رغبة الدكتورة نوال السعداوي في العدل ... تمنٍ محمود لا مكروه





بقلم: سيد القمني

الحياة - 10-6-2001


في حوار نشرته صحيفة مصرية اسبوعية مع الدكتورة نوال السعداوي، قيل انها هاجمت علماء الإسلام ورموزه ووصفتهم بالظلامية وعدم العلم، وانها طالبت بتعدد الأزواج، بل انها أكدت علي ضرورة الغاء نص للذكر مثل حظ الانثيين تطبيقاً وعملاً لأنه ظلم رهيب للمرأة.
وعقبت الحياة بحوار مع السيدة الدكتورة أنكرت فيه ذلك واستنكرته، وقالت ان الصحيفة القاهرية حرفت كلامها بحثاً عن الاثارة، وان تلك الصحيفة تحسب علي تيار ينصب الكمائن للتنويريين.
وبين الحوارين قام من رأي نفسه بلا خطيئة، فتصور انه من جنود الله وحراس الشريعة، فرفع دعوي حسبة ضد الدكتورة لتفريقها عن زوجها. بينما خصصت قناة أبو ظبي، في 2001/5/12، حلقة دينية ساخنة مع الدكتور القرضاوي للرد علي الدكتورة، انتهي فيها فضيلته الي القول بجهل الدكتورة السعداوي، مكرمة منه وتفضلاً حتي يقيها غائلة العلم بالقول والعمد مع الإصرار، فتكون معرضة للاستتابة أمام رجال الدين والعاملين بشؤون التقديس، أو لحكم الردة وما يترتب عليه، وهو معلوم مفهوم تُرعد له أنوف، وترعد منه فرائص.
والمعلوم عن الدكتورة السعداوي انها مقاتلة شديدة المراس في سبيل ما تراه صالحاً للبلاد والعباد. وكاتب هذه السطور يقف مع دفعها للاتهامات الموجهة لها بواسطة تحريف الصحيفة القاهرية لأقوالها، مستغلة المناخ الطالباني الذي يعيشه بعض الشارع المصـري، وقلة حـيلة المفــكر ازاء رؤوس اموال وصــحف يمكـنها قـول ما تشاء، وهو يقعد حسيراً مكلوماً لا يملك لنفــسه دفعاً ولا رداً.
المعلوم انها في أكثر من منتدي علني تساءلت عن مدي العدل الإنساني اليوم، في تعدد الزوجات، وعن مدي احترام كل طرف انساني للآخر. وقد عمدت وقصدت الي تنفير الحس الإنساني في كلا المسلكين. وهو حديث ليس بالحرام، وتوجيه ليس بالمستهجن، بل هو أقرب الي الاستحسان، إذ قامت قياساتها علي المنظور الإنساني اليوم، وليس علي أساس ديني أو عداء لدين من الأديان.
ان الطلب بالاقتصار علي زوجة واحدة ليس طعناً في الإسلام، انما هو سير مع مقتضيات التحول المجتمعي عبر الأزمان، ومع ضرورات التكيف البشري مع تغير الأحوال. وهو في النهاية لون من التمني المخالف لما استقرت عليه أحوال أربعة عشر قرناً من الزمان. لكنه تمنٍ محمود لا مكروه، لتضمنه الرغبة في العدل في زمن تعقــدت فيه الأمور وأصبح العدل فيه من المستعصيات بين الزوجات (...).
والمعلوم لدي كل مسلم عارف بدينه مخلص لوجه الله والبلاد والعباد، لا يبغي سلطاناً أو القرب من سلطان بالافتئات علي دين الله، ان مسألة التوريث قد تغيرت أحكامها ونصوصها في حياة صاحب الدعوة ثلاث مرات في ثلاثة وعشرين عاماً هي عمر الوحي.
ثم ان القاعدة الفقهية تقول: ان العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً . والعلة في جعل حظ المرأة نصف حظ الرجل في المواريث، كما ذكر المفسرون، ان الذكر هو من يمهرها هي وأولادها، والمرأة اليوم دخلت كل ميدان علم وعمل بعد ان تغيرت أحوال الدنيا، وأصبحت تعمل وتربح و(تعيل).
وماذا عن الخليفة عمر الذي لم يتمنَّ، ولم يوقف العمل بحكم، بل تجاوز ذلك كله الي الغاء فريضة مفروضة، والغي سهم المؤلفة قلوبهم بعد ان تغيرت الأحوال ولم يعد الإسلام بحاجة لشراء ايمان الناس. ألا يصح هنا القياس والاستبصار بهذا الموقف، ولم يكن قد مضي علي وفاة صاحب الدعوة سنوات تعد علي أصابع اليدين، بينما يرفع الجهابذة اللواذع رايات التكفير، ودعاوي الحسبة والتطليق وهدم الأسر علي من تمني مسايرة الأحكام لواقع الأحوال بعد مضي ما يزيد علي أربعة عشر قرناً من الزمـان.