مقتطفات من خلسات الكرى




خلسات الكرى- جمال الغيطاني- شرقيات- القاهرة- 1996- ص9-13.




ما تبّقى أقلّ مما مضى.

يقينٌ لا شكّ فيه، أعيه. أتمثّله، أعيشُهُ. فلماذا أبدو مبهوتاً، مباغتاً كأنّي لا أعرف. مع أنني المعنيّ والمطويّ والماضي إلى زوال حتميّ؟ لا أتوقف عن إبداء الدهشة، لا أكفّ عن التساؤل إن بالصمت أو بالنطق...

لماذا لا يسرع الإيقاع مع قرب التمام؟

لماذا تنشط الخطى وتسرع الحركة عند الدّنو؟

لماذا يقوى العزمُ عند قُرب نفاد الطاقة؟

لماذا يقع التوثّب مع صلصلة أجراس الرحيل؟

لماذا تكون أقصى درجات اللمعة قبيل الإنطفاء؟

لنا في توثّب واندلاع لهب الشمعة أسوةٌ وعبرةٌ، أما ذروة ضجيج الآلة المحرّكة في الطائرة أو الناقلة البحرية قبل الكفّ عن مباشرة. إدراكي غشّاني وانتباهي قضّني.

حتى الثلاثين، يكون التطلع أكثر من الالتفات. بدءاً من الأربعين، وبعد فقد الأحبة، يكون بدء إدراك الفوت. حتى إذا حلّت الخمسون، وأُوصدت أبوابٌ، أيقنتُ أن ما تبقّى سينقضي كندف الغمام إذ تذروها الرياح، لهذا شرعت، قلت فلأعتبر السنوات القادمة، إذا قدر لي اجتيازها.. حقاً.. لا تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً ولا تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت؟

خطوة المرء قوامها ساقان، واحدة إلى الوراء، الأخرى إلى الأمام، الأولى انقبضت، ولأنني لا أدري بالضبط ما سيكون عليه الحال في اللحظة التالية، قلت فلأشرع.

هكذا تهيّأت. ورغم أنني مسكون بالتوق، إلا أنني كنت بحاجة إلى التحنين، وهذا من الحنين وغيره أيضاً. الحنين كما جاء في "اللسان" هو الشديد من البكاء والطرب. وهو خلاصة الشوق وتوقان النفس. وهذا حالٌ غالبٌ عليّ فقد حُزتُ الحنين وصفاً ومضموناً.

يقال: حنّ قلبي غليه فهذا نزاعٌ واشتياقٌ من غير صوت، وحنّت الناقة إلى ألاّفها. فهذا صوت مع نزاع، وكلا الأمرين عالقٌ بي. أما التحنين – كما أفهم – فهو الحضّ على الشوق، والتشجيع على الميل. وكلاهما لا يكون إلاّ من أجل عزيز، غالٍ، بعيدٍ، وهل هناك أعزّ على المرء من عمره؟

هل ثمة أقسى من اللحظات الموليّة؟

لا أظنّ، لذلك شرعت، غير أنني أبدأ بالتحنين. فالمسافات بعيدة والعلامات باهتة. بل إن بعضها محي تماماً. وأصعب الترحال ما كان في الذاكرة، وعهدي بالتحنين قديمٌ. في زمني الأول، مسقط رأسي، حيث النخيل والطين الراكد، والتين العسلي. و"بكاتُ" ماكينة الطحين الغروبية.وأصداء تلك الأغنيات التي يوحد بينها الشجن، إذ يجتمع النساء في صحن دار فسيحة. يبدأن التحنين، يقصدن إثارة الأشواق إلى أرض يثرب ومكة، كنّ يقصدن إثارة الشوق عند من يصغي ويسعى، غير أن أصواتهن اتخذت سبيلا عجبا، سرت عبر الوقت بعد أن هجعت عندي زمنا طويلا. فاستثارت أساي.

وامتزجت عندي بأنغام غامضة يصعب تصنيفها أو نسبتها إلى مرجعية بعينها، أو مقامات خاصة، منها القادم إليّ، الساري نحوي، غير أن معظمها صادر عني، الغريب أ،ها بعثت ملامح طافت بي، عبرتني، لا أكاد أمسك أحدها حتى يفلت. أو شك على التمكن فيولّي. رغم انتفاء اليقين، إلا أن ما بدا صعباً، عسر أثار شجاي. أما الرفارف التي أحاطت بي ومستني وأججتني، فمتعلق أمرها بالمرأة، فكما بدأ سعيي منها واستمر إليها. أتوسل بها وألهب بها أمري لعل منهلي دان..

ما يمكن أن يكون

ليس الجمال الأنثوي إشارة وتلميحا إلى عذوبة الكون المتكون بالفعل والمحتمل أيضا. أنفقت عمري في التشوف إليه، غير أنني لم أرتو ولم أنل حظي.

إذ يبدأ نزوعي فالبدار. البدار إلى أول من عرفت، إلى رحم أمي، إلى عنائها حتى انفصالي عنها واتصالي بها، والمعلوم أنه ما من كينونة إلا بعد مجاهدة وتدويم. فسعادة استيعاب اليسر لا تكون إلا بعد الإفلات من العسر. وبقدر المشقة يكون الانشراح، والمعرفة نسبية، وليس تحصيلها مريحا في كل الأحوال، ومازلت أسعى، ومن يسع يلتفت، ولا يكون الالتفات إلا لمن عنده توق. وشوقي دائما إلى الأنثى في سائر أحوالها وتجلياتها، في ظهورها، في خفائها، عبر كافة الأزمنة، لا يقتصر الأمر على وقتي المحدود، ذلك أن صلات قامت بيني وبين من يفصلها عني قرون شتى وحقب. ألغيت المسافات فتمكنت. اقترنت لذتي الحسية بمتعتي المعنوية، ولهذا شرح أوردة إذا سمح الحال وطاب.

تفاوتت درجات معرفتي. وظلال الصلات.تمت علاقتي بالقليل منهن وبلغت، وهؤلاء خارج بثّي. الحقّ.. أنني لم أسع طيلة عمري إلا صوب الأتم منهن. ولا أرتجف إلاّ لظهور المكملات المبهرات. وأسلك طرقا شتى حتى أسلم بريدي وتفض مظاريفي، ونتبادل القراءة، فالتواصل اطلاع وإحاطة، غير أن ما تم لم يدم في معظم الأحوال لعسف الأحوال، وصعوبة الظروف، وتباعد المسافات وقلة الإقدام، وتمكن الخذلان بعد وقوع الارتواء.

من هؤلاء قلة. بل أصرح فأقر أنهن لا يتجاوزن أصابع اليد الواحدة، منهن الباسقة، والنغمية، والروية، والأنثى الشهابية.

عرفت المطابقة، المناسبة لحالي، العاطفة، الحانة عليّ، الدالة على ما يخفى عليّ مني، لكنني لم أنل منهنّ حظي. إما لتعرفي بهن في اللحظات الأخيرة الفارقة، ولم يكن بوسعي إلا الامتثال. أو لميل الحال وانتقاء الملاءمة، حقا.. لكم امتثلت للظروف. أنا الذي عشت زمنا ليس بالهين أسعى إلى تغيير الظروف تمهيدا لتغيير البشر، بل حلمت بتغيير العالم وفاضت بذلك قناعاتي، فإذا بالعالم يغيرني ويبدلني وأصل إلى لحظة لا أقدر فيها على تأجيل رحيلي يوما واحدا لتحقيق الوصل وتمام الكفاية.

وعرفت الوافدات عليّ من حيث لا أدري، من لم يسعين قط في عالم الحس. أعني من وفدن إلى أحلامي فائتنست بملامحن، وفضت بوجودهن، وبعثن عندي بهجة غامضة شرحت صدري. وفاض مائي أثناء ضجعتي، وصحوت على نشوة غيبية حسية. وحتى الآن لا يمكنني الإلمام بلحظات وفادتهن أو استعادة إقامتهن. إذ جئن وذهبن، حللن ورحلن، ولم ألمم منهن بطرف، وهذا حال شائع لكن تدوينه صعب. وهذا ما سأقدم عليه يوما، غير أنني أبدا بما هو أغرب وغير مألوف.

بعضهن سعين في مجال بصري. لم أدرك وجودهن الحسي. لم يمتزج عرقهن بعرقي. غير أن طلعة كل منهن أخذتني عني، وكثيرا ما يقص المرء ما تمنى أن يكون لا ما كان بالفعل. والأكثر أنه يرى بالتمني ما يمكن أن يكون بدلا من ذلك الذي كان.. هذا محور تدويني التالي.

لقيت معظمهن في لحظات التقاطع الزمكانية الحادة، في انتقالي وإقامتي، ومن هؤلاء الأنثى الملكة. والثريا والسنبلة، والجوهرة، والبلبلة، والمتكوكبة. والأنثى المجرة.. وغيرهن. وإني لمورد تفاصيل رؤيتي وتوقعي.

نعرف ما كان، ونلم أحيانا بما يكون، لكننا نجهل ما ستصير إليه الأمور. بل إننا لا نمعن البصيرة في احتمالات ما يمكن أن يصير إليه الحال المائل، ولأن ما فات صار إلى هباء. ما تحقق منه وما لم يكتمل، لذلك ألحّ عليّ إدراك ما كان ممكنا أن يكون.

هذا وعر، فالإحاطة بما كان- حقا وفعلا بالمشاهدة والمعاينة- مستحيل، فكيف تصور ما لم يقع أصلا والبنيان عليه؟