|
|
|
قصة بقلم :
محمد العشري
.. إذا أوغلت في الصحراء فسترى السماء منكفئة فوقك كناقوس ضخم ، والنجوم
المنتثرة في الفضاء ستصبح ثقوبـًا تستطيع أن تطل منها على فضاء الكون الرحب
، وتمد يدها لك لتريك نواقيسـًا أخرى ، حاضنة أناسـًا آخرين ، وسترى في
النهاية مجموعة من القباب المرتفعة ، بينها ممرات تؤدى إلي بعضها البعض
وأنت تدخل من واحدة لأخرى ، مستهلكة منك سنينـًا طويلة ، ستظل عمرك كله
تائهـًا بين تلك القباب ، في متاهات لا حصر لها بحثـًا عن روحك ، وربما في
النهاية تجدها معلقة فوق رأسك ، مشدودة بشعاع ضوء واهن يجذبها لأعلى دون أن
تكتشف أو تفهم شيئـًا مما حولك .
تلك فقرة في كتاب الكون
قرأتها لصديقي شريف إسماعيل ونحن ذاهبان في مهمة عمل إلي الصحراء الغربية
المصرية ، في نهار مشمس من أيام الشتاء ، رأينا التضاريس من بعيد منبسطة
وناعمة إلي درجة أن تموجها في الهواء الهادئ أنعشنا ، أجلى صدورنا ،
فتخيلنا أن البحر انساب على الرمل ، بَثَّ هوائه في فراغاته ، وحين اقتربنا
من تلك الهضاب والتلال أصابها تغير مفاجئ فأصبحت حادة ومدببة بشكل يشق
الجلد ويقطع الأطراف إذا ما مستها .
كانت العربة تحملنا فوق الارتفاعات وتلقينا إلي المنخفضات الخفيفة فتشهق
أرواحنا من تلك الرجفة التي تلامسنا والعربة تنساب لأسفل ، وتتحول إلي
أرجوحة هوائية تخلط الاتجاهات الجغرافية وتغيرها ، أو تدفعها أن تتعامد مع
أشعة الشمس فتبدو أنها سوف تنطلق في السماء ولا ترتد .
ركز شريف عينيه في شاشة جهاز الـ " جى بى إس " الذي يدلنا على المسار
الصحيح ، عن طريق اتصاله بشبكة الأقمار الصناعية ، فيتعرف على خطوط الطول
وخطوط العرض ، إحداثيات النقطة التي نقف عليها ، يحسبها بدقة متناهية في كل
قدم نتحرك فيها مع رسم مسار بخط أسود على شاشته منذ أن تحركنا من مقر
الشركة ، قاطعين شوارع المدينة في اتجاه منطقة الامتياز الخاصة بشركتنا –
التي تبحث وتنقب فيها عن البترول والغاز – رغم صغر حجمه الذي لا يتعدى حجم
ثلاثة أصابع من أصابع الكف مضمومة إلي بعضها ، إلا أنه مرشد أمين ، وعلى
درجة فائقة من الذكاء .
كنا في زيارة إلي موقع قديم لأحد الآبار الجافة التي لم نعثر فيها على
البترول ، فهُجر بعد أن أُغلق بوضع صبة خرسانية على فتحته التي لا تتعدى
نصف متر مربع ، تلك الفتحة دائمـًا تقع في قلب كتلة خرسانية أكبر تبلغ
حوالي أربعة أمتار مربعة تكون مجهزة قبل حفر البئر لكي تقف عليها البريمة
ثابتة أثناء عملية الحفر ، وبجانب تلك الكتلة توجد هوة عميقة تستقبل الماء
المشبع بنواتج الحفر ، من مواد طفلية وصخور مفتتة بجميع أنواعها المتراكمة
تحت سطح الأرض حتى عمق أربعة كيلومترات ، وبعد هجر البئر غطت الأتربة
والرمال التي تذروها الريح تلك الهوة فتموهت مع الصحراء من حولها ، أصبح
ظاهرها جافـًا ، وباطنها تحول إلي مستنقع أسن يحتاج إلي وقت طويل حتى يتصلب
.
مصيدة بهذا الشكل ، وعربة حديثة مجهزة بالسير في الصحراء الوعرة تنطلق
نحوها بسرعة ، ولا يدرك شريف ما تحت الرمل المنبسط أمامه ، وهو يضغط على
دواسة البنـزين ، ولا شئ يدل على ما في الباطن ، لا شئ يدل على أن هناك خلل
تحت السطح على هيئة فم مفتوح في انتظار ما يبتلعه ، وماء أسن من الممكن أن
يُنتج كائنات وحشية ويُطلقها في طبقات الصخور لتأكل كل ما يقابلها ، تخطت
العربة ونحن بداخلها الحدود الخرسانية ، حاول شريف أن يُوقفها ، لكنها سحبت
نفسها وحطت عجلاتها فوق سطح تلك الهوة العميقة وترنحت ببطء ثم بدأت في
الغوص المتسلل .
سقطت العربة في الحفرة كما يسقط حجر في برميل صمغ فتُسد مسامه ، حاولنا أن
نفتح الأبواب كُلّ من ناحيته فلم نستطع ، حتى استقرت في القاع ، نظرنا
للرعب الذي سيطر علينا ولون وجوهنا بالدم ، صرخنا فاندفع الصوت ليفجر
آذاننا ، ويفصلنا عن بعضنا .
كان الماء قد تفاعل مع صخر القاع الذي فيما يبدو أنه حجر جيري فشققه ونفشه
، صنع فيه ممرات وفجوات بدت كمسالك مدينة عربية قديمة ، كسرنا زجاج العربة
وخرجنا ، أمسكت بكتف شريف ، اتكأت عليه ، تركت له يدي ، وكم كانت الصدمة
مروعة حين بدا كالأعمى وهو يسحبني لننـزلق عبر فالق كبير يشق الأرض إلي
نصفين ، هوينا وأيدينا انفتحت كمظلة هوائية ، نبشنا أظافرنا في الفراغ ،
ومن شدة سقوطنا ومحاولة تشبثنا أحسسنا أننا قد سلخنا قشرة صخرية وتدلينا
بها في الفراغ بين الأرضين ، نزلنا فوق أرض ثالثة مطوية فوق بعضها كقشر
فاكهة القشدة ، مشينا فوق تلك النتوءات ، دخلنا في فتحة تؤدى إلي أسفل ،
والرعب بدأ يخفت من ملامحنا ونحن نبحث عن مخرج .
بدا التفكير في ذلك الواقع أكثر حكمة من الجذع والهلع ، نظرنا تحتنا وفوقنا
فوجدنا أن المسافة إلي الأسفل أقرب كثيراً من الصعود إلي الأعلى ، نزلنا
وأيدينا تلامس جدران لا نراها ، ومن آن لآخر نرى بريقـًا ولمعانـًا لمعادن
مختلفة تحيا في مناجمها المغلقة عليها والتي لم يستكشفها أحد ، قلت لشريف
أن يحفظ خارطة تلك الأماكن جيداً قدر ما يستطيع ، فضحك ضحكة تضخمت وظلت مدة
طويلة عالقة فوقنا ، قبل أن تنسحب بترددها فى الفراغات والتموجات التى ترسم
الحوائط والطبقات وترصها فوق بعضها البعض .
شرع يتحسس تلك المعادن ويتذوق طعمها بطرف لسانه كعادة الجيولوجيين في
التعرف على بعض الصخور التي تقترب في شكلها من هيئة الملح .
هالنا ما سمعنا من أصوات تقترب تارة ، وتبتعد تارة أخرى ، كأنها تصدر عن
صخر بعينه ، يقف حارسـًا لتلك الكنوز المستترة فى الباطن الساخن ، أسرعنا
في حركتنا بجوار تلك الكتل الكبيرة المكونة للبريق ، والمتناثرة في الصخر
كأناس واقفين في الشوارع والأسواق ، أو الممتدة في عروق تتفرع في تكوينات
صلدة ، بعضها يصبغ الأكف والوجوه بألوان غريبة .
شممنا رائحة غاز يخرج مندفعـًا من فتحة في الصخر ، كاد أن يخنقنا لولا أننا
جرينا بعيداً عنه ، ضغط علينا الهواء فأصبحنا فاقدين القدرة على التنفس ،
قفزنا قفزة هائلة ، غطسنا في سائل البترول الذي وجدناه تحت أقدامنا ، لم
نصدق ما نحن فيه والبترول يغرقنا ، ويدفعنا إلي أسفله ، نشهق دائخين ، على
وشك أن نفقد وعينا أو فقدناه فعلاً ، لم نميز ، فقد كنا في انعدام وزن ،
والدهشة تُخرس لسانينا ، ورغم أننا في أسفل ما يكون إلا أننا شعرنا أننا
نطير في الفضاء متحررين من جاذبية الأرض ، في جو ساخن .
كدنا أن نذوب من شدة الحرارة ونحن نهبط طيات الأعماق ، تركنا أنفسنا بدون
مقاومة نبديها ، أحسسنا أننا سقطنا في جهنم ، فأغلقنا عيوننا على ما آل
إليه حالنا ، تأهبنا لخوض تجربة الآخرة ببعض الوعي العالق في رموشنا
المتعبة .
ذلك السائل اللزج النائم في باطن الأرض حين رأنا قد هبطنا إليه عبر طبقات
الصخور وطياتها الكثيرة التي اختبأ تحتها لمئات الملايين من السنين شعر
بالدهشة في أول الأمر فتناثر ، وسرعان ما تماسك وتموج صانعـًا دوامات لا
حصر لها ، ضحك ضحكة ترددت بقبقاتها في آذاننا بشكل أرعبنا ، ففهمنا أنه قرر
أن يغرقنا في لزوجته ، نظرنا حولنا ، حاولنا أن نهرب ، لكننا لم نستطع ،
سلمنا أمرنا ودخلنا عباءة الاسترخاء حين وجدنا الحصار محكمـًا للغاية ،
وجنوده تصوب رشاشاتها الساخنة على جسدينا .
خمنا أنه قد تبادر إلي ذهنه أول ما رأنا أنه قد تعرف علينا ، عرف أننا من
هؤلاء الذين ينقبون عنه ، فيرسلون موجات صوتية تخترق الصخور لتكشفه لهم ،
وحين يستدلون على بيته ومخبئه يحفرون الأرض بالبريمة التي تقف فوق السطح
بثبات ، تلف دقاقها بسرعة مهولة مخترقة الطبقات الأرضية المتراكمة فوق
بعضها منذ ملايين السنين ، وبمجرد أن يلامس ذلك الدقاق دمه بعد أيام من
الحفر ، ينـزلون مدافعهم في تلك الفتحة ويفجرون الصخر الذي يحتمي به ،
فتصنع الطلقات ممرات يسحبونه منها بقوة الضغط التي تدفعه للخارج بتدفق ،
فيخرج عن طريق مواسير لها نهايات مثقبة ، يشفطونه منها إلي خارج بيته ،
وعلى سطح الأرض يأخذونه ويجمعونه في براميل ، وسريعـًا يحللونه عن بعضه ،
يكررونه ويفرقون دمه في سياراتهم وآلاتهم وأفرانهم ، ويفرشون المتبقي منه –
جلده الأسود – على طرقهم صانعين ممرات الإسفلت في كل مكان ، ومكتسبين
أنماطـًا من الحياة لم يعرفوها من قبل ، تتحول الصحارى إلي مدن مبهجة ،
تزلل رائحته صعوبات الحياة تحت أقدامهم ، بما يجنونه من مال مقابل بيعه
كالعبيد إلي بلدان باردة بعيدة ، ما يلبث أهلها أن يحرقوه بنهم ليحصلوا على
طاقته ، ولينعموا ببعض الدفء .
مرات كثيرة استطاع أن يهرب لفترة ليحافظ على كميته وجنسه من الانقراض
والنضوب ، نتيجة للشفط المستمر ليل نهار فكان حين يشعر بما يرسله هؤلاء
المنقبون من موجات صوتية يستشف الخطر فوق رأسه فيجمع نفسه وأهله وعشيرته
ويرحلون بسرعة ، يهاجرون من مكان لآخر عبر الفواصل والشقوق والمسام الصخرية
المنتشرة في الأحجار الرملية ، والجيرية ، يهبط أودية ، ويصعد جبالاً ،
يترك نفسه طافيـًا فوق الماء ، مهاجراً ومستقراً في أعلى الأماكن معتمداً
على كثافته الخفيفة ، فالماء يعطيه فرصة أكبر للهرب والتخفى في مكامن مسقفة
بأنواع من الصخر مثل الأحجار الجيرية والطينية ، وتلك الصخور تعزله عما
حوله فيأمن هؤلاء العابثون ، الذين يبحثون عنه ، ولا يكّلون سواء في البحر
أو في الصحراء ، يطلقون موجاتهم لمعرفة مكانه واصطياده .
في أحيان كثيرة وهو يهاجر يجد نفسه محاصراً في مصيدة صخرية في أماكن عديمة
المسام أو ضيقة لا تسمح بمروره ، والماء من تحته يرفعه ويحصره فيندم على
أنه لم يتحرك بحذر وحيطة بعد أن يكون قد وقع في تلك المصيدة ، ويظل
المنقبون يحومون حوله بما يرسلونه من موجات حتى يمكنهم أن يحددوا مكانه
ويصلوا إليه ، عندئذ تبدأ رحلة هلاكه في الخارج بعيداً عن باطن الأرض ولكنه
لا يستسلم ، فبرغم تحليله وتكريره وتوزيعه في بلدان مختلفة إلا انه يتفق
فيما بينه على أن يتجمع مرة أخري في السماء ، فيطير في أدخنة تخرج من
الآلات والسيارات والمصانع ، يتجمع في سحب دخانية ، تحملها الريح على
أجنحتها وتدخلها مصانع السماء لتضخها في حزم حلزونية تنتشر في الأجواء ،
وتعبق بكثرتها بلدانـًا وقارات ، قاضية على الأخضر فيها ، رد فعل تلقائي
تلتزم به تلك الأبخرة الدخانية المحترقة تجاه غيرها ممن يحرقونها ، ترفع
لسانها كعلم تلم به أجزاء المشردين والتائهين بعيداً ، وصلت رفرفة تلك
الراية إلي عنان الفضاء الخارجي ، اخترقت الأوزون ، فى محاولة لثقب الكرة
الأرضية وبعثرتها فى التمدد الكوني .
فجأة فلتنا ، خرجنا من قاع السائل اللزج إلي ماء دافئ ، حركنا أذرعنا فتموج
، هللنا في رقصة الفراشة الطائرة التي يسبح بها أبطال السباحة في سباقاتهم
، غسلنا جسمينا مما علق بهما ، نادى كُل منا على الآخر كأننا نجرب أصواتنا
التي نسيناها ، لم يكن هناك سبيل إلي الصعود فسبحنا إلي أسفل ، خرجنا من
قاع الماء ، تحسسنا ما تحت أيدينا مباشرة فكانت الأرض تتحول إلي مناطق
بعضها مبلل ، وبعضها جاف .
في المنطقة الجافة وجدنا أشجاراً من العروق الضخمة ، متفحمة ومتشعبة إلي
عدد لا نهائي في غابة كثيفة لا آخر لها ، مكونة مدنـًا من الفحم .
ولم يكن هناك مخرج يلوح في أي اتجاه ، لذا تعمقنا وتتبعنا تلك العروق ،
دخلنا في دهاليزها النائمة أفقيـًا في مسلك متدرج إلي تحت . كنا نمشى على
أيدينا أو أرجلنا أو رؤوسنا لم نكن ندرى فى أي وضع نحن بالضبط ، فقد كنا
نتتبع الهواء الخارج من فاهينا .
غلبنا التعب ، نمنا في نفس اللحظة التي نظرنا فيها لبعضنا .
بعد ساعات أو يوم أو أعوام مرت سمعنا وقع دقات منتظمة تأتى من بعيد .
لم نصدق ما نحن فيه ، تلاقت أعيننا وارتدت إلي مصدر ذلك الدق ، زَيتّنا
أرجلنا بالحك وأوقفناها عنوة ، نشطناها في المكان ، جرينا في اتجاه الصوت ،
الذي علا مع اقترابنا منه ، دفعتنا رغبتنا في الخلاص من حالتنا تلك ،
فتشبثنا بالجري باستماتة حتى كادت الدقات المستمرة أن تثقب آذاننا ، على
بعد خطوة من مصدرها مباشرة وقف شريف في مواجهتي ، قال :
هل تصدق ذلك ؟!
أومأت برأسي ، وقبل أن أنطق هوى شيء فوق دماغينا ، فوقعنا مع كتل منهارة من
تلك الأشجار الفحمية التي كنا نقف بجوارها .
حين رأنا الدقاقون ألقوا مطارقهم وفروا مذعورين ، ركبوا العربة التي ينقلون
بها الفحم وانطلقوا متزاحمين في ممر ضيق يؤدى إلي نور في نهايته .
نظرت إلي شريف فرأيته أسود ، ضحكت وضحك ونحن ننفض الغبار عن وجهينا وجسدينا
. صعدنا إلي عربة ثانية - تركوها عند خروجهم - خرجنا فوق القضيبين
الحديديين من نفس الطريق الذي فروا منه ، رأينا لمبات الإضاءة معلقة على
الجدران الصخرية ، ودعامات خشبية تصطف على الجانبين وتحمل السقف على رأسها
بما فوقه من ثقل الجبل والدنيا من أعلاه .
وعلى مرمى البصر كان النهار واقفاً في انتظارنا ، والفارون اصطفوا أمام
مدخل منجم الفحم وأيديهم مستندة على ركبهم ، ورؤوسهم تطل علينا بعيون جاحظة
وأنفاس مشدودة ، في انتظار العربة التى تحملنا وهى خارجة من حديقة الفحم .
.
**********************
أول الصفحة
© Arab World
Books |