|
|
|
قصة / يسري
الغول
حزناً و جزعاً
على موتها أغني ..
وميض خاطف يلفني ، يحاصرني ، يكاد يسقطني أرضاً ، يخنقني ، طيف لسماوات
عظام يظللني ، يخطفني بعيداً و جسدي يرتشف غيوم المكان ، ضجيج يعمر الصالة
التي انحني في جذعها ، جلبة نساء فاجرات تضرب جدران رأسي ، همهمة لفتيات
يافعات في انتظار الرقص على تهاويم الميت ..
في صباي كنت ساذجاً كما أنا الآن ، لكنني اللحظة أشد من ذي قبل ، لم أدر
كيف أفعل في هذا الحصار ؟ فلم تكن الجلبة وحدها التي تخنقني ، بل صوت
أخواتي من حولي أيضاً ، و زوجتي التي تجلس بقربي هنا ، ساعة كئيبة هذه التي
تزورني . اليوم بت مدركاً أنه عام الحزن و الجزع .
و على موتها أغني ..
في الصالة ازدادت حدة الهمس و الصفير ، ازداد الفزع و الخوف ، بدأ الصوت
يأخذ ارتفاعاً شاهقاً كأعمدة النور باسقة ، وقفت النساء واحدة تلو الأخرى
للرقص على جسدي الميت ، و عبر شقوق الألم أنتصب تائهاً ، أبكي فزعاً على
موتها ، أصرخ علّني أتيه في ومضة وجهها الغجري .
أدندن ..
يوماً كنت صبياً ، و كانت هي كذلك ، كنت ساذجاً ، فجّاً و لم تكن مثلي
أبداً ، تبعتها فاختبأت فأدركت الفرصة ، بحثت عنها ، تهت في دروب المخيم ،
أزقته التي لا تعرف الاعتدال ، و في ثنايا الكون الرابض بي وجدتها ، عثرت
عليها ، أهديتها خاتماً ورثته عن أبي ، ثم اختفيت و اختفت ..
و عدنا نبحث عن كلينا ، تهت في دهاليزي ، و لم أهتد إليها ، جلت دروب
المنافي ، مردوانات السجون ، مشرداً مطارداً كما أشقائها الذين كانوا حلقة
الوصل بيننا ، و حين عدت كانت قد سافرت مع الضباب و اختفت .
شبق الموت يأرجحني ..
في صباي الساذج كان وميضها يلفني ، يخطفني من بين فلول الأطفال ، نجري ،
ألطمها على خديها كما كان يفعل أبي بأمي ، أصرخ بها كما يفعل بي إخوتي
الكبار ، و تصبر ، ثم تهرب و أنا أتوسل إليها بأن تعود ، أرجوها أن تمكث
معي على تلال الرمل الأصفر لكنها كأن لم تسمعني ، و في الصباح تعود ، نلعب
فيتكرر المشهد من جديد ..
و كانت قد تزوجت ..
هكذا دون أن أعرف ، دون أن تخبرني ، و دون أن اصفعها كما كنا قبلاً .
وجدتها تسير مع رجل أنيق ، شاربه كث غير مرتب ، كان يذكرني بأبي ، بأمي
التي كانت تكره الشارب الذي طلّقه أبي مئات المرات ، و على شاربه كانت
تنكفئ ، ضخم كما سرير الموت خاصتهما ، رأيتها و قد كانت تحمل الرضيع بين
كفيها ، يغني و يبكي ..
أغني و أبكي ..
رأيتها و لم ترني بداية الأمر ، لكنها عندما أدركتني ، تشممت عطر الماضي ،
مساحة البوح فسقطت أرضاً ، لحظتها لم أعرف كيف أفعل ؟ هربت ، نعم هربت أبحث
عن مأوى ينجيني من هول الكارثة التي طوحتني .. كيف لي أن أنساها بعد ذلك ؟
و نسيتها ثم عدت .
و على موتها أنتهي ..
عندما ولجت منزلي وجدتها منكفئة على وجهها . ارتعدت فرائصي ، هوت بي الدهشة
، هل هي حقاً أم أنها ضرب من الخيال ؟ و لم أكن اعرف أنها قد أغلقت قلبي
بمفاتيحها الجميلة ، حلمت بها ليلتها كما رأيتها لكنها كانت بغير ذلك
الخاتم ، صعقت و لم أسألها عن مكانه .
استيقظت من نومي و كان الخاتم في يدي ، أعطيته لمجنونة جديدة تجلس بجواري
الآن ، و في الصالة مع جلبة النساء سقط الخاتم أرضاً و سقطت معه أحلامي
القرمزية ..
أغني ..
كانوا قد جاءوا بها جثة متفحمة ليلة أن فكرت بزيارتهم مع والديّ في المساء
، ولجت الحارة الضيقة . كانت حدة القصف تروع السكان جميعهم ، سرت تجاه
الطريق الترابي الغائص بنفايات المخيم ، و هناك كانت الجموع ترفرف حول
أقبية الثكنة ، سألنا و سألت عما جرى ، ثم فجأة سقطت في موتي ، إغفاءتي
التي طوحتني أرضاً ، كأنني لم أع ما كانوا يقولون ، سقطت أرضاً و أنا
أسمعهم ، كان أحدهم يصرخ و قد غسل العرق جسده كحمامة طاهرة تغتصب السماء :
لقد تهاوت مع صاروخ غادر صفع شارع المخيم بأكمله .. و انتهي مع الغبار .
****
ميت أنا
لكني على موتها سأظل أغنّي
و أغنّي
و أغنّي ..
16/ 11/ 2005
**********************
أول الصفحة
© Arab World
Books |
|