|
|
|
قصة قصيرة بقلم : أحمد الخميسي
انقضت ستة أيام دون أن نتخير اسما للصبي الوليد . كانت فرحتنا به غامرة ،
الأيام الأولى مرت ونحن نتبادل حمله وتقبيله ونناديه من دهشتنا كل لحظة باسم
. فإذا نام قصدت غرفته بين وقت وآخر ، أجلس بصمت على حافة السرير أرقبه وهو
يغط في النوم ، رقبته مثل غصن ، ووجهه مثل وردة ، أتملى ملامحه الدقيقة طويلا
حتى أرى ابتسامة ناعمة فوقها سحابة رقيقة من الهناء ، فأدعو الله أن يسعد
الناس جميعا . في اليوم السابع كان لابد له من اسم لنضعه في شهادة الميلاد .
ترددت أسماء كثيرة كل منها مرتبط بذكرى أو أمل. وطالت الأمسية وانفضت ثم دخل
الليل علينا . وشعرت بالتعب ، فقمت لأنام في مكان آخر .
وقفت في الصالة شبه المعتمة أفرد ملاءة في الهواء لأضعها على الأريكة ،
متسائلا : ما الذي يراه الطفل في منامه ليصبح سعيدا هكذا ؟ وبان وجه جدتي :
التجاعيد الخفيفة حول زاويتي فمها، ونظرتها الوديعة ، والطيبة التي تسكن
ملامحها ، تقف إلي جواري في الشرفة وأنا صغير ، وتهبط ببصرها إلي السيارات
المصطفة تحت وتسألني : لو اخترت لنفسك سيارة فأي لون تنتقي ؟ . مددت رقبتي
لأسفل محدقا واخترت . رأيت جدي أيضا ، مرق وجهه بسرعة ، ثم أمي ، وأبي ، فأخي
الكبير ، وهم مجتمعين في مناسبات عائلية وأعياد يتبادلون الأحاديث . نهضت من
مكاني ومضيت فترة في عتمة حتى طلع نور ، فسرت قليلا في ممر طويل مشمس ، برزت
من جانبيه أغصان ملتوية مطلية بالأبيض تحمل زهورا حمراء وصفراء ، وتقدمت في
ضوء هادئ بين بقع الضوء والظل ، يهب على هواء منعش مشبع برائحة الفل. قادني
الممر إلي وسط الحديقة الصغيرة المعلقة كربوة في النور اجتمع فيها الأهل .
كانت أمي أول من شاهدني وهي جالسة بروب منسدل متكئة بمرفقيها إلي منضدة
مستديرة وبيدها سيجارة ، ابتسمت بسعادة . جلس أبي عن يمينها وقد حاد عنها
قليلا واضعا ساقا على ساق ، ابتسم هو الآخر . وظهرت جدتي قادمة إلي الضوء
الأبيض في ثوب باهت السواد كأنه بنفسجي تحمل بيدها شيئا ، ربما طبقا ، أو كوب
ماء . ونظر لي جدي من ركن ، ثم أخي الأكبر الذي حدق في وجهي طويلا بعينين
يقظتين ممازحتين .
كان الجميع سعداء بقدومي ، وضح هذا من نظرات السرور والبهجة الخفيفة التي
شملت حركاتهم . وجدتني جالسا على كرسي . وأخذنا نتبادل الحديث دون كلام كأنما
كان يكفي أن يفكر أحدنا في شئ فتنتقل الفكرة إلي الآخر ، ويرد عليها ، ويطلع
الجميع على رده .
سألوني عن أخوتي وأخواتي وزوجتي وأعمامي ومعارف قدامى فقلت إنهم جميعا بخير.
لم يكن باديا من أخي في الجو سوى كتفيه ورأسه حين قال : لماذا لم يأت أحد معك
؟ قلت وأنا أتخيل مشقة المشوار : سيأتون . همست أمي: اشتقت إليهم . هز أبي
رأسه يؤمن على قولها. تذكر أحدهم عمتي ، وبناتها ، وطمأنتهم أنهم جميعا بصحة
وفي أحسن الأماكن .
شع الجو حولنا وتخلل وهج متورد كل شئ ، الملاعق التي تضوي ، وبشرة الأيادي ،
ومساند الكراسي . لزمنا الصمت ، وحدنا في ذلك السكون ، نعب من سعادة رفت
بداخلنا مثل رنة هينة بعيدة على إصبع بيانو ، ووجوهنا تترقرق وتتكسر في اتجاه
النسيم .
التفتت أمي نحوي سائلة : هل اخترت اسما للولد ؟ . وبدا ذات السؤال بقوة في
أعين الآخرين . أجبت بنظرة حاولت أن تشملهم كلهم : جئت أسألكم . قال جدي:
سنجد اسما . أعطتنا جدتي ظهرها واختفت مغمغمة : لابد من ملح ينثر ، وهاون
ومدق .
تحلل الضوء وتكسر ، ولاح لي وجه الصبي يختلج ، ثم تشنجت ملامحه في بكاء
متقلصة في الهواء . رفعته إلي صدري ، وضممته فتشبثت أصابعه بقوة برقبتي . ما
الذي يراه الطفل في أيامه الأولى لينشج هكذا ؟
من البقعة التي غيبت جدتي هبت دفقة هواء بارد . مد والدي يده لأخي الكبير
بشال خفيف، فوضعه على كتفيه وهو يزم شفتين زرقاوين . تجمدنا في الصمت ،
ساهمين ، دون أدني حركة ، سوى رعشة أهدابنا الخفيفة ، عائلة واحدة ، وحدنا ،
من دون غرباء ، لنا تاريخ مشترك تشعب فينا وتجمد .
ظهرت جدتي وقد تدلت من قبضة يدها حزمة أعواد جافة هشة ، جالت بعينيها في
المكان وظلت على وقفتها صامتة .
الآن كنا جميعا ننتظر ، بأمل ويأس ، الآخرين : الذين كان الدم الحار مازال
يندفع إلي وجناتهم، والغبار يعلق ببشرتهم ، والكلمات تصدر من حلوقهم ، أولئك
الذين ما زالوا أحياء .
**********************
أول
الصفحة
© Arab World
Books |