كيمي أن فعل "البحلقة" هذا ما هو إلا ممارسة للذاكرة. أما "رائحة الجنون"، أي بوادر الجنون المرضي، فتعيها كيمي جيدا وتراها متمثلة في "اضمحلال للعقل وتعفن للذاكرة" (ص49)، وهي أبعد ما تكون عن هذا الاضمحلال وذاكرتها كما تقول لنا "حديد". وهي ذاكرة كافة خبرات القيود والخطوط والحدود التي رسموها لها منذ صغرها: خط سيرها إلى المدرسة ومنها، خط تعليمها وحرمانها من الاختيار، بل وكافة الخطوط المستقيمة التي رسمها لها مجتمعها ووضعها عليها.
وحين تصف كيمي جنونها، فلا علاقة له بتدهور قوى العقل والذاكرة، حيث تنقلنا عبر لحظات ومشاهد حية في ذاكرتها، تحللها وتجمعها وتحاول ترتيبها في ذهنها سعيا إلى فهم ذاتها في علاقتها بالعالم من حولها، فتقول واصفة حالتها: "كأن لحظات جنوني، أصوات دماغي، صخب هوسي، لهاث رعبي ووساوسي تضخمت وابتلعت العالم وصارت العالم" (ص75). فجنونها هو نتاج خبراتها الماضية وحاضرها المشوش بفعل الواقع المشوش الناجم عن التغييرات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي طرأت على مجتمعها، وصراع ثقافات الشرق والغرب، وهكذا تصبح لحظة الجنون هي لحظة وعي بتداخل التواريخ والجغرافيات.
والجنون عند كيمي مرتبط ارتباطا شديدا بالخوف، وهو خوف يحتل العقل الواعي: "كل خوف هو خوف في الخيال يغذيه العقل الواعي من الذاكرة"، وهو في الوقت نفسه سبيل الجنون والإبداع فيصير "إزميلا ينحت به الوجود" (ص103)، ولذا يصبح هاجسها الأساسي لا التحرر من الخوف وإنما الخوف من أن تفقد الخوف، وأن تفقد بالتالي القدرة على الحياة والوعي والإتيان بالمعنى والتعبير عن الذات. ويتحول الجنون إلى وسيلة للتعامل مع الخوف وتجاوز الحدود - حدود السلوك وحدود التفكير وحدود الكلام، تلك الحدود التي لا يستطيع تخطيها كما تقول لنا كيمي سوى من درج على تسميتهم بالمجانين والسحرة والشعراء وكتاب القصص والروايات وعلماء الكيمياء.

الجنون - التعبير - الكتابة
لقد أبدعت سمية رمضان في تصوير "الجنون" من خلال شخصية كيمي على أنه بمثابة فعل مقاومة للإسكات، متمثلا في علاقته بالوعي والصراع ضد الموت في سبيل التعبير عن الذات، فيتحقق عبر الحكي والكتابة. فحين تربط سمية بين المجانين والسحرة والمؤلفين والمبدعين فإنما تهدف بذلك إلى التأكيد على الجنون بوصفه فعلا لا استسلاما، وتقول على لسان كيمي: 
أن السحر الأبيض هو الفراغات التي تتركها الكلمات بين السطور، وأن السحر الأسود هو السطور التي تصنعها الكلمات، وأن الأيام السوداء هي تلك التي ينجح فيها العاقلون الأشرار في منع السحرة من ملء الصفحات البيضاء" (ص109). 
ومن هنا أرى أن اختيار كيمي الجنون هو ستار تستخدمه لتتخطى به حدود الصمت المفروض عليها وتنطلق منه لممارسة السحر الأسود المجنون … أي فعل الكتابة. وحين تبتلع كيمي حبة الدواء في موقف آخر تعود تذكرنا بأن ابتلاع الدواء لعلاج الجنون هو فعل قتل للذات المبدعة، فتصف نفسها حينها كما لو كانت تماثل "المج البلو دلف الذي أفرغ من ريشات الكتابة ونشفت محبرتها ولم تعد بجانبه أوراق"، بل وتشعر بنفسها وهي تتحول من إنسانة واعية إلى صنم حجري: "شيء لا أكثر، بلا صوت، بلا حكاية، بل بلا لغة" (ص64-65).
وفي إطار ثقافة تكرس للصمت وتسعى إلى الإسكات، نجد سمية رمضان هنا تشير إلى صعوبة الإبداع حين يصبح مثيلا للجنون من حيث كونه فعل مقاومة ووسيلة للتعبير ولتخطي الحدود وكسر القيود في سبيل إعادة قراءة الذات والتعبير عنها بفعل الحكي والكتابة.

خيوط الغزل والكتابة
إذا كان الجنون وعيا يعبر عن نفسه في النص من خلال الحكي والكتابة، فأود الآن أن أتأمل العناصر التي شكلت حكاية كيمي ورواية سمية، فأجد أن عقل كيمي الواعي ذا الخبرات المتراكمة التي تعيد اجترارها وتحليلها ومحاولة فهمها يقوم بعملية أقرب إلى تجميع الخيوط المتناثرة لغزل الذات، فتستعين كيمي في حكايتها بالعديد من الخيوط كالذاكرة والأساطير والحكايات، التي تشغل في حد ذاتها موقعا فريدا بين الماضي والحاضر، أو بالأدق تربط الماضي بالحاضر وتخرج عن حدودهما في ذات الوقت. حيث تعود الذاكرة بنا وبها إلى سنوات الطفولة بما فيها من خطوط مستقيمة ودروس القراءة والحساب وخبرات القهر وعدم الفهم. وتجدر الإشارة إلى أن الذاكرة هنا تعمل في الحاضر مستعيدة الماضي ومسقطة عليه تأويلات كيمي في لحظة التذكر لا لحظة الحدث، وما يحيط بتدوين الذاكرة من وعي وانتقاء وترتيب وإعادة كتابة.
كما تشكل الأساطير خيطا آخر من خيوط الحكي، وتحديدا ما نجده من ورود شخصيات أسطورية بعينها تربط وتشكل وعي كيمي بواقعها. ومن أكثر تلك الشخصيات وضوحا على سبيل المثال شخصية نرسيس المتأمل لذاته، وعلاقته بعنوان الرواية ذاتها "أوراق النرجس"، وهي علاقة تتبدى في أبرز صورها قرب نهاية الرواية حين تعلق كيمي على صورتها في المرآة في سياق يشبهها بنرسيس متأملا وجهه في المياه: "التفتتُ فالتقطت وجهي في المرآة فوق التسريحة. مياه المرآة متعرجة، تتماوج، تتطلع إلي" (ص116). وشخصية بينيلوبي الأسطورية هي خيط آخر يمتد متماوجا عبر الرواية، فهي صاحبة أسطورة الغزل والنسل الأبدي التي تدخل في علاقة حميمة مع شخصية كيمي التي تتفاعل معها وتسقطها على واقعها لتكشف لنفسها ولنا عن جوانب قد تبدو خافية من شخصيتها.
وإلى جانب الأساطير تعتمد كيمي في حكايتها كما توظف سمية في روايتها عناصر أخرى تنتمي في الأساس إلى الثقافة الإنسانية الشفاهية وهي الحكايات الشعبية. فحين تحاول كيمي البحث لإيجاد لغة تعبر بها عن ذاتها يصبح الحكي الشفاهي وسيلة للتعبير ولتجاوز العجز عن الكتابة، وهو ما يتحقق من خلال حكاية الملك الأطلسي التي تسمعها كيمي من آمنة، وتظل تنتظر نهايتها لتعيد صياغتها وحكيها. ولا يقتصر ذلك على الحكاية الشعبية المصرية وإنما تتجاوز سمية في سردها حدود المكان مستعينة بحكايات شائعة من التراث العالمي بما تحمله من نماذج نسائية سلبية تمثل قيم المجتمع الأبوي. إلا أن كيمي ترفضها، وتأبى أن تكون مسلوبة الإرادة مثل الأميرة النائمة، كما تحول "شابورون روج" أو ذات الرداء الأحمر إلى "شابورون نوار" أي ذات الرداء الأسود بما في اللون الأسود من إشارة إلى السحر والكتابة.
ولا تقتصر خيوط الحكاية على عناصر أسطورية وخيالية، وإنما من اللافت للانتباه وجود إشارات إلى شخصيات أدبية عانت صورا من القهر على مستويات عدة، مثل الكاتب الإيرلندي الساخر أوسكار وايلد. أما الكاتبة سيلفيا بلاث فتتكرر الإشارة إليها وإلى روايتها "الجرس الزجاجي" في علاقة تبدو أقرب إلى التناص حين تقول على سبيل المثال "لم ألحظهم وهم يصنعون من حولي جرسا كبيرا من الزجاج السميك" (ص30)، حيث نرى كيمي بعدئذ في مشاهد عديدة وهي تعبر عن محاولاتها للخروج من ذلك "الجرس الزجاجي" المحبوسة داخله. 
ولعل الجرس الزجاجي يحتل موقعا في السرد ما بين التناص والموتيف المتكرر والذي يتمثل على سبيل المثال في تكرار الإشارة إلى الخطوط والدوائر. فهنالك الصراط المستقيم والتوازيات التي لا تلتقي والخطوط المستقيمة جنبا إلى جنب الدوائر والإهليلجات والأشكال الحلزونية التي تمثل لكيمي انعكاسا لما في الحياة من دوائر متداخلة. ومن الملاحظ أن الخطوط المستقيمة تلك ما تلبث أن تتخذ أشكالا أقرب إلى الدوائر بفعل رغبة كيمي في إيجاد معنى منطقي لوجودها. كما أن فكرة التوازي والتقاطع تتضح أيضا عن طريق صورة المقص العاجز عن القص ذي الحدين المتوازيين، مع التأكيد على ضرورة وجود المسمار الذي يربط هذين الحدين فيلتقيان، ليتحقق القص وتتحقق جدوى وجود المقص.
ويرتكز النص كذلك على صورة المرايا والانعكاسات المتعددة والمتكررة بما تعكسه بدورها من تعدد لصور الذات الناظرة في تلك المرايا وتشظيها. فالنظر في المرآة وعبرها ليس سوى محاولة لتجميع شظايا الذات، ولكنه عملية تخضع بالضرورة إلى تأويل الذات وتفسيرها اعتمادا على زاوية الإبصار والتفكير. وهكذا تصبح المحصلة النهائية أقرب إلى حلقات متتابعة وصور متعددة للذات كما تنعكس في المرايا وفي المياه وفي الذاكرة وفي الحياة وفي وجوه وأصوات الآخرين. ومن هنا، فبدلا من أن تنجح كيمي في تحديد ملامحها وذاتها، ينتهي مسعاها نحو جوهر هويتها باكتشاف ذات متعددة الأوجه متشظية الهوية تتجاوز محدودية الصورة المثالية للذات الكاملة المكتملة.

الغزل والنسل - الكتابة والمحو
إن كيمي في أوراق النرجس هي أقرب إلى بينيلوبي المستغرقة في غزل الخيوط. وجنون كيمي هو عامل الإبداع في سبيل جمع خيوط حياتها وحكاياتها المتوازية لتصنع تصورا مفهوما لذاتها. وبمجرد اقترابها من الانتهاء تبدأ عملية نسل يتبعا غزل ونسل وغزل، فالاكتمال يعني النهاية بينما يمثل استمرار الغزل والنسل استمرارا لمسيرة الحياة والإبداع. وعلى مستوى السرد يسود أوراق النرجس أسلوب الحكي وإعادة الحكي، والكتابة والمحو لإعادة الكتابة. وتعود سمية رمضان في نهاية روايتها فتربط بين الكتابة كفعل جنون وإبداع ومقاومة للموت، حيث الاكتمال نذير الموت، فتتخذ الرواية شكل الكتابة والمحو والإعادة. وبينما تعاود سمية الكتابة بعد المحو: "أن نمحو ونعاود الكتابة والحياة من جديد … ربما" (ص117)، توحي إلينا في النهاية بإعادة القراءة حيث تتخذ أوراق النرجس شكلا دائريا لتنتهي بكلمة "ربما" - نفس الكلمة التي تفتتح بها روايتها.

Back to Top