|
|
|
بقلم : د.
محمد عبدالحليم غنيم
انتزعني أبى من دفء الفراش , وقال في لهجة حازمة :
- غير ملابسك , واذهب مع جدك هاشم .. الدور عليك اليوم
فركت عيني وتحسست الأشياء من حولي , كأنني في حلم لم أصحو منه بعد وقلت :
- هل الفجر وجب ؟
لم أسمع ردا , ولكنني بعد قليل سمعت صوت أبى في حظيرة المواشي وهو يقول لأمي
, التى تطلب منه أن يتركني أنام , لأنني ما زلت صغيرا , والجو شديد البرودة
- حسام لم يعد صغيرا .. لا أستطيع أن أخالف كلام أبى
عند ذلك عرفت أنه لابد من القيام , كما أن الجد لن يدعني أنام هانئا , سيأتي
بنفسه ويحملني حملا إلى الخارج القاعة الدافئة , ارتديت بالطو قديم فوق
ملابسي , وشربت بعض الماء قبل أن أخرج من المنزل عملا بنصيحة أمي , كنت أعرف
أن جدي هاشم ينتظرني أمام الباب الخلفي المفتوح على سكة المعاهدة , استطعت
بالكاد أن أراه عبر الظلام الدامس , كان متكوما على نفسه مثل خيمة صغيرة
بجوار الحائط , وبجواره شبكة الصيد وعصا طويلة , بدت في يده كعمود لهذه
الخيمة المتكومة , اقتربت منه وأنا أظن أنه لم يرني أو يشعر بي في هذه الظلمة
الحالكة , لمست كتفه في رفق وقلت :
- صباح الخير يا جدي
رد في ثبات :
- صباح النور يا حسام .. هل أحضرت معك الشوال ؟
قلت :
- نعم
ثم سرت خلفه على سكة المعاهدة المرصوفة بالأسفلت , وبعد قليل عطفنا على ترعة
المهندس , فسرنا على طريق ترابي ضيق نتجنب الانزلاق في الحفر الصغيرة وروث
البهائم الأخضر , وبعد جهد وصلنا إلى المصرف الجديد , عند ماكينة المياه
الميرى , قال جدي :
- اجلس هنا .. ولاتنس تخرج الخبز من الشوال
جلست في حمى جدار الماكينة , ثم أخرجت الخبز من الشوال ولففته جيدا في
المنديل , و وضعته بالقرب منى , بينما ذهب جدي إلى الشاطئ , يتفقد المكان
المناسب الذي يصلح لوضع الشبكة .
غاب جدي فأخذت أردد ما أحفظه من القرآن الكريم , كلما رأيت خيال أو ظل شئ من
بعيد أظنه جنى أو عفريت , استعذ بالله من الشيطان الرجيم , وأعيد من جديد ما
قرأته من القرآن , أحاول النوم فلا أستطيع , يخيل لي أن ألسنة من اللهب
تتراقص أمامي , ومن وسطها تخرج جنيات تريد أن تلهمني , بعد مدة أظنها دهرا
يأتي جدي على مهل , ويلقى بكومة من أعواد الحطب اليابس وبعض الهشيم الناعم
بجواري على الأرض , فأفزع , ولكن أشعر بعدها أنني استرددت روحي , فيذهب خوفي
, وعند هذه اللحظة , تكون قد انتهت نصف مهمتي , يهزنى جدي بيديه , ويقول :
- هل نمت ؟
فأرد عليه بقوة لأثبت له أنني لم أكن نائما أو خائفا :
- لا .. أنا صاحى يا جد
لا يعلق جدي ويبدأ في رص الحطب فيأخذ شكل هرم صغير , ثم يشعل النار في لفة
صغيرة من الهشيم الناعم ويدخله أسفل هذا الهرم , فيبدأ الدخان في الصعود
رويدا رويدا , وعندما تزداد كثافة الدخان وتنتشر بقوة , ينفخ جدي بفيه
فىالهشيم , فتشتعل النار , ويشتعل وجهه فيبدو مثل ألسنة اللهب التى تخرج
مختلطة بالدخان الذي بدأ في الاختفاء .
اقترب بيدي من النار ويحمر من وهجها وجهي , ويكون في ذلك الوقت ضوء النار قد
بدأ في كشف مظاهر الكون , فتتحول الأشباح المخيفة والجنيات الرهيبة والعفاريت
المتمردة إلى أكوام من السباخ وأعمدة تليفون وأشجار صغيرة نحيفة عارية من
الأوراق , في تلك اللحظة التى أشعر فيها بالأمان التام, يتركني جدي من جديد ,
ليطمئن على وضع الشبكة , ثم يعود بعد قليل وقد أحضر معه عدة سمكات صغيرة ,
اصطادها بيديه من جيوب صغيرة تكون في باطن جسر المصرف , إنه يعرف كيف يصطاد
هذه الأسماك ومتى يصطادها ؟ يلقى جدي بالأسماك فوق النار فتأخذ في التقافز
فوقها حتى تستقر ساكنة تماما , وعندما يعبق الجو برائحة السمك الطازج , يطلب
منى جدي الملح , فأقدمه له , فينثره فوق الأسماك التى يكون قد تفسخ جلدها ,
يأخذ جدي بين أصابعه قطعة من السمك الأبيض , يتذوقها , ثم يقدم لي بقيتها
قائلا :
- ذق يا حسام
آخذ منه القطعة التى تكون ساخنة جدا , تلسع حرارتها فمي فلا أعرف بالضبط إذا
ما كان قد نضج السمك أم لا ؟ لكن رائحة السمك الشهية وشدة البرد وجوعي كل هذا
كان يجعلني أقبل فى نهم على الطعام .
مع فراغنا من تناول هذه الوجبة الشهية , تكون الدنيا قد تكشفت تماما , والشمس
صارت كتلة لهب دائرية في الركن الشرقي من الكون , بينما النار أمامنا قد أخذت
في الخمود , و يجهز عليها جدي بعد وضع فوقها التراب , ثم يقول وهو يدوس بقدمه
على التراب :
- هات الشوال واتبعني
أسير خلف جدي على الشاطئ حتى نصل إلى موضع الشبكة فيطلب منى أن أنتظره على
الجسر ولا أتحرك بعيدا , ثم ينزل إلى الماء , بعد أن يكون قد خلع جلبابه ,
فلا يبقى فوق جسده سوى قميص أبيض قصير يكاد يستر عورته , يجذب جدي الشبكة
وحده , ولكن عندما تكون الشبكة ثقيلة فيعنى ذلك أن الصيد وفير , عند ذلك أسمع
صوت جدي وكأنه قادم من بعيد جدا :
- ولد يا حسام .. انزل يا ولد
يقولها جدي بفرح حقيقي , فأنزل معه , ونبدأ في جذب الشبكة من الماء
- هيلا .. هوب .. يا معين
أردد نفس الكلمات مع جدي , وأخيرا يسحب جدي الشبكة جامعا أطرافها في يده , ثم
يحملها برفق إلى أعلى الجسر أما أنا فأسند بيدي معه هذا الحمل الثقيل , أو
أدفع بيدي الأسماك التى تريد الإنفلات من عيون الشبكة الواسعة .
عندما نصل إلى الشاطئ يحمل جدي الشبكة ويفردها بعيدا عن أعين الناس الذين
يكونون قد بدءوا في الانتشار فوق الطريق الرئيسي وعلى الطرق الجانبية الصغيرة
, اتبع جدي خلف شجرة كبيرة أو في أرض خلاء , نفتح الشبكة في حرص , ونبدأ في
إفراغ السمك في الشوال فأرى علامات الفرح على وجه جدي , فأنسى ما قاسيته من
آلام هذا الصباح , وأسعد لتهليل إخوتى وفرحهم بالأسماك التى سنفرغها في الطشت
الكبير بعيدا أيضا عن أعين نساء الحارة , يلم جدي الشبكة ويجعلني أحملها أنا
هذه المرة , بينما يحمل هو شوال السمك فوق ظهره في نشاط عجيب فأشفق عليه ,
وأنا أقول :
- أحمل عنك يا جد
يبتسم جدي وهو يضع يده الخالية على كتفي , ويقول وكأنه لم يستمع لسؤالي :
- أوعى تكون نسيت المنديل
أؤكد لجدي أنني لم أنساه , فيطلب منى أن أضعه فوق رأسي ليقيني حرارة الشمس
التى بدأت في الارتفاع , فأفعل وأنا أتقافز أمام جدي كسمكة طازجة متعجلا
الوصول إلى المنزل .
**********************
أول
الصفحة
© Arab World
Books |