|
|
|
بقلم : محمد عبد الله الهادي
الطائرُ الأبيض
الصغير ، استيقظ من نومه مفزعاً ، علي صوت طلقات الرصاص ، تطلع خائفاً من
باب عشِّه ، نهض وخطا بساقين مرتعشتين ، وقف علي فرع الشجرة العجوز العالية
، نظر حواليه فرأى الأعشاش الممزقة والمتساقطة ، تطلع تحت ساقيه فرأى
جنـوداً غرباء ، كانوا يتحدثون بلغة غريبة لم تألفها مسامعه ، بنادقهم
بأيديهم ، ينتشرون بالمكان ، يجرون هنا وهناك ، ورأى طيوراً من أصدقائه
وجيرانه صرعى علي الأرض ، انقبض قلـبه بقوَّة ، قال لنفسه : الموت قادمٌ لا
محالة ، عندما رأى جنـدياً يُسـقط الفوارغ أرضاً ، ويضع بـدلاً منها طلـقات
حـيَّة ، ثم رآه وهـو يرفـع البنـدقية بين يـديه ، ويصوبها نحـوه ..
انطلق الطائر الأبيض طـائراً ، في لحظةٍ حسبها دهـراً ، قبل أن تلحـقه
رصـاصة الجنـدي التي مـرَّتْ بجـواره .
ظـلَّ الطـائر الأبيض الصغـير يضرب الهواء بجناحيه في بكـور الصبح ،
مبتعـداً عن مصدر الموت ، كانت الشمس في مخبئها ، ولم تشرق بعـد .
عبر الطائر الأبيض الطرق السريعة بحـذر ، كان خائفاً من العربات المنطلقة
بجنون ، والتي ظنَّها تفـرُ خائفة أيضاً من موتٍ مجهول .. ، وقف الطائر فوق
كوبري علوي علي مفترق طرق يستريح ، ويلملم أنفاسه المضطربة والمبعثرة في
فضاء المدينة ، لم تـر عيناه سوى الإسفلت الأسود الممتـد بطول الطريق ،
والحفر المتباينة التي حفرتها القنابل ، وجانباً محطماً من الكوبري بفعل
قـذيفة ، وأعمدة الإنارة المائلة ، مكسورة المصابيح ، واقفـةً تنظر لـه
بصمت وعمى ، والأبنية الأسمنتية ـ عديدة الطوابق ـ التي تحجب الأفق لتؤكـد
حضورها القاسي ، تتناثر علي مداخلهـا أكياس القمامة مبقورة البطون ، تتنافس
عليها قطط وكلاب ضالة في معارك صغيرة تحسمها الأخيرة لصالحها ، ثمة أدخنة
سوداء تتصاعـد من مكان مجهول ، تثقل الهواء المثقل بالغبار وروائح المخلفات
، أصوات مكتومة تفصح عن وجودها بين الضجيج ، هل هي طلقات رصاص أم انفجارات
قنـابل ؟ ..
بحث الطائر الأبيض بعينية عن شجرةٍ ، أو نباتٍ أخضر ، أو نهرٍ صغير ، أو
حتى زهرة واحـدة تنظر إليه من أصيص ، فلم يجـد ، انتابه حزنٌ علي حزنٍ ،
ومرَّتْ أمامه قافلة من العربات المصفحة ، يعلـوها جنـود بنفـس السحـن
الغريبـة المتوترة ، والبنادق سريعة الطلقـات ، كان هناك جندي ، إنَّه نفس
الجندي الذي رآه تحت الشجرة ، هل هو حقاً أم أن خيال الخوف مـلأ عقـل
الطائر الصغير بالوهـم ؟ ، رآه يصوب بندقيـته نحـوه ..
فـرَّ الطائر مبتعـداً بأقصى سرعـة ، وهو يقول لنفسـه :
ـ " هـذا مكـان غير آمن .. مكـاني ليـس هنـا " .
استأنف الطائر الأبيض طيرانه ، حلَّق فوق محطة السكك الحديدية للمدينة
الصغيرة ، حـطَّ علي سقف المبنى ، رأى القضبان الحـديدية السـوداء الخارجة
والداخلة والمتشابكة في امتدادها الطويل ، المبقعة بالزيوت السوداء
والأتربة الناعمة والزلط والحجارة والأوراق المصفرة القديمة ، والسيمافور
العالي وذراعه الممدودة في وجـه المدينة بالتحـذير ، والأرصفة المستقيمة ،
وأعمـدة الإنارة القصيرة التي ضاع نورها في نـور النهار ، والمظلاَّت
الهرمية المتربة ، والمقـاعد الإسمنتية الملوثة بكتابات المراهقين الذين
يدعون الرجـولة ، وركَّاب الصباح في صمتهم المريب ، أو ثرثراتهم الصغيرة
الخائفة ، وهم يتجمعون ويتزاحمون انتظاراً للرحيل ، كانوا كثيرين ، وسمع
الضجيج والصفير الحـاد للقطارات القادمة ، والأخرى الراحلة ، بعنفوان
الدواليب الحـديدية الثقيـلة ..
بالقرب من باب المحطة ، رأى الطائر الأبيض دبَّابة ، ورأى حولها جنـودا
بنفس السحن ، كانوا يرفعـون رشاشاتهم في الهـواء ، ورأى حاجزاً علي الباب
الرئيسي ، كانوا يفتشون حقائب المسافرين ـ الذين يمرُّون بممر ضيق ـ ببـطء
يُفقـد الأعصاب هدوءها ، رأى شاباً يقفـز عبر الحاجز منطلقاً بأقصى سرعة ،
والجنود كانوا يلاحقونه برصاصاتهم ، لم يتيقن الطائر الأبيض الصغير من موت
الشاب ، أو كونه تمكن من الفرار ، لأنه انطلق طائراً ومبتعـداً ، وهو يقول
لنفسـه :
ـ " هـذا مكـان غير آمن .. مكـاني ليـس هنـا " .
استأنف الطائر الأبيض طيرانه ، مـرَّ فوق سوق المدينة ، حـطَّ علي السقف
المصنوع من الصاج القـديم ، تأمل الباعة الكثيرين والمشترين القلائل ،
وعربات " الكارو " التي تُفرغ حمولتها ، وصياح " العربجية " الغاضب
لحيواناتهم الكسولة ، وعربات الخضر القليلة المبلولة بندى الصباح ، وفاكهة
آخر الموسم التي يعكُف الباعة علي رصِّها بحرص في صفوف هرمية جذَّابة ،
ورأى الزحام الشديد علي أرغفة الخبز الساخنة بوجوهها المحمرة الخارجة تـواً
من عين الفرن ، وأسماك النهر الهامدة بحاملاتها المعـدنية التي يسقـط منها
الماء ، ولحوم حيوانات مسلوخة بالمذبح ، معلقةً بخطافات من حـديد ، حيوانات
مكتملة علي ضآلتها وهـزالها ، مكسوةً بـدهون بيضاء مصفـرَّة ، وأختامها
الحمراء لامعة بلون الدماء ، ورأى سبـيل الماء القـديم ، الذي تعـددت
صنابيره في توال محسوب ، علي حائط ضرب النشـع الرطـب في أصـوله المتداعيـة
..
كان الطائر الأبيض جائعاً وعطشاناً ، فكَّـر في الهبوط ، والتقاط بعض
الفتات ، والشرب من مـاء السبيل .. ،عنـدما انطلق هابطاً ومرفرفاً بجناحيه
صوب الأرض ، رأى حاجـزاً يقطع الطريق ، ورآهم خلف السبيل يتحصَّنون به ،
ظهورهم للحـائط وعيونهم اللامعة بالريبة للقادمين و الخارجين من السوق ،
بنادقهم الآلية بأيديهم علي أهبـة الاستعـداد ، والرصاصات المتحفزة مكدَّسة
في أمشاط حول أحزمة خصورهم ، ودوَّى انفجار هائل ، اختلطت أشياء السوق ،
وتناثرت أشلاء آدمية ، وفر الناس بذعـر ، وانطلقت رصاصات تلاحق شباناً
يهربون ..، استـدار الطائر الأبيض في الهـواء ـ بزاوية حـادة ـ متراجعاً
للخلف بسـرعة ، مبتعـداً عن المكان ، وهو يقول لنفسـه :
" هـذا مكـان غير آمن .. مكـاني ليـس هنـا "
وعـاود الطيران مبتعـداً وخائفـاً .
ظلَّ الطائر الأبيض الصغير يحلق طائراً بأجـواء المـدينة الصغيرة ،
متنقـلاً من مكانٍ لآخر ، باحثـاً لـه عن مـأوى أو مأكـل أو مشـرب ، دون
جـدوى .
المدارس الكثـيرة ، المستشفى الوحيـد ، مقاهي الشوارع الرئيسية ، الحدائق
الصغيرة ذابلة النباتات ، أماكن اللهـو المهجورة ، سجن المدينة بأسـواره
العاليـة ، وموقـف " الباصـات " الرئيسي وعربات " السرفيس " الصغيرة ..
كان عليه في كل مرَّة ، أن يرحل طائراً وممتلئاً بالخوف ، كلما رآهم بسحنهم
الغريبة ، ولغتهم الغريبة ، وأسلحتهم الفتـَّاكة ، التي فتكتْ بأصدقائه
وجيرانه ، مع مطلع الصبح ، عنـد الشجـرة العجـوز العاليـة .
كان الطائر الأبيض متعباً وخائفاً وجائعاً وعطشاناً ، عندما رأى كـوخاً
طينياً علي حـافة المدينة ، هبـط علي سقفه المصنوع من القش والبوص ، تطلع
حواليه ، وفـرح لرؤية الأرض المزروعة بالخضرة أمامه ، والهـدوء الذي يشمـل
المكان الخـالي من الجنـود ، قـال لنفسه : سوف أبني عشـاً هنـا وأعيش فيه
بعيـداً عن الخطر ، ورأى عجوزاً تقرفص أمام بـابه الخشبي ، كانت تستقبل شمس
الصبح الطالعة من حافة الأفـق البعـيد ، ورأى كتاكيت صغيرة بزغبها الأصفر
ومنابت ريشها ، تتجمع أمامها في دفء الشمس ، كانت أنامـل العجـوز تلقي لها
بفتـات الخـبز ، تتجمع الكتاكيت فرحة وتنقرها بمناقيرها الصغيرة ، ولمح
الطـائر الأبيض آنيـة صغـيرة من الفخـار بها مـاء بالقـرب من العجـوز ..
فكَّـر الطائر بعقـل الجـائع : كيـف يمكـنه الحصول علي بعـض هـذا الفتـات ؟
..
قـال لنفسـه :
الجـوع كافـر ابن كافـر .
وقـال لنفسـه :
الغـرباء يحتلُّـون المدينة ، ولن تسمح لي بنـادقهم أن أهنـأ بأي طعـام أو
شـراب .
وقـال لنفسـه :
الله رحيـم بالضعفاء ، هـو الذي هـداني إلي هـذا الكوخ .
وقـال لنفسـه :
لا بـد أن الكتاكيت سوف تشبع ، ولا بـد أن العجوز سوف تدخل كوخها ، أو ربما
تغفـو نائمةً في دفء الشمس ، فأحصل آنئـذ علي بغيـتي من الفتـات والمـاء .
كان الوقت يمر بطيئاً ، والعجوز علي حالها مستمتعةً بدفء الشمس التي تعلو
في السماء ، والجوع لا يرحم وهو يقرص أمعاء الطائر الأبيض ، ودفع الجوع
بالطائر ليهبط بالقرب من العجـوز ، لم تنتبه إليـه ، سمعها تكلم الكتاكيت ،
والكتاكيت التي شبعتْ تجمعتْ بالقرب منها ، وتضامتْ بأجسامها الصغيرة ،
وأغمضت أجفانها تحت عين الشمس ، واستمع الطائر الأبيض للعجوز وهي تكلِّم
كتاكيتها عن حكاية ولـدها " إبراهيم " ، عرف أنه ولدها الوحيـد ، وأنه كان
فلاَّحا بسيطاً ، يزرع عـدة قراريط من الأرض بالقرب من الكوخ ، يزرعها
بالحاصلات التي يحتاجها أبناء المدينة : طماطم وخيار وبصل وجرجير وخس وكرنب
.. ، يمارس عمله بالأرض تحت وقع عينيها ودعاء قلبها لـه ، ويذهب للمدينة
ويعـود إليها ، كان يحلم كما يحلم كل الشباب ، بالكوخ الذي يصير داراً ،
والدار التي تعمرها زوجة ، والزوجة التي تنجب لـه الأطفال ، والأطفال الذين
يكبرون ويتعلمون ويصيرون رجالاً لهم شأن .. يحلم ويحلم ويحلم ، حتى صحا علي
كابوس الغرباء وهم يهاجمون المدينـة ، وخرج مع كل الشباب يدافعـون عن
مدينتهم وعن مستقبلهم وعن أحلامهم ، لكنهم فيما بعـد قـالوا لها :
إن الغرباء قـد قتلـوه غـدراً برصاصاتهم ، وهـو يـدافع معهم عن المدينة .
لم تصـدقهم ، قالت لهم :
" إبراهيم " لم يمـت ، وإنه ما زال حيَّا ، وسوف يعـود إليها في يـوم ما .
كان الطائر الأبيض يستمع للعجوز التي تخاطب الكتاكيت بحزن ، ورغم الجوع
الذي كان يعصف به ، فإنه بكى ، وتساقطتْ دموعه حزناً من أجلها ، وخطا
بساقيه الرفيعتين عـدَّة خطوات صوب الكتاكيت ، ورأته العجوز ، اكتستْ
ملامحها بالدهشة وهي تحـدق فيـه ، والتقـتْ عيناها الصغيرتان الدامعتان
بعينيه الصغيرتين الدامعتين ، اتسع ركنا فمها المشـدود بابتسـامة ، وهتفـتْ
بفـرح :
ـ " إبراهيـم .. تعـال يا بني " .
وفوجئ الطـائر الأبيـض .
ـ " إبراهيـم .. تعـال يا بني " .
ازدادتْ دهشته ، لكن الجوع المستبد بلـغ به أقصى مـدى ، فلم يتزحزح عن
موضعـه :
ـ " إبراهيـم .. تعـال يا بني " .
كانت ابتسامتها مشجعةً لـه ، اقترب حتى بقايا الفتافيت التي خلفتها
الكتاكيت ، راح يلتقطها بمنقاره وهو ينظـر إليها .. سألتـه :
ـ " أنت جـائع يا حبَّـة عيـني ؟ " .
ومدَّت أناملها في طبـق بجوارها ، وأخذتْ من طعام الكتاكيت وألقت أمامه .
كان الطـائر الأبيض يأكـل ، والعجوز تتحـدث معه ، وتقول لـه يا " إبراهيم "
يا بني ، وتقول لـه لا تحمل هماً بشأن الأرض والزرع ، هي ترعاها قـدر
استطاعتها ، وأنها تجـد كثيراً من أولاد الحلال الذين يساعدونها في الأرض ،
أو بيـع إنتاجها في المدينة ، وقالت لـه إن غيبته قـد طالتْ عليها ، وإنها
ظلَّـت تنتظره ، وتنتظر اليـوم الذي فيه يعـود ، ويبني الـدار ، ويتزوج ،
ويحمل عنهـا كل أعبـاء شيخوختها ..
كان الطائر الأبيض قـد شبـع مع نهاية الحكاية ، وخطا نحـو آنية الماء وشرب
، ثم طـار نحـو السقف ، وسمع العجوز تودعـه :
ـ " مع السلامة يا إبراهيم .. لا تطـوِّل غيبـتك يا بني "
نام الطائر الأبيض نوماً عميقاً بين عقـد القش ، عندما استيقظ كان النهار
قد عبر منتصفه ، قرر أن يبـدأ في يناء عش لـه ، ولم يجـد صعوبة في ذلك ،
كانت المواد اللازمة لإقامة العـش حواليـه كثيرة من قـش وأفـرع نباتية
صغـيرة ، وبات الطائر ليلته الأولى بالعـش الجـديد وهو يحلـم بالعجوز
الطيِّـبة ، وولـدها الغائب إبراهيـم ، والغرباء ، والمـدينة المحتلة ،
والأصدقاء والجيران الذين سقطوا غـدراً برصاص الجنـود .
ومع صباح اليوم الجـديد ، وجـدها أمام الباب مع كتاكيتها ، رأته وسعدتْ به
، أطعمته وسقته الماء ، وحكتْ له حكاية جـديدة عن " إبراهـيم " ، متى رُزقت
به وليـداً ؟ ، كيف رعته بعـد رحيل أبيـه حتى صار رجلاً يملأ العين برجولته
؟ .
وصحبها الطائر الأبيض الصغير ، عندما أوصدت كوخها وذهبت للحقل ، رآها تحنو
علي النباتات النامية ، ورآها تقتلع الحشائش الضارة والغريبة ، ورأى
جيرانها الفلاَّحين يهبُّون لمساعدتها ، ويقدمون لها يـد العون ..
وتكـرر هـذا في صباحات أخرى كثـيرة ..
وجـاء ليل ، استيقـظ فيه الطائر الأبيض مفـزعاً ، علي صوت طلقات رصاص تشـق
الفضاء ، نهض مذعوراً ، تطلع من فوق السقف ، رأى في عتمة الظلمة الجنـود
الغرباء ينتشرون حول الكـوخ ، ويدفعـون الباب المتداعي ، وسمع صراخ العجوز
، وواحـداً منهم يصرخ بها بعـربية مكسورة الحـروف :
ـ " أين هُـم .. نحـن نبحـث عن المطلوبين الذين يهاجمون الجنـود "
وفـرَّ الطـائر الأبيـض هـارباً ، يتخبط في الظلام علي غير هـدى ، خـائفاً
ومبتعـداً عن كوخ العجوز ، وسمع طلقات رصاص عشوائية تشق الظلام ، هل كانت
الطلقات تلاحقه ؟ ، سـأل نفسـه عندما سقـط بأرض مزروعة ، وجُرح جناحه وسال
دمه ، لملم نفسه واستقر بجـوار نبات ، بكى الطائر الأبيض حزناً علي مصير
العجوز ، وقـال لنفسـه :
ـ " ليـس لي مكـان في مدينـة يحتلهـا الغـرباء .. عندما يطلع الصباح سأرحل
لمدينة أخرى "
عنـدما جـاء الصباح ، وجـد الطائر نفسه وسط الأرض التي تزرعها العجوز ،
ظـلَّ واقفاً بين نباتاتها القائمة لا يدري ماذا يفعـل ؟ ، تذكَّـر العجـوز
وبكي بحـزن ، وهطلتْ الدموع من عينـيه ، لم يكن قـادراً علي التفكـير ، أو
تنفيـذ قـرار الرحيـل ، والألم يضرب جنـاحه المصاب ، كان حزيناً من أجـل
العجـوز ، لا بـد أن الغـرباء ، قُسـاة القلوب ، قـد قتلـوها وهم
يستجوبونها بغبائهم ليـلاً عن المطلوبين ، أو أنها ستموت رعباً ـ وهي
العجـوز الوحيدة ـ لرؤيتهم ، أو أنها ربما تنجـو ، وتطلع الطائر لسماء
الصبح ، ودعـا الله للعجوز أن تنجو من الغرباء ، وفكَّـر أن هروبه الآن
لمدينة أخرى ، وغيابه عن ناظريها إن كانت حيَّة ، سوف يقتلها كل يوم مئات
المرَّات وهي تنتظره ، وتنتظر ولـدها " إبراهيم " ، ولا تـراه إلاَّ في
عـودته إليهـا ..
وقرر الطـائر الأبيض الصغـير قراره الأخير ، بالعـودة إليها مهما كانت
الأخطـار ..
طار الطائر الأبيض عائداً لكوخ العجوز ، كان يطير لمسافة قصيرة ثم يهبط
ليستريح قليلاً بسبب ألم جناحه المصاب ، عندما اقترب من المكان ، رأى باب
الكوخ محطماً ، والجنود الغرباء قـد رحلوا ، وكانت جثث الكتاكيت الدامية
مبعثرة بعشوائية علي الأرض ، بعـد أن دهمتها الأحـذية الثقيـلة أثناء
المداهمـة ، بحـث عن العجوز بعينيه فلم يـرها في أي مكان ولم يسمع لها
صوتاً ، انقبض قلبـه وعصرته يـد الخوف ، هبـط ، اقترب من الباب ، رآها
جالسةً ، امتلأ قلبـه بالسعادة ، وحمـد الله ، ورأته العجـوز ، والتقتْ
عيناها الصغيرتان الدامعتان بعينيه الصغيرتين الدامعتين ، اتسع ركنا فمها
المشـدود بابتسامة وهي تشهق بالبكـاء ، وهتفـتْ بفرحة مبـللةً بالدموع :
ـ " إبراهيم .. تعـال يا بني وشـفْ ما حصـل "
وعنـدما اقترب منها ورأتْ جرحَه انزعجتْ ، راحتْ تنظفه بالماء ، وتطهره ،
وتلفه بقطعة قماش ، ثم حملته بيدهـا ونهضتْ ، أمام باب الكوخ المحطَّم
جلستْ وهي تحتضنه بكفَّيها ، تستقبل قرص الشمس ، الذي يُشرق عنـد حافـة
الكـون البعيـد
**********************
أول الصفحة
© Arab World
Books |