القاهرة: حوار صحفي يثير زوبعة ويحرج رموزاً يسارية





عن المنار - الحياة الثقافية

حوار صحفي أجرته صحيفة (العربي) التي يصدرها الحزب الاشتراكي العربي الناصري مع الدكتور سيد القِمني ، الكاتب اليساري المعروف بكتاباته المسيئة إلى التراث الإسلامي - أدى إلى زوبعة كبرى في القاهرة وسبّب إحراجاً كبيراً لسيد القمني ، إلى الحد الذي اعتبر فيه بعض المراقبين للحالة الثقافية المصرية أن هذا الحوار قد يقضي تماماً على طموحات الدكتور سيد القمني في تبوء مكانة مميزة في التيار اللاديني الذي يرفع شعار التنوير ، والأقوال التي باح بها الرجل في هذا الحوار تؤدي بالضرورة إلى حرق الأرضية التي كان يراهن عليها في نزاعه مع الإسلاميين حول فهم التراث ومفهوم التجديد ، لأن الأقوال المنشورة كانت من الشذوذ والتطرف إلى الحد الذي لا يمكن التلاقي معه حتى من قِبل اللادينيين العرب أنفسهم ، والدكتور سيد القمني من الشخصيات الأكثر حضوراً الآن في الصفحات الثقافية في مصر والخليج ، حيث تقدمه بعض القوى اليسارية المتطرفة بوصفه مفكراً مستنيراً يقف ضد الزحف الظلامي الأصولي ، ويؤسس لرؤية جديدة في التراث الإسلامي أكثر تحرراً وتقدماً

الحوار أجرته الصحفية الشابة (نشوى الديب) ، والحوار - في المحصلة الإجمالية - لون من أبشع ألوان الاستهزاء والسخرية بالإسلام والمسلمين ، وبالقرآن وقواعد الشريعة ومجمل التراث العلمي الإسلامي، ففي الحوار قال القمني إن القرآن لم يعد صالحاً لكل زمان ومكان ، وأن أحكامه تتعارض مع حضارة العصر ، ولذلك ينبغي طرح العمل بها ، فلما سألته محاورته : (أي إسلام هذا الذي تتحدث عنه يادكتور ؟ ، وماذا سيتبقى منه بعد ما طالبت بعدم العمل بجميع الآيات القرآنية ؟) ، فأجاب : (أنا لا أطالب بإلغائها ، وإنما أطالب بوقف العمل بأحكامها ) ، ولقد أكد القمني في الحوار أن القرآن يتعارض مع الحقائق العلمية ، وقال ما نصه : (إن التلميذ يدرس في حصة الدين أن خلق الكون في ستة أيام ثم يدخل حصة الكيمياء والبيولوجي فيجد أنها خُلقت في ملايين السنين) ، ثم تساءل : (لماذا لاندرّس للطالب كيفية الخلق بالطريقة العلمية حتى لو كان بها مخالفة واضحة وصريحة لما جاء في النصوص القرآنية ؟) ، وهذه سطحية غريبة في المعرفة بالثابت من علوم القرآن ونوع من الجهل بدلالات النصوص يصعب بسط النقد لها هنا ، بيد أن الأهم هو تأمل كيف جرؤ على أن يؤكد أن القرآن يتعارض بوضوح وصراحة مع الحقائق العلمية ؟ ، كما استهزأ الدكتور القمني بإيمان المسلم بأن القرآن هو معجزة الله ، فعندما سألته محاورته : (لماذا تستغرب وجود معجزات الله في كتابه ، أليس القرآن الكريم إعجاز الله على أرضه إلى يوم القيامة ؟) ، أجاب القمني بإيجاز شديد ومعبر قائلاً : (إعجاز إيه ؟) ، القمني جعل الإسلام والعلم نقيضين ، وقال بالحرف الواحد : (الإسلام حاجة والعلم حاجة تانية خالص ، الإسلام محله القلب والعلم محله العقل ، الدين علشان أتزوج في الحلال ؟) ، فليلاحظ القارئ ويتأمل لغة السخرية في العبارة الأخيرة ، والرجل في الحوار أوضح لمحاورته أنه لا يصلي ويتباهى بذلك ، ويضيف : (أنا لا أصلي الصلاة المعروفة ، فصلاتي هي عملي لوطني ) ، كذلك اعترف الرجل بوضوح شديد أنه فعلًا يسعى للشهرة ، وتساءل : (ما المانع أن أبحث عن الشهرة ؟) ، والمثير للدهشة أن المفكر الذي تسوقه لنا الآن بعض الأقلام اليسارية المتطرفة كمجتهد إسلامي كبير ، أعلن في الحوار - بشكل مستفز - أن دخول الإسلام إلى مصر إنما هو عمل استعماري بحت واحتلال استيطاني ، بل هو أسوأ أنواع الاستعمار ، وشبّهه بالاستعمار الاستيطاني الصهيوني لفلسطين وتساءل بالحرف الواحد : (أنا أعجب لك عندما تنزعجين من إسرائيل وتصفين استعمارها بأنه استيطاني ، أليس العرب استعماراً استيطانياً لمصر ؟) وعندما فزعت محاورته من هذا الكلام ، وقالت له إن دخول الإسلام لمصر كان فتحاً مبيناً وأنقذ المصريين من بطش الرومان وهداهم إلى الإسلام ، وأن منطقه هذا هو منطق أشد أعداء الإسلام من المستشرقين ، رفض الرجل هذا الكلام باستخفاف عجيب وقال : (النهب كان موجوداً بكل أنواعه في فتح مصر ، .. وهل معنى هذا الكلام عن الفتح أن يُسلم (كلينتون) ويأتي ليحتلني وعليّ كمسلم أن أرحب بهذا لأنه مسلم ؟) ، طبعاً كانت الإجابة مفحمة للغاية من فرط استنارتها ، الأمر الذي جعل الصحفية تغلق مسجلها وتحمل أوراقها وترحل .

إن صحيفة العربي تمثل فصيلاً علمانياً أكثر اعتدالًا وحكمة في التعامل مع القضايا التي تمس هوية الأمة وتراثها من فصائل أخرى ، ومن منطلق إحساسها بالمسؤولية كانت مضطرة إلى أن تكتب تعقيباً موجزاً على هذا الحوار قالت فيه : (يؤسفنا حقاً ما جاء في حديث سيد القمني ، لأنه تعدى حرية الفكر إلى التهجم على الإسلام بحثاً عن الشهرة ، ولقد ترددنا في نشر آراء لا تستحق عناء الرد ، ولكننا آثرنا أن ننشرها حتى يقف القراء على نموذج من التفكير الذي يهدم الإسلام تحت ستار الدعوة إلى التنوير) .

القمني أرسل رسالة حادة اللهجة إلى الجريدة بعد النشر ، واعتبر ما أقدمت عليه الجريدة نوعاً من الغدر ، الأمر الذي فُسر على اعترافه الضمني بتورّطه في البَوْح بهذا الحوار ، ولم ينفِ القمني ما قاله خاصة بعد أن أكدت الصحيفة أن كلامه مسجل على شريط كاسيت ، ولكن القمني قال إنه كان يجب على الجريدة عرض الحوار عليه قبل النشر ، بل إن القمني بعد أن شعر بضعف موقفه الدفاعي وفشله في نفي ما قاله ، عاد وأكد أنه يعترف - بشجاعة - بهذا الذي نُشر ، ثم حاول أن يتأوله أو أن يجد له مخرجاً . ولقد فتحت جريدة العربي صفحاتها بعد ذلك لردود بعض العلماء على كلمات سيد القمني ، إلا أن الكلمات ذاتها كانت من الوضوح والتهور إلى الحد الذي يُغني عن أي رد أو تعقيب .